لم تعد صناعة المنسوجات في مصر مجرد نشاط لإنتاج الخيوط والأقمشة، وإنما تتحول تدريجيًا إلى قاعدة صناعية تمتد آثارها إلى الملابس الجاهزة والمفروشات ومجموعة واسعة من المنتجات النهائية، في وقت تستهدف فيه استثمارات جديدة إضافة مراحل تصنيع أخرى داخل السوق المحلية.
وتكشف بيانات التجارة الخارجية عن اتساع حجم الأنشطة المرتبطة بالقطاع؛ إذ بلغت صادرات الغزل والمنسوجات نحو 1.06 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، فيما سجلت صادرات الملابس الجاهزة نحو 3.1 مليار دولار، إلى جانب 573 مليون دولار صادرات للمفروشات.
وتبرز هذه الأرقام أهمية الانتقال من مجرد إنتاج الخامة إلى تعميق التصنيع، بحيث تمر المنتجات بعدد أكبر من مراحل الإنتاج داخل مصر قبل وصولها إلى المستهلك أو الأسواق الخارجية.
سلسلة تبدأ بالغزل وتنتهي بمنتج نهائي
تتحرك صناعة المنسوجات عبر سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ بالغزل والنسيج، ثم تمتد إلى الصباغة والتجهيز والطباعة، قبل أن تدخل الخامات في صناعات نهائية مثل الملابس الجاهزة والمفروشات.
وتسمح زيادة عدد هذه الحلقات داخل السوق المحلية برفع القيمة المضافة للمنتج، فضلًا عن توفير جزء من احتياجات المصانع من مستلزمات الإنتاج محليًا وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المكونات المستخدمة في مراحل التصنيع اللاحقة.
وتوضح هيئة التنمية الصناعية أن مجمع شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى يضم مراحل إنتاج تبدأ من الغزل والنسيج، مرورًا بالصباغة والتجهيز، وصولًا إلى الملابس الجاهزة، بما يعكس توجهًا نحو بناء منظومة إنتاجية أكثر تكاملًا.
ويكتسب هذا التكامل أهمية خاصة بالنسبة للقطن المصري، إذ يتيح تحويله من خامة إلى منتجات تمر بمراحل تصنيع متعددة، بدلًا من اقتصار الاستفادة الاقتصادية على المراحل الأولية من سلسلة الإنتاج.
970 مليون جنيه لاستثمارات جديدة في السخنة
وفي إطار إضافة حلقات جديدة إلى هذه المنظومة، يأتي مشروع شركة CWA للمنسوجات بالمنطقة الصناعية في السخنة، باستثمارات تبلغ نحو 970 مليون جنيه وعلى مساحة تصل إلى 15 ألف متر مربع.
ويستهدف المشروع بدء التشغيل والإنتاج خلال الربع الثالث من عام 2026، مع إنتاج مجموعة متنوعة من المنسوجات وأغطية الأرضيات وحافظات السجاد.
ولا يقتصر المشروع على إنتاج الخامات، إذ يتضمن تنفيذ مراحل تصنيع تشمل الطباعة والتجهيز واللصق والحفر والقص والحياكة، بما يضيف عمليات جديدة إلى سلسلة القيمة داخل المصنع.
ومن المستهدف أن يوفر المشروع نحو 200 فرصة عمل مباشرة في مرحلته الأولى، على أن يرتفع العدد تدريجيًا إلى 500 فرصة خلال خمس سنوات.
وعلى مستوى التصدير، يستهدف المشروع صادرات تبدأ بنحو 10 ملايين دولار في السنة الأولى من التشغيل، وترتفع إلى نحو 30 مليون دولار خلال خمس سنوات، وفق بيانات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
4.7 مليار دولار.. صادرات قطاعات مرتبطة بالمنسوجات
وتوضح بيانات أول 11 شهرًا من عام 2025 اتساع قاعدة المنتجات المرتبطة بصناعة المنسوجات.
فقد بلغت صادرات الغزل والمنسوجات نحو 1.06 مليار دولار، بينما وصلت صادرات الملابس الجاهزة إلى 3.1 مليار دولار، وسجلت المفروشات نحو 573 مليون دولار.
وبجمع هذه القطاعات، تتجاوز صادراتها 4.7 مليار دولار خلال الفترة محل البيانات، وهو ما يعكس حجم النشاط التصديري المرتبط بالمنظومة النسيجية، وإن كانت هذه الأرقام لا تعني أن صادرات القطاعات النهائية تعتمد بالكامل على خامات منتجة محليًا.
وتكشف هذه البيانات في الوقت نفسه عن مساحة واسعة يمكن للاستثمارات الجديدة أن تتحرك داخلها، سواء عبر زيادة إنتاج الخامات أو توطين مستلزمات الإنتاج أو إضافة مراحل تصنيع جديدة.
«صناعة تغذي صناعة».. القيمة لا تتوقف عند الأقمشة
تتميز صناعة المنسوجات بقدرتها على تغذية صناعات أخرى بمدخلات الإنتاج؛ فالقماش يمثل مدخلًا أساسيًا لصناعة الملابس، كما تدخل المنتجات النسيجية في صناعة المفروشات وأغطية الأرضيات وغيرها من المنتجات.
وبالتالي، فإن زيادة الإنتاج المحلي في مرحلة معينة يمكن أن تنعكس على مراحل أخرى من السلسلة، سواء من خلال توفير الخامات أو تقليل زمن وتكلفة الحصول عليها أو تقليل الحاجة إلى استيراد بعض المدخلات.
وتزداد الفائدة الاقتصادية كلما أمكن تنفيذ مراحل أكثر داخل السوق المصرية، لأن كل مرحلة تصنيع إضافية تعني إضافة قيمة جديدة إلى المنتج قبل وصوله إلى السوق النهائية.
الاستثمارات الجديدة تراهن على تعميق التصنيع
ولا يرتبط التوسع في صناعة المنسوجات بزيادة الطاقات الإنتاجية فقط، وإنما يرتبط أيضًا بتغيير طبيعة المنتج الذي يخرج من المصنع.
فإنتاج الخيوط أو الأقمشة يمثل مرحلة في سلسلة أطول، بينما تتيح عمليات الصباغة والطباعة والتجهيز والحياكة تحويل الخامة إلى منتجات أكثر تنوعًا وقابلية للتسويق والتصدير.
ومن هذا المنظور، يصبح الاستثمار في المراحل الوسيطة والنهائية من الصناعة مكملًا للاستثمار في الغزل والنسيج، وليس بديلًا عنه، لأن قوة سلسلة القيمة تعتمد على ترابط حلقاتها وقدرتها على تلبية احتياجات بعضها البعض.
من قطاع إنتاجي إلى قاعدة صناعية
وتشير حركة الاستثمارات والصادرات إلى أن الرهان على صناعة المنسوجات لا يتعلق فقط بزيادة إنتاج الأقمشة والخيوط، وإنما ببناء قاعدة صناعية يمكنها خدمة مجموعة أكبر من الصناعات النهائية.
فكلما توسعت قاعدة الإنتاج المحلي، وزادت مراحل التصنيع التي تتم داخل مصر، ارتفعت فرص تحقيق قيمة مضافة أكبر، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وخلق فرص عمل، وتوسيع قاعدة المنتجات القابلة للتصدير.
وفي هذه المعادلة، لا تصبح المنسوجات مجرد صناعة قائمة بذاتها، وإنما حلقة أساسية في سلسلة صناعية تبدأ من الخامة ولا تنتهي إلا عند المنتج النهائي والأسواق الخارجية.