العامرية .. صناعات محلية علي الخريطة العالمية


Sun 27 Sep 2026 | 02:51 PM
محمد سلامة

في منطقة العامرية بالإسكندرية، تتشكل ملامح سلسلة صناعية متكاملة تربط بين إنتاج المواد الوسيطة والصناعات التحويلية والمنتجات النهائية، في نموذج يعكس توجهًا متزايدًا نحو تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة ورفع القدرات التصديرية.

فمن مصانع الكربون الأسود، الذي يدخل كمدخل أساسي في صناعة الإطارات والمطاط والبلاستيك والأحبار والدهانات، إلى مصانع الإطارات التي تخدم قطاعات النقل واللوجستيات، تتصل حلقات إنتاجية يمكن أن تمنح الصناعة المصرية مساحة أوسع لتوطين مستلزمات الإنتاج وتقليل الاعتماد على الواردات، بالتوازي مع تعزيز النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

526 مليون دولار استثمارات في الكربون الأسود

يمثل مصنع بيرلا كربون مصر إحدى أبرز حلقات هذه السلسلة الصناعية، باستثمارات تصل إلى 526 مليون دولار، على مساحة تبلغ نحو 165 ألف متر مربع، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 250 ألف طن سنويًا.

ويُوجَّه ما لا يقل عن 80% من إنتاج المصنع للتصدير إلى أكثر من 27 دولة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، مع توفير نحو 450 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

وتتجاوز أهمية الكربون الأسود كونه منتجًا تصديريًا، إذ يمثل مادة وسيطة تدخل في عدد من الصناعات، وفي مقدمتها الإطارات والمنتجات المطاطية، فضلًا عن البلاستيك والأحبار والدهانات.

وبحسب بيانات التجارة الدولية، تجاوزت صادرات مصر من الكربون الأسود 112 ألف طن خلال 2024، بقيمة تراوحت بين نحو 216 و234 مليون دولار، فيما شملت أبرز الأسواق المستوردة تركيا وإسبانيا وفرنسا وفنلندا وإيطاليا.

وتعكس هذه الأرقام أهمية توسيع الطاقة الإنتاجية وتحسين التكنولوجيا وكفاءة استخدام الموارد، ليس فقط لتلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما أيضًا للحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.

الإطارات.. الحلقة التالية في سلسلة القيمة

تنتقل المادة الوسيطة من الكربون الأسود إلى واحدة من أهم الصناعات المستفيدة منه، وهي صناعة الإطارات.

وفي مصنع بروميتيون للإطارات إيجيبت بالعامرية، تبلغ الطاقة الإنتاجية نحو 1.2 مليون إطار سنويًا، مع توجيه أكثر من 70% من الإنتاج إلى التصدير لأسواق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

كما يوفر المصنع نحو 2154 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، فيما يلبي قرابة 30% من احتياجات السوق المصرية من إطارات النقل الثقيل.

ولا تقتصر أهمية المصنع على الإنتاج والتصدير، إذ يضم مركزًا للبحث والتطوير متخصصًا في إطارات الشاحنات والحافلات، ويُعد الأول من نوعه للشركة في أفريقيا والشرق الأوسط، بما يعزز الارتباط بين التصنيع المحلي والتطوير التكنولوجي والابتكار.

مليارا دولار لمجمع متكامل للإطارات

وتتسع خريطة الاستثمار في القطاع مع التحركات لإنشاء مجمع متكامل لإنتاج الإطارات في منطقة برج العرب باستثمارات مستهدفة تصل إلى ملياري دولار.

وجرى الإعلان في أبريل 2026 عن مناقشات بشأن المشروع، مع خطط لتوجيه نحو 90% من الإنتاج إلى التصدير، إلى جانب إقامة صناعات مغذية مرتبطة بالقطاع، من بينها المطاط والكربون الأسود.

ويمثل هذا النوع من المشروعات تحولًا من الاستثمار في المنتج النهائي فقط إلى بناء منظومة صناعية متكاملة، تبدأ من المواد الخام والمدخلات، مرورًا بمكونات الإنتاج، وصولًا إلى المنتج النهائي والتصدير.

الصناعات المغذية.. الحلقة التي تضاعف القيمة المضافة

وتكتسب الصناعات المغذية أهمية خاصة في هذه المعادلة، إذ إن زيادة إنتاج الإطارات محليًا تخلق طلبًا إضافيًا على المطاط والكربون الأسود ومكونات أخرى، بينما يؤدي توطين هذه المدخلات إلى رفع نسبة القيمة المضافة محليًا وتقليل الحاجة إلى استيراد مستلزمات الإنتاج.

وفي يونيو 2026، ناقشت الحكومة مع عدد من كبرى الشركات الصينية المتخصصة في صناعة الإطارات خطط التوسع والاستثمار في مصر، مع التركيز على نقل التكنولوجيا الحديثة، وتوطين التصنيع، وزيادة القدرات الإنتاجية والتصديرية.

وتتجاوز أهمية هذه الصناعة حدود قطاع التصنيع نفسه، نظرًا لارتباط الإطارات بصورة مباشرة بقطاعات النقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل تطويرها جزءًا من منظومة صناعية أوسع.

العامرية.. ميزة لوجستية لسلسلة الإنتاج

وتمنح منطقة العامرية ميزة إضافية لهذه السلسلة، بفضل وجود قاعدة صناعية متطورة وقربها من الموانئ ومنافذ التصدير، إلى جانب موقعها الذي يربط مناطق الإنتاج بالأسواق المحلية والخارجية.

ويعني تقارب الصناعات الوسيطة والتحويلية ومنافذ التصدير إمكانية بناء سلاسل إمداد أكثر كفاءة، بما قد يساهم في خفض تكاليف النقل وتحسين سرعة تداول المدخلات والمنتجات النهائية.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية المنطقة على استضافة مصانع منفردة، وإنما تمتد إلى إمكانية بناء تجمع صناعي تتكامل داخله مراحل متعددة من الإنتاج.

الاستدامة.. شرط متزايد للنفاذ إلى الأسواق

ومع زيادة الاعتماد على التصدير، أصبحت معايير البيئة والاستدامة عنصرًا متزايد الأهمية في تنافسية المنتجات الصناعية، خاصة مع تشدد الأسواق الدولية في متطلبات الانبعاثات وكفاءة استخدام الطاقة والموارد.

وفي هذا الإطار، تتجه الصناعة إلى تبني ممارسات تستهدف تحسين كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات، بما يدعم قدرة الشركات المصرية على التعامل مع المتطلبات البيئية للأسواق الخارجية.

ويقدم مصنع بروميتيون نموذجًا لذلك، إذ تضم منشآته نحو 19 ألف متر مربع من المساحات الخضراء، بينما تصل قدرته على معالجة المياه إلى 500 متر مكعب يوميًا، مع إعادة تدوير نحو 19 طنًا من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ضمن استراتيجية تستهدف رفع كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات حتى عام 2030.

ولا تنفصل هذه الإجراءات عن استراتيجية التصدير، إذ أصبحت كفاءة الإنتاج والبصمة البيئية للمنتجات جزءًا من معايير النفاذ إلى عدد من الأسواق الدولية.

من مادة وسيطة إلى منتج تصديري

تكشف تجربة العامرية عن نموذج تتصل فيه حلقات الصناعة بدلًا من عملها بصورة منفصلة؛ فالكربون الأسود يمثل مادة وسيطة تدخل في صناعة الإطارات، والإطارات بدورها تخدم قطاعات النقل واللوجستيات، بينما يساهم البحث والتطوير في تحسين المنتجات، وتوفر الموانئ والبنية اللوجستية قناة للوصول إلى الأسواق الخارجية.

ومع وصول الطاقة الإنتاجية لمصنع بيرلا كربون إلى 250 ألف طن سنويًا، وطاقة بروميتيون إلى 1.2 مليون إطار سنويًا، إلى جانب الاستثمارات الجديدة المستهدفة في صناعة الإطارات، تتشكل أمام الصناعة المصرية فرصة لتوسيع سلسلة القيمة من المواد الأساسية إلى المنتجات النهائية.

ويعني تعميق هذه الروابط الصناعية إمكانية زيادة القيمة المضافة محليًا، ورفع القدرة على التصدير، وتوطين جانب أكبر من مستلزمات الإنتاج، فضلًا عن دعم الاندماج في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.

وبذلك، تتحول صناعة الكربون الأسود والإطارات في العامرية من نشاطين صناعيين متجاورين إلى حلقتين ضمن منظومة أوسع لتعميق التصنيع المحلي، تجمع بين الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والصناعات المغذية والتصدير، مع تزايد أهمية الاستدامة كعامل رئيسي في الحفاظ على القدرة التنافسية عالميًا.