تشهد السوق العقارية في الوقت الراهن حالة من إعادة ترتيب الأوراق، بالتزامن مع التحركات الرامية إلى التعامل مع حالات التعثر والحفاظ على حقوق العملاء، في ظل توجيهات رئاسية حاسمة دفعت الجهات المعنية إلى فحص وفرز العقود المبرمة مع الشركات، للتأكد من نسب التنفيذ ومدى الالتزام بسداد المستحقات المالية، خاصة مع تزايد حالات التأخير في تسليم الوحدات التي امتدت في بعض المشروعات لسنوات.
ولا خلاف على أن السوق العقارية تواجه تحديات متعددة، في مقدمتها نسب التعثر بين بعض المطورين والعملاء، إلى جانب تأخر عدد من الشركات في التنفيذ والتسليم لأسباب مختلفة، وهي تداعيات لا ينبغي أن يتحمل تبعاتها العميل الجاد الذي يلتزم بسداد مستحقاته في المواعيد المحددة.
وهنا تبرز مسؤولية جهات الولاية على الأراضي، التي فتحت في فترات سابقة الباب أمام تخصيص الأراضي وفق مستندات وإجراءات لم تكن كافية في بعض الحالات لضمان جدية الشركات، وهو ما أسهم في اتساع قاعدة المتعاملين مع السوق وظهور أعداد أكبر من المتضررين والمضاربين.
وعند النظر إلى حجم المبيعات العقارية خلال عامي 2024 و2025، نجد أن الأرقام المعلنة تقترب من 5 تريليونات جنيه كمبيعات تعاقدية للشركات العقارية، إلا أن هذا الرقم قد يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 و15% حال إضافة مبيعات الشركات العاملة في الأقاليم والشركات الفردية التي تنشط في مناطق مختلفة داخل المحافظات.
وبذلك، قد تقترب مبيعات السوق العقارية خلال العامين من 6 تريليونات جنيه، مع التأكيد على أن عام 2024 كان عامًا استثنائيًا من حيث حجم المبيعات، وبالتالي لا يمكن اتخاذه وحده معيارًا للحكم على معدلات المبيعات أو مستهدفات الشركات، خاصة في ظل القفزات السعرية الكبيرة التي شهدتها السوق خلال تلك الفترة.
ومع دخول السوق عام 2026، أصبحت الشركات أمام التزامات تنفيذية ضخمة لا تقل قيمتها عن 3 تريليونات جنيه، مقابل حصولها على ما يتراوح بين 10 و20% من إجمالي قيمة الوحدات المباعة خلال الفترة المشار إليها.
المشهد العقاري انقسم إلى أكثر من اتجاه؛ الأول تمثل في شركات سارعت إلى تنفيذ مشروعاتها، وأثبتت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على ثقة العملاء، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها التطورات الإقليمية والجيوسياسية المحيطة وتأثيراتها على الاقتصاد المصري والقطاع العقاري بصفة خاصة.
أما الاتجاه الثاني، فتعامل مع التدفقات النقدية الناتجة عن المبيعات دون التحرك بالسرعة الكافية نحو تنفيذ المشروعات، بالتزامن مع وضع أسعار بيع لم تعد تتناسب مع المتغيرات التي طرأت على السوق.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ اتجهت بعض الشركات إلى بيع النسبة الأكبر من وحداتها، وفي بعض الحالات تم بيع المشروع بالكامل تقريبًا، قبل بدء التنفيذ الفعلي، لتجد نفسها لاحقًا أمام واقع مختلف يتمثل في ارتفاع تكاليف الإنشاء، والتزامات مالية متزايدة، وضغوط زمنية لتنفيذ المشروعات، فضلًا عن نقص الكوادر التنفيذية القادرة على التعامل السريع مع هذه المتغيرات.
وهنا أصبحت بعض الشركات بين شقي الرحى؛ فمن ناحية التزاماتها تجاه العملاء، ومن ناحية أخرى الارتفاع الكبير في تكلفة التنفيذ مقارنة بالأسعار التي تم البيع بها في وقت سابق.
وفي المقابل، لا يمكن النظر إلى أزمة السوق من زاوية المطور وحده، إذ يلتقي المطور والعميل في مسار واحد، مع وجود فارق واضح بين العميل الجاد الذي يشتري بهدف الانتفاع أو الاستثمار طويل الأجل، وبين المضارب الذي يستهدف تحقيق أرباح سريعة من إعادة بيع الوحدة خلال أقصر فترة ممكنة.
وقد برزت ظاهرة المضاربة بصورة أكبر خلال فترات اضطراب سعر الدولار والقفزات السعرية التي شهدها السوق، قبل أن يدخل القطاع مرحلة تصحيح انعكست على المضاربين أنفسهم، الذين وجد بعضهم نفسه أمام التزامات مالية تجاه الشركات في وقت فرضت فيه الظروف الاقتصادية ضغوطًا إضافية على الميزانيات الشخصية.
ومع تراكم الالتزامات، بدأ بعض المضاربين في البحث عن مخارج لتسييل وحداتهم، سواء بتحقيق هامش ربح محدود، أو حتى بإعادة البيع بالسعر نفسه الذي تم الشراء به في بعض الحالات، بهدف التخلص من الالتزامات المالية المستحقة.
ومع ارتفاع حجم المعروض من الوحدات المرتبطة بالمضاربة والتعثر، جاء إطلاق منصة عقارية تستهدف طرح وحدات المتعثرين وإيجاد حلول تساعد على معالجة تلك الحالات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومنذ الإعلان عن المنصة، أصبح ملف التعثر حاضرًا في مختلف اللقاءات والمجالس والمؤتمرات العقارية، بينما تشير الأرقام المعلنة إلى أن إجمالي الوحدات المعروضة على المنصة يقترب من 8 آلاف وحدة متنوعة، بقيمة مالية تصل إلى نحو 110 مليارات جنيه، مع تفاوت نسب السداد من وحدة إلى أخرى.
لكن تظل هناك نقطة مهمة تتعلق بتوقيت شراء هذه الوحدات، إذ لا تتوافر فترة زمنية موحدة لجميع الحالات؛ فقد تكون هناك وحدات تم بيعها منذ 4 سنوات أو أكثر، وأخرى تم بيعها منذ عامين فقط، وهو ما يجعل قراءة حجم التعثر بحاجة إلى ربط القيمة الإجمالية بتاريخ البيع ونسب السداد والتنفيذ لكل مشروع.
وبحسبة أولية، يقترب حجم المعروض على المنصة من 110 مليارات جنيه، وهي قيمة مرشحة للزيادة، لكن مقارنتها بإجمالي مبيعات السوق العقارية خلال عامي 2024 و2025، والتي تقترب من 6 تريليونات جنيه وفق التقديرات المشار إليها، تعطي نسبة تقترب من 6% علي اعتبار ما يتم عرضه بعيداً عن المنصة.
وتظل هذه النسبة بحاجة إلى قراءة أكثر دقة، نظرًا لاختلاف توقيتات البيع، ونسب السداد، ومراحل تنفيذ المشروعات، فضلًا عن أن الوحدات المعروضة على المنصة لا تمثل بالضرورة جميع حالات التعثر في السوق.
في النهاية، تظل السوق العقارية من القطاعات القادرة على مواصلة العمل والنمو رغم التحديات، إلا أن المرحلة الحالية تفرض إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تصبح القدرة على التنفيذ والالتزام بالتعاقدات عنصرًا أساسيًا في استمرار الشركات داخل السوق.
فالمرحلة المقبلة ستفرض نفسها على أساس الجدية والقدرة على الوفاء بالالتزامات، بينما ستجد الشركات والعملاء الذين دخلوا السوق بهدف تحقيق مكاسب سريعة أنفسهم أمام ضغوط أكبر كلما ارتفعت تكلفة التنفيذ أو تغيرت ظروف السوق.
وفي ظل هذه المتغيرات، فإن الحفاظ على حقوق العملاء، وفرز الشركات القادرة على التنفيذ، وضبط آليات تخصيص الأراضي والبيع، تبدو جميعها عناصر رئيسية لإعادة التوازن إلى السوق والحفاظ على قدرته على النمو خلال الفترة المقبلة.
في نهاية المطاف أقولها رفقًا بالشركات العقارية الجادة أو من أصابها داء التأخر فهناك ظروف قهرية كان المطور هو المحاسب الأول عليها، فقطاع المقاولات حصل علي تعويضات مقابل تغير التكلفة وكذلك مدد إضافية للتنفيذ بقرارات حكومية، وفي النهاية نطالب المطور بالالتزام بجدول التنفيذ فكيف ذلك في ظل إقرار الحكومة لمدد إضافية للتنفيذ، إلا أن الحال يختلف تقييمه مع المتعثرين بشكل مباشر.