يشهد سوق العقارات في مصر تحولًا متسارعًا في آليات تمويل المشروعات، مع توسع المطورين في الاعتماد على مزيج من مصادر التمويل، بدلًا من الاكتفاء بمقدمات وأقساط العملاء، لتشمل التسهيلات المصرفية والقروض المشتركة والتوريق وغيرها من الأدوات التمويلية.
ويأتي هذا التحول في ظل اتساع حجم المشروعات العقارية وامتداد آجال السداد المقدمة للعملاء، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة تنفيذ البنية التحتية والأعمال الإنشائية، وهو ما يزيد الحاجة إلى توفير سيولة مستمرة تتناسب مع طول دورة المشروع، وفقًا لأحدث تقارير شركة الاستشارات العقارية العالمية «سَفِلز مصر (Savills Egypt)».
52.2 مليار جنيه تسهيلات مصرفية
وأظهرت حركة التمويل في السوق العقارية تنامي دور القطاع المصرفي في توفير السيولة للمطورين، حيث تمكن 6 من كبار المطورين العقاريين في مصر من الحصول على تسهيلات مصرفية بإجمالي 52.2 مليار جنيه خلال الفترة من مارس 2025 وحتى أغسطس 2026.
وتوزعت التمويلات بين قروض مشتركة وتمويلات مرحلية وتسهيلات ائتمانية متجددة، بما يمنح الشركات مصادر إضافية للسيولة تساعدها على تمويل احتياجاتها خلال مراحل تنفيذ المشروعات.
التوريق يدخل مرحلة جديدة
في المقابل، يواصل المطورون التوسع في استخدام توريق المستحقات كإحدى الآليات التي تسمح بتحويل التدفقات النقدية المستقبلية الناتجة عن أقساط العملاء إلى سيولة متاحة في الوقت الحالي.
وتتيح هذه الآلية إعادة ضخ الأموال في المشروعات وتمويل الأعمال الإنشائية بدلًا من انتظار تحصيل الأقساط على مدى سنوات، وهو ما يعزز قدرتها على مواجهة الفجوة بين التدفقات الداخلة واحتياجات الإنفاق.
وشهد العام الجاري إطلاق برنامج توريق تصل قيمته الإجمالية إلى 30 مليار جنيه، بدأ بإصدار أولي بقيمة 2.015 مليار جنيه، في مؤشر على زيادة حضور أدوات سوق المال ضمن هيكل تمويل القطاع العقاري.
12 عامًا.. طول آجال السداد يضغط على السيولة
ويرتبط تنوع مصادر التمويل بصورة مباشرة بطبيعة أنظمة السداد التي يقدمها المطورون للعملاء، والتي أصبحت تمتد إلى 8 و10 وحتى 12 عامًا في بعض المشروعات.
وتخلق هذه الآجال فجوة زمنية بين توقيت إتمام عمليات البيع وتحصيل قيمة الوحدات من جانب، وبين احتياجات الإنفاق على أعمال التنفيذ من جانب آخر، ما يدفع الشركات إلى البحث عن مصادر تمويل تضمن استمرار الإنشاءات بالتوازي مع التحصيلات طويلة الأجل.
وبذلك لم يعد التمويل المصرفي أو التوريق مجرد أدوات إضافية، وإنما أصبح تنويع مصادر السيولة جزءًا من آليات إدارة التدفقات النقدية للمشروعات ذات الآجال الطويلة.
المجتمعات المتكاملة ترفع فاتورة التمويل
وتزامن هذا التطور مع تغير طبيعة النشاط العقاري نفسه، إذ انتقل المطورون تدريجيًا من تنفيذ مشروعات محدودة إلى تطوير مجتمعات عمرانية متكاملة وفق مخططات رئيسية واسعة النطاق.
وتتطلب هذه المشروعات ضخ استثمارات كبيرة منذ المراحل الأولى، تشمل تنفيذ شبكات الطرق الداخلية، وأعمال المرافق والبنية التحتية، ومحطات الخدمات، إلى جانب الإنشاءات الرئيسية وتجهيز المناطق العامة والخدمية.
ومع اتساع نطاق المشروعات وتعقد مكوناتها، ترتفع الاحتياجات الرأسمالية للمطور خلال فترة التنفيذ، في وقت تستمر فيه عمليات تحصيل قيمة الوحدات وفق جداول سداد تمتد لسنوات، وهو ما يدفع إلى زيادة الاعتماد على مزيج متكامل من مصادر التمويل لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال مراحل التطوير.