946.5 مليون دولار واردات هواتف في 6 أشهر.. التصنيع المحلي يتوسع والأسعار تقفز في مصر


Sun 27 Sep 2026 | 10:11 AM
محمد سلامة

يشهد سوق الهواتف المحمولة في مصر مفارقة لافتة خلال 2026، إذ يتزامن التوسع المتسارع في التصنيع المحلي وارتفاع الطاقة الإنتاجية مع موجة جديدة من زيادات الأسعار، بالتوازي مع نمو واردات بند «أجهزة الهاتف» بنحو 19.25% خلال النصف الأول من العام.

وبحسب بيانات وتقديرات نقلتها «بلومبرج» واستندت إليها قوائم أسعار الوكلاء ومصادر في قطاع التصنيع، ارتفعت أسعار عدد من الهواتف المصنعة محليًا منذ بداية العام وحتى مطلع سبتمبر، مع تفاوت كبير بين العلامات التجارية والفئات السعرية، في وقت تواجه فيه الشركات ضغوطًا متزايدة من تكاليف التشغيل والمكونات والشحن وسعر الصرف.

زيادات حادة في أسعار الهواتف

تصدرّت سامسونج الزيادات المسجلة في بعض الفئات، إذ ارتفعت أسعار عدد من هواتف الفئة الاقتصادية بنسب وصلت إلى 63.6%، لتبدأ أسعار بعض الأجهزة من نحو 8400 جنيه.

وفي الفئة المتوسطة، وصلت الزيادة في بعض أجهزة الشركة إلى 78.1%، بارتفاع يقترب من 8 آلاف جنيه للهاتف الواحد، وفق قوائم الأسعار التي استند إليها المسح.

ولم تكن سامسونج الوحيدة التي رفعت الأسعار؛ إذ زادت أسعار عدد من هواتف شاومي في الفئة الاقتصادية بما يصل إلى 30%، لتبدأ أسعار بعض الأجهزة من نحو 6700 جنيه، بالتزامن مع وقف طرح بعض الإصدارات.

كما سجلت هواتف أوبو زيادات تصل إلى 28.5% في الفئة الاقتصادية، بينما اقتربت الزيادة في بعض هواتف الفئة المتوسطة من 40%.

أما ريلمي، فارتفعت أسعار هواتفها الاقتصادية بنسبة بلغت 23.7%، ليصل سعر أقل أجهزتها إلى نحو 6 آلاف جنيه، في حين بلغت الزيادة في بعض هواتف الفئة المتوسطة نحو 38%.

ارتفاع تكاليف الإنتاج يضغط على الشركات

ترجع الزيادات الأخيرة، بحسب مسؤولين في شركتين لتصنيع الهواتف، إلى ارتفاع تكاليف التشغيل بأكثر من 35% منذ بداية العام، إلى جانب زيادة أسعار الإلكترونيات عالميًا.

وتشمل الضغوط ارتفاع تكلفة المكونات والمواد الخام والشحن، فضلًا عن تأثير تحركات سعر صرف الجنيه أمام الدولار على تكلفة المدخلات المستوردة.

كما أسهمت اضطرابات حركة الملاحة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في زيادة أعباء الشحن وسلاسل الإمداد، ما انعكس على تكلفة إنتاج الأجهزة وتوزيعها في السوق المحلية.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، تجاوز سعر الدولار مستوى 52 جنيهًا خلال الأسبوع الماضي، فيما جرى احتساب القيم الدولارية الواردة عند هذا المستوى من سعر الصرف.

20 مليون هاتف سنويًا.. طاقة إنتاجية تتوسع

تأتي هذه التطورات في الوقت الذي تشهد فيه مصر توسعًا ملحوظًا في صناعة الهواتف المحمولة محليًا.

ووفق بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ارتفع عدد العلامات التجارية التي تصنع الهواتف وملحقاتها في مصر إلى 15 علامة تجارية، بطاقة إنتاجية قصوى تقترب من 20 مليون وحدة سنويًا، واستثمارات إجمالية تقدر بنحو 200 مليون دولار.

وبلغ إنتاج الهواتف محليًا نحو 10 ملايين جهاز خلال 2025، بينما تستهدف مصر رفع الإنتاج إلى 15 مليون هاتف خلال 2026.

ويعكس نمو الإنتاج توجهًا رسميًا نحو توطين صناعة الإلكترونيات وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، بما يساعد على تقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف واضطرابات سلاسل الإمداد الدولية.

المكون المحلي يرتفع إلى 60%

وفي إطار مساعي الشركات لتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، ارتفعت نسبة المكون المحلي في صناعة الهواتف إلى ما بين 55% و60%، مقابل نحو 45% سابقًا، وفق مصادر في القطاع.

لكن زيادة المكون المحلي لم تكن كافية حتى الآن لوقف موجة ارتفاع الأسعار، في ظل استمرار اعتماد الصناعة على بعض المكونات والمواد الخام المستوردة، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والشحن.

ويعني ذلك أن زيادة نسبة المكون المحلي يمكن أن تخفف من تأثير بعض صدمات الاستيراد وسعر الصرف، لكنها لا تعني بالضرورة انخفاض تكلفة الهاتف النهائي بصورة مباشرة أو فورية.

ضوابط الاستيراد تعزز التصنيع المحلي

تزامن التوسع في التصنيع المحلي مع تشديد الضوابط المنظمة لدخول الهواتف المحمولة المستوردة إلى السوق المصرية، في إطار إجراءات تستهدف تنظيم سوق الأجهزة ودعم الإنتاج المحلي.

وبموجب منظومة «تليفوني»، يتعين على مستوردي الهواتف سداد الضرائب والرسوم المستحقة لضمان استمرار تشغيل الأجهزة على الشبكات المحلية بعد انتهاء مهلة تصل إلى 90 يومًا، مع توفير تسهيلات للمصريين المقيمين في الخارج.

وبذلك، أصبحت تكلفة شراء الهاتف من الخارج مرتبطة ليس فقط بسعر الجهاز في بلد الشراء، وإنما أيضًا بالضرائب والرسوم والتكاليف المرتبطة بإدخاله وتشغيله في السوق المصرية.

فجوة سعرية بين مصر والأسواق الخارجية

وتبرز الفجوة السعرية بين السوق المصرية وبعض الأسواق العالمية في عدد من الأجهزة، إذ أعلنت تريدلاين، أحد الموزعين المعتمدين لمنتجات آبل في مصر، سعرًا يبدأ من 107.5 ألف جنيه لهاتف آيفون 18 برو ماكس بضمان محلي لمدة عامين، أي ما يعادل نحو 2067 دولارًا عند احتساب الدولار بسعر 52 جنيهًا.

في المقابل، يبدأ سعر الهاتف نفسه في الولايات المتحدة من 1299 دولارًا قبل ضريبة المبيعات، وفق السعر المعلن من شركة آبل.

ولا تعني هذه المقارنة أن الفارق بين السعرين يمثل هامش ربح صافيا للموزع، إذ يدخل في السعر المحلي عدد من العناصر، من بينها الضرائب والرسوم وتكاليف الاستيراد والتوزيع والضمان وغيرها من المصروفات المرتبطة بطرح الجهاز في السوق المصرية.

946.5 مليون دولار واردات في 6 أشهر

ورغم نمو الإنتاج المحلي، ارتفعت قيمة واردات مصر من بند «أجهزة الهاتف» بنسبة 19.25% خلال النصف الأول من 2026، لتصل إلى نحو 946.55 مليون دولار، مقابل 793.75 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، وشكلت هذه الواردات نحو 1.97% من إجمالي الواردات غير البترولية.

لكن قراءة هذه الأرقام تتطلب قدرًا من الحذر، إذ إن بند «أجهزة الهاتف» في البيانات التجارية لا يقتصر على الهواتف المحمولة وحدها، وإنما يشمل أجهزة اتصالات أخرى، وبالتالي لا يمكن اعتبار كامل الزيادة في قيمة هذا البند زيادة مباشرة في واردات الهواتف الجاهزة.

التحدي.. تحويل التوسع الصناعي إلى أسعار أكثر تنافسية

تكشف التطورات الأخيرة أن نمو التصنيع المحلي لا يؤدي بالضرورة، في المدى القصير، إلى انخفاض أسعار الهواتف للمستهلك المصري.

فبينما تتوسع الطاقة الإنتاجية وترتفع نسبة المكون المحلي، لا تزال الصناعة معرضة لتأثيرات سعر الصرف وأسعار المكونات الإلكترونية والمواد الخام وتكاليف الشحن والتشغيل.

وتضع هذه المعادلة صناعة الهواتف المصرية أمام تحدٍ مزدوج: زيادة الإنتاج والتوطين من جهة، والحفاظ على القدرة التنافسية للأسعار من جهة أخرى.

ومع استهداف رفع الإنتاج إلى 15 مليون جهاز خلال 2026 واستمرار زيادة المكون المحلي، سيكون تطور تكلفة الإنتاج وحجم واردات المكونات والأجهزة النهائية عاملين رئيسيين في تحديد مدى انعكاس التوسع الصناعي على أسعار الهواتف وفاتورة الاستيراد خلال الفترة المقبلة.