تدخل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التصعيد، في وقت لا تبدو فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب مستعدة لتقديم تسوية سريعة للخلافات مع أوتاوا، بينما تستعد واشنطن لفرض قيود جديدة على واردات كندية، بما يهدد بزيادة الضغوط على الشركات وسلاسل الإمداد العابرة للحدود.
وأكد الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير أن الإدارة الأمريكية لا ترى حاجة ملحة للتوصل إلى اتفاق تجاري جديد مع كندا، رغم استمرار الاتصالات بين الجانبين، في موقف يعكس استعداد واشنطن لإدارة الخلاف لفترة أطول بدلًا من الإسراع في إبرام تسوية.
قيود جديدة تضغط على التجارة
وقال جرير، في تصريحات لشبكة CNBC، إن الولايات المتحدة لا تزال تحصل على احتياجات أساسية من كندا، بما في ذلك النفط والغاز والبوتاس، فيما تستمر حركة المنتجات الزراعية بين البلدين.
وتأتي تصريحاته بالتزامن مع استعداد واشنطن لتطبيق حظر جديد على مجموعة من المنتجات الكندية اعتبارًا من الأسبوع المقبل، تشمل المشروبات الكحولية والدراجات النارية ومنتجات الألبان.
كما تهدد الإدارة الأمريكية بفرض رسوم تصل إلى 50% على السيارات وقطع الغيار والصلب الكندي اعتبارًا من يناير المقبل، في خطوة قد تكون أكثر تأثيرًا على الشركات بسبب الطبيعة المتشابكة لصناعة السيارات في أمريكا الشمالية.
السيارات أمام اختبار جديد
يمثل قطاع السيارات أحد أكثر القطاعات عرضة لتداعيات التصعيد، إذ تعتمد المصانع والموردون في الولايات المتحدة وكندا على شبكة إنتاج مشتركة تمتد عبر الحدود، وتتحرك خلالها قطع الغيار والمواد الخام بصورة مستمرة.
ومن شأن فرض رسوم مرتفعة على السيارات أو مكوناتها أن يزيد تكاليف الإنتاج بالنسبة للشركات، وقد يدفع بعض المصنعين والموردين إلى إعادة النظر في مصادر التوريد ومواقع الإنتاج، في وقت تواجه فيه صناعة السيارات أصلًا ضغوطًا مرتبطة بالتكاليف والمنافسة العالمية.
ولا تقتصر المخاطر على قطاع السيارات؛ فالطاقة تمثل محورًا أساسيًا في العلاقة التجارية، مع استمرار اعتماد الولايات المتحدة على إمدادات كندية من النفط والغاز، ما يجعل التصعيد التجاري أكثر تعقيدًا بالنسبة للجانبين.
كندا ترد برسوم انتقامية
في المقابل، دخلت الرسوم الانتقامية الكندية على السلع الأمريكية حيز التنفيذ في وقت سابق من سبتمبر، بعدما فرضت واشنطن الشهر الماضي رسومًا بنسبة 50% على سلع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار.
ويواصل كل طرف تحميل الآخر مسؤولية تعثر المفاوضات، بينما يحاول المسؤولون الكنديون إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بهدف التوصل إلى ترتيبات تجارية جديدة.
وقال جرير إن الاتصالات بين المسؤولين الكنديين والأمريكيين مستمرة، إلا أن واشنطن لا ترى في الوقت الحالي ما يستدعي التعجيل باتفاق شامل.
أوتاوا تبحث عن بدائل
ويضع التصعيد الحكومة الكندية أمام ضغوط متزايدة لتنويع أسواقها التجارية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ودعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى مواصلة تقليل الاعتماد التجاري على واشنطن، في توجه قد يدفع كندا إلى البحث عن أسواق جديدة وتعزيز العلاقات التجارية مع شركاء آخرين.
لكن إعادة توجيه التجارة ليست عملية سريعة، نظرًا إلى عمق التكامل الاقتصادي بين البلدين، خصوصًا في الطاقة والصناعة والزراعة.
مستقبل اتفاقية USMCA في دائرة الضوء
ويزيد الخلاف من حالة عدم اليقين المحيطة بمستقبل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، التي تنظم جانبًا كبيرًا من التجارة والاستثمار في أمريكا الشمالية.
وتتجه الأنظار كذلك إلى المكسيك، وسط مؤشرات على إمكانية عقد جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن ومكسيكو سيتي خلال أكتوبر.
وقد يؤدي التوصل إلى تفاهم أمريكي-مكسيكي قبل حسم الخلاف مع كندا إلى تغيير موازين التفاوض داخل الإطار التجاري لأمريكا الشمالية، خصوصًا إذا استخدمت واشنطن الاتفاق مع المكسيك كورقة ضغط في المفاوضات مع أوتاوا.
خلاف تجاري بلا قطيعة
ورغم تصاعد الرسوم والقيود، لا تزال التجارة بين الولايات المتحدة وكندا مستمرة على نطاق واسع، ما يعني أن الخلاف الحالي لا يمثل قطيعة اقتصادية، بقدر ما يمثل محاولة لإعادة صياغة شروط التجارة وتوزيع تكاليفها.
وتكمن المخاطر الرئيسية في استمرار حالة عدم اليقين؛ فالشركات العاملة على جانبي الحدود تحتاج إلى وضوح بشأن الرسوم المستقبلية وقواعد المنشأ وتكاليف المكونات حتى تتمكن من اتخاذ قرارات الاستثمار والإنتاج.
وبينما تتمسك واشنطن بعدم الحاجة إلى اتفاق عاجل، تواجه كندا معادلة أكثر تعقيدًا: الحفاظ على تدفق التجارة مع أكبر شريك اقتصادي لها، بالتوازي مع تقليل الاعتماد عليه وتنويع أسواقها. وفي المقابل، قد تجد الشركات الأمريكية والكندية نفسها أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب سلاسل الإمداد، خصوصًا في قطاعات السيارات والطاقة والصناعة.