تسير الحكومة المصرية بخطوات متسارعة نحو توظيف التحول الرقمي في تعزيز ارتباط المصريين بالخارج بوطنهم، ليس فقط عبر تسهيل الحصول على الخدمات الحكومية، وإنما أيضًا من خلال دعم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري. وفي هذا الإطار، يمثل إطلاق خدمة سداد الفواتير والالتزامات المالية إلكترونيًا عبر تطبيق «سهل» حلقة جديدة في استراتيجية تستهدف تيسير المعاملات للمصريين المقيمين بالخارج، وتعزيز الشمول المالي، وترسيخ مساهمتهم في جهود التنمية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه تحويلات المصريين العاملين بالخارج تسجيل مستويات تاريخية، بعدما بلغت 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، لتصبح أعلى قيمة سنوية على الإطلاق، وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة للجاليات المصرية باعتبارها شريكًا رئيسيًا في دعم الاقتصاد الوطني.
«سهل».. منصة رقمية لتيسير الخدمات المالية
وقعت وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بروتوكول تعاون مع شركة «دلتا مصر للمدفوعات – سهل» لإتاحة خدمات سداد الفواتير والالتزامات المالية، إلى جانب فواتير المرافق والخدمات المختلفة، عبر التطبيق الإلكتروني والمنصة الرقمية للشركة.
وجاء توقيع البروتوكول على هامش النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، الذي عُقد تحت شعار «مهما اتغربنا.. مصر تقربنا»، في إطار توجه الدولة لتوسيع نطاق الخدمات الرقمية، بما يتيح للمصريين بالخارج إنجاز معاملاتهم الحكومية بسهولة وأمان من أي مكان في العالم، دون الحاجة إلى التواجد داخل مصر.
أكثر من 11 مليون مصري يمثلون قوة اقتصادية عالمية
تُقدر وزارة الخارجية عدد المصريين المقيمين بالخارج بنحو 11.21 مليون مواطن، موزعين على عشرات الدول، تتصدرها المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت وقطر والأردن، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والمملكة المتحدة.
ويمثل هذا الانتشار رصيدًا اقتصاديًا واستثماريًا مهمًا، سواء من خلال التحويلات المالية أو نقل الخبرات والاستثمارات وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين مصر والدول التي تستضيف الجاليات المصرية.
تحويلات تاريخية تعزز الاحتياطي النقدي
واصلت تحويلات المصريين بالخارج تسجيل أداء استثنائي خلال عام 2025، إذ ارتفعت بنسبة 40.5% لتصل إلى 41.5 مليار دولار، مقارنة مع 29.6 مليار دولار في عام 2024، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، مسجلة أعلى مستوى سنوي في تاريخها.
كما استمر هذا الزخم خلال السنة المالية 2025/2026، حيث ارتفعت التحويلات خلال النصف الأول بنسبة 29.6% لتسجل نحو 22.1 مليار دولار، مقابل 17.1 مليار دولار في الفترة نفسها من العام المالي السابق.
وعلى المستوى الشهري، بلغت التحويلات خلال ديسمبر 2025 نحو 4 مليارات دولار، بزيادة 24% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى شهري يتم تسجيله على الإطلاق.
ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد المصري
تمثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر، إذ تسهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي، وتحسين ميزان المدفوعات، وتعزيز استقرار سوق الصرف، إلى جانب توفير السيولة اللازمة لتمويل الواردات ودعم النشاط الاقتصادي.
كما تشكل هذه التحويلات مصدر دخل رئيسيًا لملايين الأسر المصرية، بما يدعم الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والإسكان، ويحفز تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما ينعكس إيجابًا على معدلات النمو الاقتصادي.
مبادرات لتعزيز ارتباط المصريين بالخارج
ولا تقتصر جهود الدولة على الخدمات المالية، بل تمتد إلى إطلاق حزمة من المبادرات الموجهة للمصريين بالخارج، من بينها «بيتك في مصر» للإسكان، و**«مزرعتك في مصر»** للاستثمار الزراعي، و**«مدرستك في مصر»** للتعليم الرقمي، إلى جانب مبادرات مصرفية مثل «افتح حسابك في مصر» و**«إنستا باي»**، فضلًا عن مبادرة «تأمينك في مصر»، مع العمل على إطلاق مبادرة «جامعتك في مصر» لتوفير فرص التعليم الجامعي لأبناء المصريين بالخارج.
وتستهدف هذه المبادرات توسيع مشاركة المصريين بالخارج في التنمية الاقتصادية، وتشجيعهم على زيادة استثماراتهم وتحويلاتهم، والاستفادة من الفرص التي تتيحها المشروعات القومية وخطط التنمية.
التحول الرقمي.. أداة لتعزيز النمو
يعكس إطلاق خدمة السداد الإلكتروني عبر تطبيق «سهل» توجه الدولة نحو بناء منظومة خدمات حكومية رقمية متكاملة تستجيب لاحتياجات المصريين بالخارج، بما يتماشى مع التطورات المتسارعة في التكنولوجيا المالية.
ومع استمرار تسجيل تحويلات قياسية، تتزايد أهمية تطوير الخدمات الرقمية باعتبارها إحدى الأدوات الداعمة للشمول المالي، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، وترسيخ دور المصريين بالخارج كشريك استراتيجي في تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.