لم يعد ارتفاع الدين العالمي مجرد انعكاس لتوسع الاقتراض الحكومي والخاص، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي مع ارتفاع تكلفة التمويل وخدمة الديون.
فقد قفز إجمالي الديون العالمية بأكثر من 10 تريليونات دولار خلال النصف الأول من العام، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 365.5 تريليون دولار، وفق أحدث بيانات معهد التمويل الدولي.
وتأتي هذه الزيادة رغم تباطؤ وتيرة تراكم الديون مقارنة بالعام الماضي، في وقت وصلت فيه ديون الحكومات والشركات غير المالية إلى مستويات قياسية، بينما تواصل أسعار الفائدة المرتفعة الضغط على الموازنات العامة وتكاليف الاقتراض، خصوصًا في الاقتصادات المتقدمة.
365.5 تريليون دولار.. أين تتركز الديون العالمية؟
أظهر تقرير «مرصد الدين العالمي» أن زيادة الدين خلال النصف الأول من العام كانت أقل من نصف الزيادة المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، والتي بلغت نحو 21 تريليون دولار.
ورغم تباطؤ وتيرة الاقتراض، ظلت الزيادة المسجلة أعلى من متوسط السنوات الخمس الماضية، مدفوعة باستمرار احتياجات التمويل وارتفاع أعباء الحكومات والشركات.
وبحلول الربع الثاني من العام، توزعت الديون العالمية على النحو التالي:
الدين الحكومي: 110.5 تريليون دولار.
ديون الشركات غير المالية: 105.1 تريليون دولار.
ديون القطاع المالي: 84.3 تريليون دولار.
ديون الأسر: 65.7 تريليون دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الحكومات والشركات غير المالية استحوذتا على الجزء الأكبر من مستويات الدين القياسية المسجلة عالميًا.
الأسواق الناشئة تقود الزيادة
استحوذت الأسواق الناشئة على الجزء الأكبر من الزيادة في الدين العالمي، بعدما بلغ إجمالي ديونها نحو 110.6 تريليون دولار خلال الربع الثاني من العام، وكانت الصين في مقدمة الدول التي قادت هذه الزيادة.
وفي المقابل، ارتفع إجمالي ديون الأسواق المتقدمة إلى نحو 255 تريليون دولار.
ورغم تباطؤ تراكم الديون في الاقتصادات المتقدمة بصورة أكبر، فإن الضغوط المالية لا تزال مرتفعة، خصوصًا مع اتساع العجز في موازنات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الفائدة.
تراجع نسبة الدين إلى الناتج.. هل يعكس تحسنًا حقيقيًا؟
استقرت نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي عند نحو 310%، لتظل أقل بنحو 25 نقطة مئوية من ذروتها المسجلة في بداية عام 2021.
لكن انخفاض النسبة لا يعني بالضرورة تراجعًا فعليًا في أعباء الديون، إذ أشار التقرير إلى أن ارتفاع التضخم لعب دورًا رئيسيًا في هذا التحسن الظاهري، بعدما ساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة الاسمية، ما حد من ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج.
وعلى مستوى القطاعات، تراجعت نسبة ديون الأسر إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 55.8% خلال الربع الثاني، مقابل 56.3% خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
كما انخفضت نسبة ديون القطاع المالي إلى الناتج إلى 70.7%، مقابل 71.5%.
في المقابل، ارتفعت نسبة ديون الشركات غير المالية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 89.9%، مقابل 89%، بينما صعدت نسبة الدين الحكومي إلى 94.7% مقارنة بـ92.4%.
فاتورة الفوائد تتجاوز الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي
وتبرز تكلفة خدمة الدين باعتبارها أحد أكبر مصادر الضغط على المالية العامة، بعدما ارتفع متوسط تكلفة الاقتراض الحكومي في دول مجموعة السبع إلى أعلى مستوى منذ منتصف عام 2008.
كما ارتفعت مدفوعات الفائدة السنوية بنحو 85%، فيما دفعت الاقتصادات المتقدمة خلال العام الماضي أكثر من 3.5 تريليون دولار فوائد على السندات الحكومية المتداولة في الأسواق الدولية فقط.
وتتجاوز هذه الفاتورة تقديرات الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي، البالغة نحو 2.6 تريليون دولار، كما تتخطى الإنفاق على الدفاع البالغ 3.1 تريليون دولار، وتقترب من الإنفاق العالمي على الطاقة البالغ 3.4 تريليون دولار.
ارتفاع الفائدة يضاعف ضغوط خدمة الدين
ويعني استمرار مستويات الفائدة المرتفعة أن الحكومات والشركات تواجه تكلفة أكبر عند إعادة تمويل الديون القائمة أو إصدار ديون جديدة، ما قد يحد من المساحة المتاحة للإنفاق والاستثمار في بعض الاقتصادات.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الاقتصادية والجيوسياسية يضيف ضغوطًا جديدة على الجهات المصدرة للديون، في وقت تظل فيه الحاجة إلى التمويل مرتفعة.
وبذلك، لا تكمن المشكلة فقط في حجم الدين العالمي البالغ 365.5 تريليون دولار، وإنما في تكلفة خدمته وقدرة الحكومات والشركات على تحمل أعبائه مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وتكشف بيانات معهد التمويل الدولي عن معادلة أكثر تعقيدًا للاقتصاد العالمي: تباطؤ نسبي في تراكم الديون من جهة، مقابل وصول إجمالي الدين وتكلفة خدمته إلى مستويات قياسية من جهة أخرى، وهو ما يجعل مسار أسعار الفائدة والتضخم والنمو الاقتصادي عوامل حاسمة في تحديد اتجاهات الدين العالمي خلال الفترة المقبلة.