تواجه أسواق الطاقة العالمية ضغوطًا متزايدة لا ترتبط بنقص النفط الخام فحسب، وإنما تمتد إلى القدرة على تكريره وتحويله إلى وقود جاهز للاستهلاك. ومع خروج طاقات تكريرية كبيرة من الخدمة، تتصاعد المنافسة على الديزل ووقود الطائرات والوقود البحري، وسط مخاوف من انتقال تداعيات الأزمة إلى تكاليف الشحن والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
لم تعد وفرة النفط الخام كافية لضمان استقرار أسواق الوقود، في ظل تراجع قدرات التكرير في عدد من المناطق الرئيسية. ووفقًا لتقرير نشره موقع «إيل سولي 24 أورى» الإيطالي، تراجعت طاقة التكرير العالمية بنحو 10% تحت تأثير حربين، في وقت تكافح فيه المصافي العاملة لتعويض النقص من خلال رفع إنتاج المشتقات الأكثر طلبًا، وعلى رأسها الديزل ووقود الطائرات.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي طاقات التكرير المتضررة أو المتوقفة، بما في ذلك المصافي التي تخضع لأعمال الصيانة، يقترب من 11 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى يضع الأسواق أمام اختبار صعب، خاصة مع محدودية قدرة المصافي العاملة على سد الفجوة في وقت قصير.
الديزل يتصدر سباق المصافي
أدت القفزة في هوامش أرباح التكرير إلى دفع المصافي نحو زيادة إنتاج الديزل، الذي وصلت هوامش تشغيله إلى مستويات تاريخية، بعدما ارتفعت إلى نحو ثلاثة أمثال مستوياتها قبل عام.
إلا أن توجيه مزيد من الطاقة التكريرية إلى الديزل يفرض ضغوطًا على إنتاج مشتقات أخرى، ما يزيد احتمالات ظهور اختناقات في أسواق البنزين ووقود الطائرات والوقود البحري وزيوت المحركات.
وبحسب شركة «إنرجي أسبكتس»، قد يصل عجز إمدادات وقود الطائرات في أوروبا إلى 510 آلاف برميل يوميًا خلال الربع الرابع، الأمر الذي قد يدفع القارة إلى زيادة الاعتماد على الواردات لتغطية احتياجاتها، مع ما يترتب على ذلك من ارتفاع محتمل في تكاليف الإمداد والنقل.
أما في آسيا، فتتركز الضغوط بصورة أكبر في سوق الوقود البحري، لا سيما في سنغافورة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإمدادات القادمة من منطقة الخليج. وتقدر «إنرجي أسبكتس» العجز في السوق بنحو 218 ألف برميل يوميًا خلال الربع الحالي.
7 ملايين برميل يوميًا متضررة في روسيا والشرق الأوسط
تكشف بيانات Enverus Intelligence Research عن حجم الضغوط التي تواجه قطاع التكرير، إذ تقدر طاقة التكرير المتضررة أو غير المتاحة في روسيا والشرق الأوسط بنحو 7 ملايين برميل يوميًا.
ومع إضافة الطاقات المتوقفة مؤقتًا بسبب أعمال الصيانة في مناطق أخرى حول العالم، يرتفع إجمالي الخفض في قدرات التكرير إلى نحو 11 مليون برميل يوميًا.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أن استعادة طاقات التكرير لا تتم بالسرعة نفسها التي يمكن أن تتغير بها مستويات الطلب أو الإمدادات، ما يجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي تعطل إضافي في المصافي أو اضطرابات جديدة في تدفقات المنتجات النفطية.
مخزونات الديزل الأمريكية تحت الضغط
وفي الولايات المتحدة، تتزايد الضغوط على سوق الديزل، بعدما وصلت المخزونات إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1982، رغم استمرار المصافي في العمل بمعدلات مرتفعة.
وبالتزامن مع ذلك، بلغ متوسط سعر الديزل في محطات الوقود الأمريكية نحو 6.5 دولار للجالون، بينما ظهرت داخل الكونجرس مقترحات لتعليق صادرات الديزل بهدف زيادة الإمدادات المتاحة للسوق المحلية.
وتعكس هذه التطورات اتساع الفجوة بين الطلب على المنتجات المكررة والقدرة على توفيرها، حتى في الأسواق التي تتمتع بقدرات تكريرية كبيرة.
فاتورة الوقود تنتقل إلى قطاع الشحن
لا تتوقف تداعيات أزمة التكرير عند قطاع الطاقة، إذ يمثل الوقود أحد المكونات الرئيسية لتكلفة تشغيل السفن، ما يجعل ارتفاع أسعار الوقود البحري عاملًا مباشرًا في تحديد تكلفة الشحن البحري.
وفي حال استمرار الضغوط على إمدادات الوقود البحري، يمكن أن تنتقل الزيادة في التكلفة تدريجيًا إلى أسعار نقل السلع، بما يضيف ضغوطًا جديدة على الشركات وسلاسل الإمداد، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري.
كما أن ارتفاع تكاليف الوقود يمكن أن ينعكس على تكلفة الإنتاج والنقل البري والجوي، ما يوسع نطاق التأثير من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد الحقيقي.
أزمة تكرير أم أزمة إمدادات عالمية؟
تضع التطورات الحالية أسواق الطاقة أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم إنتاج النفط الخام، وإنما بمدى قدرة منظومة التكرير العالمية على تحويل الخام إلى المنتجات التي يحتاجها المستهلكون وقطاعات النقل والصناعة.
ومع خروج نحو 11 مليون برميل يوميًا من طاقات التكريربصورة مؤقتة أو نتيجة أضرار وتعطلات، تصبح الأسواق أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار في حال وقوع اضطرابات إضافية.
وبالتالي، فإن استمرار أزمة التكرير لفترة طويلة قد يحولها من مشكلة قطاعية داخل سوق النفط إلى عامل ضغط أوسع على تكاليف الطاقة والنقل والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الطلب على المشتقات النفطية وصعوبة استعادة الطاقات المتوقفة بسرعة.