في ظل التحديات التي تواجه القطاع الصناعي المصري، وفي مقدمتها توفير مستلزمات الإنتاج وتنويع مصادر الخامات وتقليل الاعتماد على المواد الخام البكر، تبرز صناعة إعادة تدوير المخلفات باعتبارها أحد المسارات الواعدة لتوفير مدخلات إنتاج بديلة، وتحويل كميات كبيرة من النفايات إلى موارد اقتصادية يمكن توظيفها في العديد من الأنشطة الصناعية.
ولا تقتصر أهمية إعادة التدوير على البعد البيئي أو الحد من تراكم المخلفات، بل تمتد إلى دعم سلاسل الإمداد الصناعية، وخلق أسواق جديدة للخامات المعاد تصنيعها، وفتح المجال أمام استثمارات في أنشطة الجمع والفرز والمعالجة وإنتاج المواد الوسيطة، بما يعزز القيمة المضافة للموارد المحلية ويدعم توجه الصناعة نحو تعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة.
وتكتسب هذه الفرص أهمية إضافية في ضوء حجم المخلفات التي تنتجها مصر سنويًا، إلى جانب التوسع في البنية التحتية لمنظومة الإدارة والتدوير، وارتفاع عدد المنشآت العاملة في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
25 مليون طن مخلفات سنويًا.. مورد اقتصادي قابل للتصنيع
تشير بيانات وزارة البيئة إلى أن مصر تنتج نحو 25 مليون طن من المخلفات البلدية سنويًا، بما يعادل قرابة 60 ألف طن يوميًا، وهو ما يمثل قاعدة كبيرة من الموارد القابلة للاسترداد وإعادة الاستخدام، شريطة توافر منظومة فعالة للجمع والفرز والمعالجة.
وفي مؤشر على تطور أنشطة إعادة التدوير، أعلنت وزارة البيئة ارتفاع نسبة تدوير المخلفات البلدية الصلبة إلى 37% خلال عام 2025، مقابل 10% في عام 2018، كما ارتفع عدد منشآت المعالجة والتدوير إلى 46 منشأة خلال 2025، مقارنة بـ38 منشأة في 2018.
وتستهدف الدولة رفع معدل تدوير المخلفات إلى 60% بحلول يونيو 2027، وهو ما يعكس التوجه نحو توسيع الطاقة الاستيعابية للمنظومة وزيادة الاستفادة الاقتصادية من المخلفات، بما يتيح توفير كميات أكبر من المواد القابلة للاستخدام في الأنشطة الصناعية المختلفة.
وتتنوع الخامات التي يمكن استخلاصها من المخلفات، لتشمل البلاستيك والمطاط والزجاج والورق والكرتون وبعض المخلفات المعدنية والمنسوجات، وتختلف طبيعة المعالجة والاستخدام النهائي لكل منها وفقًا للخصائص الفنية ومتطلبات التصنيع.
البلاستيك والمطاط والزجاج.. خامات تدخل مجددًا خطوط الإنتاج
تتيح عمليات إعادة تدوير المخلفات إنتاج مجموعة متنوعة من الخامات التي يمكن إعادة إدخالها في سلاسل التصنيع، حيث تتحول المخلفات البلاستيكية، بعد الفرز والغسيل والمعالجة، إلى حبيبات بلاستيكية تستخدم في إنتاج منتجات جديدة، بينما يمكن معالجة مخلفات المطاط لتوفير خامات تدخل في تطبيقات صناعية متعددة.
كما تتيح إعادة تدوير الزجاج استخدام الكسر والفضلات الزجاجية بعد تجهيزها وصهرها في إنتاج عبوات ومنتجات زجاجية جديدة، في حين يمكن تحويل الورق والكرتون المستعمل إلى ألياف تدخل مرة أخرى في صناعة المنتجات الورقية والتعبئة والتغليف.
ولا تتوقف فرص الاستفادة عند هذه الأنواع، إذ تشمل أيضًا المخلفات النسيجية، مثل الأسمال والخرق القطنية وفضلات الخيوط، التي يمكن الاستفادة منها في أنشطة صناعية مرتبطة بإنتاج الألياف والخامات النسيجية، وفقًا لطبيعة المادة وجودتها.
وفي هذا الإطار، تعرض الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات تصنيفات للمخلفات والخردة القابلة لإعادة التدوير، تشمل مخلفات البلاستيك والمطاط، والبلاستيك والمطاط المعاد تدويرهما، وفضلات ونفايات الزجاج، والورق والكرتون المستخدم في إعادة التدوير، إلى جانب الأسمال والخرق القطنية وفضلات الخيوط.
وتحدد الهيئة اشتراطات فحص هذه الأصناف ومسارات تداولها، كما تشترط بالنسبة لمخلفات البلاستيك والمطاط توريدها إلى مصانع مرخصة من هيئة التنمية الصناعية لمزاولة نشاط إعادة التدوير، وفقًا للقواعد المنظمة المنشورة على موقعها الرسمي.
توسع الشركات المعتمدة يدعم تنظيم سوق الخامات المستردة
يمثل تنظيم سوق المخلفات أحد العوامل المرتبطة بقدرة الصناعة على الاستفادة من الخامات المعاد تدويرها، خاصة مع أهمية ضمان وصول المواد إلى منشآت مؤهلة للتعامل معها ومعالجتها وفق الاشتراطات الفنية والبيئية.
وفي هذا السياق، أتاح جهاز تنظيم إدارة المخلفات قوائم إلكترونية للشركات المعتمدة العاملة في أنشطة إعادة تدوير الكاوتشوك وبطاريات الرصاص والمخلفات الإلكترونية وزيوت الطعام المستعملة، بما يوفر بيانات عن الشركات العاملة في هذه المجالات ويساعد على التعرف على الجهات المتخصصة في عمليات المعالجة والتدوير.
كما أعلنت وزارة البيئة وصول عدد عقود القطاع الخاص في أنشطة الجمع والنقل والمعالجة والتدوير إلى 36 عقدًا بنهاية عام 2024، مقابل عقدين في بداية منظومة إدارة المخلفات، وهو ما يعكس اتساع مشاركة الشركات الخاصة في تقديم خدمات المنظومة.
ويتيح هذا التوسع مجالًا أمام نمو الاستثمارات في أنشطة إعادة التدوير، سواء من خلال إنشاء منشآت جديدة أو تطوير خطوط الإنتاج القائمة، فضلًا عن زيادة فرص الربط بين شركات إدارة المخلفات والمصانع التي تحتاج إلى خامات معاد تصنيعها.
جودة الخامات وانتظام الإمدادات.. التحدي أمام المصانع
رغم الفرص التي تتيحها إعادة التدوير لتوفير مصادر بديلة للخامات، فإن تحويل المخلفات إلى مدخلات إنتاج قابلة للاستخدام الصناعي يرتبط بعدد من المتطلبات، في مقدمتها انتظام الإمدادات وتجانس الخامات والالتزام بالمواصفات الفنية التي تحتاج إليها المصانع.
وتبدأ هذه المتطلبات من مراحل جمع المخلفات وفرزها وفصل المواد المختلفة، وصولًا إلى عمليات الغسيل والمعالجة والتجهيز، التي تحدد مدى صلاحية المادة الناتجة للاستخدام في تطبيقات صناعية بعينها.
وتختلف مستويات الجودة المطلوبة بحسب طبيعة الصناعة والمنتج النهائي، إذ يمكن استخدام بعض الخامات المعاد تدويرها في إنتاج منتجات نهائية، بينما تدخل أنواع أخرى في تصنيع منتجات وسيطة أو تطبيقات صناعية لا تتطلب المواصفات نفسها للخامات البكر.
ومن ثم، فإن التوسع في استخدام المواد المعاد تدويرها لا يعني إمكانية إحلالها بالكامل محل الخامات الأولية، وإنما يتيح تنويع مصادر التوريد وتقليل الاحتياج إلى بعض الخامات البكر في الاستخدامات التي تسمح مواصفاتها الفنية بذلك.
مشروعات المعالجة تضيف قدرات جديدة لمنظومة التدوير
بالتوازي مع التوسع في أنشطة إعادة التدوير، تتجه مشروعات إدارة المخلفات إلى تطوير قدرات المعالجة والاستفادة من المخرجات الناتجة عنها، بما يدعم تحويل المخلفات من عبء تشغيلي وبيئي إلى موارد يمكن توظيفها اقتصاديًا.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة البيئة تشغيل محطة أبو رواش بطاقة تصل إلى 1200 طن يوميًا، إلى جانب وحدة تغويز تجريبية في قلهانة بطاقة معالجة تبلغ 2.5 طن يوميًا وقدرة كهربائية تصل إلى 100 كيلووات.
وتعكس هذه المشروعات تنوع مسارات التعامل مع المخلفات، بين استرداد المواد القابلة لإعادة التصنيع والاستفادة من بعض المخرجات في إنتاج الطاقة، بما يوسع نطاق القيمة الاقتصادية الممكن تحقيقها من المنظومة.
إعادة التدوير.. فرصة لتعزيز القيمة المضافة المحلية
تفتح صناعة الخامات المعاد تدويرها المجال أمام بناء حلقة إنتاجية أكثر تكاملًا، تبدأ من المخلفات وتنتهي بمواد تدخل في تصنيع منتجات جديدة، وهو ما يمنح القطاع الصناعي فرصة لتنويع مصادر الخامات والاستفادة من موارد محلية كانت تُفقد أو لا تُستغل بالشكل الاقتصادي الأمثل.
وتظل قدرة هذه الصناعة على دعم المصانع مرتبطة بتطوير تقنيات الفرز والمعالجة، وزيادة الطاقة الإنتاجية للمنشآت المتخصصة، وتحسين جودة الخامات الناتجة، إلى جانب بناء علاقات توريد منتظمة بين شركات إعادة التدوير والمصانع المستهلكة لهذه المواد.
وبينما تستهدف مصر رفع معدلات تدوير المخلفات إلى 60% بحلول يونيو 2027، فإن تحويل هذا المستهدف إلى قيمة صناعية مضافة يتطلب تجاوز مرحلة جمع المخلفات ومعالجتها إلى بناء سوق متكاملة للخامات المعاد تدويرها، قادرة على توفير منتجات مطابقة للمواصفات وذات جودة مستقرة تلبي احتياجات الصناعة المصرية.