تتصاعد الضغوط التضخمية في الأسواق العالمية بفعل تداخل الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، مع استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والنقل وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وهو ما ينعكس على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات، ويضعف القوة الشرائية للمستهلكين.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية والدولية، تبرز أهمية تبني سياسات اقتصادية تعزز مرونة الأسواق المحلية، وتحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد الوطني. وتأتي زيادة الإنتاج المحلي وتوطين الصناعات وتنويع مصادر الطاقة في مقدمة الحلول المطروحة لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية وتقليل الاعتماد على الواردات.
وأكد الدكتور محمد الشوادفي، أستاذ الاقتصاد، أن موجات ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة جاءت نتيجة مجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها أزمات الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف الشحن والنقل، مشيرًا إلى أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران أسهمت في زيادة الضغوط على الأسواق العالمية.
وأوضح أن موجات ارتفاع الأسعار الممتدة منذ عام 2019 انعكست على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من الدول، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة، الأمر الذي زاد أعباء المعيشة وفرض تحديات إضافية على الأسر والشركات.
أزمات الطاقة والشحن تعيد تشكيل خريطة الأسعار العالمية
وأشار الشوادفي إلى أن الطاقة تمثل أحد أبرز محددات تكلفة الإنتاج، نظرًا لارتباطها بمختلف الأنشطة الاقتصادية، موضحًا أن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء يرفع تكاليف تشغيل المصانع ونقل المنتجات وتقديم الخدمات، بما ينعكس تدريجيًا على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
وأضاف أن تكاليف الشحن والنقل والخدمات اللوجستية تمثل عاملًا إضافيًا في زيادة أسعار السلع، إلى جانب تقلبات أسعار المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها القمح، الذي تتأثر أسعاره بحركة التجارة الدولية ومستويات المعروض والطلب في الأسواق العالمية.
ولفت إلى أن تداعيات اضطرابات الإمدادات لا تتوزع بالتساوي بين الاقتصادات، إذ تختلف حدة تأثيرها وفقًا لمستوى التطور الاقتصادي ومدى الاعتماد على الاستيراد لتلبية الاحتياجات الأساسية من الطاقة والغذاء والمواد الخام.
وأوضح أن الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الواردات تكون أكثر عرضة لانتقال التضخم المستورد إليها، خاصة عندما تتزامن زيادة أسعار السلع عالميًا مع ارتفاع تكاليف النقل والشحن وتراجع مرونة سلاسل الإمداد.
التوترات الإقليمية تزيد الضغوط على الاقتصاد المصري
وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، أكد أستاذ الاقتصاد أن استمرار الصراعات والتوترات الإقليمية يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة إلى تجارة الطاقة وحركة الملاحة والإمدادات الدولية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع كميات الإمدادات قد يفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة والإنفاق الحكومي، فضلًا عن زيادة تكلفة استيراد بعض السلع ومدخلات الإنتاج، وهو ما قد ينعكس على تكاليف التشغيل والأسعار المحلية.
وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب سياسات اقتصادية تستهدف تقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، وتنويع مصادر الطاقة، بما يساعد على الحد من انتقال آثار الأزمات الخارجية إلى السوق المصرية.
وأضاف أن بناء اقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات لا يرتبط فقط بالتعامل مع الارتفاعات السعرية الآنية، وإنما يتطلب أيضًا تطوير قاعدة إنتاجية متنوعة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز قدرة الشركات المحلية على تلبية احتياجات السوق.
الطاقة المتجددة وتوطين الصناعة في صدارة الحلول
وشدد الشوادفي على أهمية التوسع في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وفي مقدمتها طاقة الرياح، بما يسهم في تنويع مزيج الطاقة وتقليل التعرض لتقلبات أسعار الوقود في الأسواق الدولية.
وأوضح أن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بالتوازي مع رفع كفاءة استخدام الطاقة، يمكن أن يدعم استقرار تكاليف الإنتاج على المدى الطويل، ويعزز قدرة القطاعات الصناعية على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
وأكد أن توطين الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي يمثلان ركيزتين أساسيتين لتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، والحد من الحاجة إلى النقد الأجنبي، وتعزيز استقرار سلاسل الإمداد داخل السوق المصرية.
وأضاف أن تطوير القدرات الإنتاجية المحلية لا يقتصر أثره على خفض فاتورة الاستيراد، بل يمتد إلى تنشيط القطاع الصناعي وتوفير فرص العمل، وتحسين قدرة الشركات على تلبية احتياجات السوق، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج.
وأشار إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب دعم الاستثمارات الصناعية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة الإنتاج، إلى جانب توفير بيئة أعمال تساعد الشركات على التوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية وتعزيز قدرتها التنافسية.
استقرار الاقتصاد الكلي شرط لتعزيز الاستثمار والإنتاج
وأكد الشوادفي أن تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي وتوفير بيئة مستقرة للأعمال يمثلان عاملين أساسيين لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع في الإنتاج، موضحًا أن استقرار السياسات الاقتصادية يساعد الشركات على التخطيط طويل الأجل واتخاذ قرارات استثمارية أكثر كفاءة.
وأضاف أن دعم الصناعة المحلية وتنويع مصادر الطاقة وتطوير القدرات الإنتاجية يمكن أن يسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد المصري أمام الأزمات الدولية، وتقليل تأثر الأسعار المحلية بالتقلبات الخارجية.
وأوضح أن زيادة الإنتاج المحلي تحتاج إلى تكامل السياسات الصناعية والاستثمارية والتجارية، بما يضمن توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية، وتعزيز القدرة على توفير السلع ومدخلات الإنتاج محليًا، دون الإخلال بمتطلبات المنافسة والكفاءة الاقتصادية.
توطين الإنتاج لتعزيز مرونة الاقتصاد ومواجهة التضخم
وتشير التحديات الراهنة إلى أن مواجهة التضخم المرتبط بالصدمات الخارجية تتطلب حلولًا تتجاوز الإجراءات قصيرة الأجل، لتشمل بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، وتطوير الصناعة المحلية، وتحسين كفاءة منظومة الطاقة والنقل والإمداد.
وفي هذا الإطار، يمثل توطين الإنتاج أحد المسارات المهمة لتقليل تعرض الاقتصاد المصري لتقلبات الأسواق الدولية، بالتوازي مع سياسات اقتصادية تدعم الاستثمار وتحافظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
ومع استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الخام، تظل قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية عاملًا مهمًا في الحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى الأسواق، ودعم استقرار الأسعار والقوة الشرائية على المدى الطويل.