أموال الأثرياء تعيد رسم خريطة العقارات الفاخرة.. لندن تتراجع وطوكيو تتصدر


Sun 04 Oct 2026 | 01:08 PM
محمد سلامة

تشهد خريطة الاستثمار في العقارات الفاخرة حول العالم تحولًا لافتًا، مع تراجع جاذبية لندن، التي ظلت لعقود واحدة من أبرز الوجهات العالمية لأموال الأثرياء، مقابل صعود مدن أخرى تستقطب المزيد من الطلب على العقارات الراقية، وفي مقدمتها طوكيو وسان فرانسيسكو ولشبونة.

وتعكس هذه التحولات تغيرًا في اتجاهات رؤوس الأموال العالمية، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وتغير الأنظمة الضريبية وتقلبات أسواق العقارات، إلى جانب بحث المستثمرين عن أسواق توفر فرصًا أفضل للحفاظ على الثروة وتحقيق العائد، وفقًا لما أوردته صحيفة «الجارديان».

لندن تفقد جزءًا من بريقها العقاري

بعد سنوات طويلة تصدرت خلالها لندن سوق العقارات الفاخرة عالميًا، بدأت الأسعار في المناطق الراقية بالعاصمة البريطانية تسجيل تراجعات ملحوظة.

وانخفضت أسعار المنازل في مناطق وسط لندن بنسبة 8.3% على أساس سنوي حتى يونيو 2026، في حين ارتفع متوسط أسعار المنازل في المملكة المتحدة بنحو 2% خلال الفترة نفسها.

وكانت التراجعات أكثر حدة في بعض المناطق الراقية، إذ انخفضت الأسعار في وستمنستر بنسبة 25.4%، وفي مدينة لندن بنسبة 20.4%، بينما تراجعت في كينسينجتون وتشيلسي بنسبة 14.7%.

وامتد الضغط إلى العقارات الأعلى قيمة، إذ خُفض سعر شقة في ساوث كينسينجتون بنحو مليون جنيه إسترليني إلى 4.4 مليون جنيه، بينما تراجع سعر منزل كان معروضًا مقابل 20 مليون جنيه إلى 14 مليون جنيه.

ارتفاع تكلفة التمويل يغير حسابات المستثمرين

ولا يرتبط ضعف سوق العقارات الفاخرة في لندن بالأسعار وحدها، بل يعكس تحولًا أوسع في سلوك المستثمرين الدوليين.

فبعد سنوات استفادت خلالها العاصمة البريطانية من تدفقات كبيرة لرؤوس الأموال الأجنبية، باعتبار العقارات الفاخرة أداة لحفظ الثروة والاستثمار، دفعت تكاليف الاقتراض المرتفعة والتغيرات الضريبية وظروف سوق العقارات المستثمرين إلى إعادة تقييم قرارات الشراء.

وانعكس ذلك على مدة بقاء العقارات الراقية في السوق، إذ ارتفع متوسط فترة عرضها في لندن إلى 186 يومًا خلال النصف الأول من 2026، مقابل 178 يومًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

كما ارتفع متوسط الخصم عن السعر المطلوب من 8.3% إلى 10.4%، في مؤشر على اتساع الفجوة بين توقعات البائعين واستعداد المشترين للدفع.

طوكيو تتقدم على خريطة العقارات الفاخرة

في المقابل، بدأت مدن أخرى في تعزيز حضورها على خريطة الاستثمار العقاري العالمي.

وارتفعت أسعار العقارات الفاخرة في سان فرانسيسكو بنسبة 4.8% خلال النصف الأول من 2026، بينما زادت في لشبونة بنسبة 3.3%.

لكن طوكيو تصدرت أداء الأسواق الكبرى، بعدما ارتفعت أسعار العقارات الفاخرة فيها بنسبة 7% خلال النصف الأول من العام.

ويرتبط صعود السوق اليابانية بعدة عوامل، من بينها زيادة إقبال المشترين الدوليين، وضعف الين، إلى جانب محدودية المعروض من العقارات الراقية، ما عزز جاذبية الأصول الفاخرة في العاصمة اليابانية.

وفي المقابل، يواجه سوق العقارات الفاخرة في برلين ضغوطًا مختلفة، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف النمو الاقتصادي.

الأثرياء يفضلون الإيجار على التملك

ولا يقتصر تغير سلوك الأثرياء على اختيار المدن والأسواق، بل يمتد إلى طريقة التعامل مع العقارات نفسها.

وتشير بيانات شركة «بيوشامب إستيتس» إلى أن 7 من كل 10 عملاء في قطاع العقارات فائقة الفخامة يفضلون الإيجار بدلًا من الشراء.

ويرتبط هذا الاتجاه بالرغبة في تجنب تكاليف الصيانة ورسوم الشراء والخدمات والضرائب العقارية، فضلًا عن حالة عدم اليقين بشأن اتجاهات الأسعار في المستقبل.

وساهم هذا التحول في زيادة الطلب على العقارات الفاخرة المعروضة للإيجار، إذ ارتفعت الإيجارات في هذا القطاع بنسبة 1.6% خلال العام المنتهي في يونيو، بينما زادت عقود الإيجار التي تتجاوز قيمتها 5 آلاف جنيه إسترليني أسبوعيًا بنسبة 17% خلال العام الماضي.

لندن.. سوقان داخل سوق واحد

ورغم تراجع أسعار جزء كبير من العقارات الراقية في لندن، فإن الصورة تختلف عندما يتعلق الأمر بالعقارات فائقة الفخامة الموجهة إلى أصحاب الثروات الكبرى.

فقد ارتفعت مبيعات العقارات التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه إسترليني بنسبة 50% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

كما زادت الصفقات التي تتراوح قيمتها بين 15 و20 مليون جنيه إسترليني بنحو 40% خلال الربع الثاني.

وتكشف هذه الأرقام عن انقسام واضح داخل سوق العقارات الفاخرة نفسها؛ فالعقارات ذات المواقع الاستثنائية والتصميمات المتميزة والتجهيزات الحديثة لا تزال قادرة على جذب المشترين الدوليين، بينما تواجه العقارات الأقل تميزًا صعوبة أكبر في العثور على مشترين.

خريطة جديدة لأموال الأثرياء

تكشف التحولات الأخيرة أن سوق العقارات الفاخرة لم تعد تتحرك وفق قاعدة واحدة، بل أصبحت أكثر ارتباطًا بحركة الثروات العالمية، وتكلفة التمويل، وحجم المعروض، والبيئة الضريبية، ومدى جاذبية كل مدينة للمستثمرين الدوليين.

وفي الوقت الذي تواجه فيه لندن ضغوطًا تدفع جزءًا من أسعار العقارات الفاخرة إلى الانخفاض، تستفيد طوكيو من ضعف الين ومحدودية المعروض، بينما تستقطب سان فرانسيسكو ولشبونة مزيدًا من الطلب مدفوعة بعوامل اقتصادية وتدفقات جديدة للثروات.

وهكذا، تتحول المنافسة بين المدن الكبرى من مجرد سباق على ارتفاع أسعار العقارات إلى منافسة عالمية على أموال الأثرياء، بحيث تصبح قدرة المدينة على جذب رؤوس الأموال وتوفير أصول عقارية متميزة والحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية عوامل رئيسية في تحديد مستقبل سوق العقارات الفاخرة.