تراجع الواردات الأوروبية بنحو 390 ألف برميل يوميًا يفاقم ضغوط السوق.. ومخزونات الطوارئ أمام اختبار احتواء تكاليف النقل والتضخم تترقب أسواق الطاقة العالمية تداعيات التحركات المرتقبة للسحب من مخزونات الطوارئ، في محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة على سوق الديزل الأوروبية، وسط تراجع الإمدادات القادمة من روسيا والخليج العربي وارتفاع أسعار المنتجات النفطية المكررة. وفي هذا السياق، تبرز خطط ضخ نحو 100 مليون برميل باعتبارها اختبارًا لقدرة المخزونات الاستراتيجية على تخفيف اختناقات الإمدادات والحد من انعكاساتها على تكاليف النقل والإنتاج والتضخم.
ولا يتوقف تأثير هذه الخطوة على حجم الكميات المطروحة فحسب، بل يرتبط أيضًا بسرعة وصولها إلى الأسواق، ونسبة الديزل ضمن الإمدادات، وما إذا كانت الكميات المرتقبة تمثل سحبًا إضافيًا أم جزءًا من اتفاق سابق. وهي عوامل ستحدد مدى قدرة التدخل على توفير إمدادات سريعة للمشترين الأوروبيين وتخفيف الضغوط على الأسعار.
سرعة الضخ تحدد فاعلية التدخل
تتجه الأنظار إلى اجتماع مجلس وكالة الطاقة الدولية، المقرر عقده الخميس 15 أكتوبر 2026، لتوضيح ترتيبات السحب المرتقب من المخزونات الاستراتيجية، في ظل استمرار اضطرابات سوق الديزل وارتفاع أهميته بالنسبة إلى القطاعات الاقتصادية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وفي هذا الإطار، يرى أبهيشيك كومار، من شركة «سبارتا كوموديتيز»، أن ضخ الإمدادات خلال فترة تتراوح بين 20 و30 يومًا يمكن أن يحقق تأثيرًا ملموسًا في السوق، بينما قد تتراجع فاعلية التدخل إذا جرى توزيع الكميات على عدة أشهر.
وتشير تقديراته إلى أن ضخ 50 مليون برميل خلال 30 يومًا يمكن أن يعوض، من حيث الحجم الإجمالي، جانبًا من خسائر الإمدادات المقدرة بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا من روسيا والخليج العربي.
وتعكس هذه التقديرات أهمية العامل الزمني في إدارة أزمة الطاقة؛ إذ إن تأخر وصول الكميات إلى الأسواق قد يحد من قدرتها على تخفيف الضغوط الفورية، حتى مع ضخ أحجام كبيرة من المخزونات.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أطلقت في مارس 2026 عملية سحب منسقة بلغت 400 مليون برميل لمواجهة نقص الإمدادات المرتبط بالحرب الأمريكية الإيرانية، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير. ومنذ ذلك الحين، تعرضت صادرات الديزل الروسية لضغوط بفعل الهجمات الأوكرانية على المصافي والقيود الروسية المفروضة على المبيعات الخارجية.
تراجع الواردات الأوروبية يرفع أهمية المخزونات
تظهر بيانات شركة «كلبر» تراجع واردات الاتحاد الأوروبي من الديزل وزيت الغاز بنحو 390 ألف برميل يوميًا خلال الفترة من مارس إلى سبتمبر، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي واجهتها السوق الأوروبية خلال الأشهر الماضية.
وفي المقابل، تشير الحسابات الواردة في التقرير إلى أن ضخ 50 مليون برميل من الديزل على مدى أربعة أشهر يعادل نحو 400 ألف برميل يوميًا، بما يقترب من حجم الانخفاض المسجل في الواردات الأوروبية.
وتوفر هذه المقارنة مؤشرًا على قدرة السحب من المخزونات على تعويض جانب من نقص الإمدادات، لكنها لا تعني بالضرورة تراجع الأسعار بالنسبة نفسها؛ إذ يعتمد الأثر الفعلي على توقيت وصول الشحنات، وتوزيعها بين الأسواق الأوروبية، ومستويات الطلب، وحجم الإمدادات المتاحة من المصادر الأخرى.
وعلى صعيد التكرير، تراجعت هوامش تكرير الديزل القياسية في أوروبا إلى نحو 85 دولارًا للبرميل يوم الأربعاء 14 أكتوبر، مقارنة بمستويات قاربت 95 دولارًا في أواخر سبتمبر، لكنها لا تزال تعكس استمرار الضغوط في سوق المنتجات النفطية المكررة.
خلاف حول حجم السحب ومصادر الإمدادات
تترقب الأسواق مزيدًا من الوضوح بشأن طبيعة الكميات التي ستُطرح من المخزونات الاستراتيجية، وما إذا كانت ستضاف إلى السحب السابق أم تندرج ضمن الترتيبات المعلنة في مارس.
وأكد تاماس فارجا، من شركة «بي في إم»، أن تحقيق تأثير ملموس يتطلب تنفيذ السحب في وقت قريب، مع التركيز بدرجة أساسية على الديزل، نظرًا إلى الضغوط التي تواجه سوقه الأوروبية.
وكانت حكومات أوروبية قد ناقشت مقترحًا فرنسيًا يقضي بطرح 50 مليون برميل من الديزل و50 مليون برميل من النفط الخام من مخزونات الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، قبل إعلان مجموعة السبع عن سحب إجمالي يبلغ 100 مليون برميل.
وفي سبتمبر، أعلنت الولايات المتحدة الإفراج عن الكمية المتبقية، البالغة 40 مليون برميل من النفط الخام، ضمن اتفاق مارس، وهو ما دفع محللين إلى ترجيح احتمال إدراج هذه الكمية في الترتيبات المرتقبة.
من جانبه، دعا فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، الدول الأعضاء إلى تقييم الحاجة إلى عمليات سحب إضافية من الديزل، الذي يمثل قرابة خُمس مخزونات الطوارئ العامة لدى الوكالة.
ويعكس هذا النقاش تحديًا أساسيًا أمام صناع السياسات، يتمثل في الموازنة بين استخدام المخزونات لاحتواء صدمات الإمدادات على المدى القصير، والحفاظ على احتياطيات كافية للتعامل مع أي اضطرابات جديدة في أسواق الطاقة.
مخزونات الطوارئ تحت ضغط احتياجات الأسواق
تُلزم القواعد الأوروبية الدول بالاحتفاظ بمخزونات طوارئ تكفي لتغطية 90 يومًا على الأقل من صافي الواردات أو 61 يومًا من الاستهلاك المحلي، أيهما أكبر، وفقًا لما أورده التقرير.
لكن اختلاف مستويات المخزونات التجارية والاحتياطيات المتاحة بين الدول يعني أن القدرة على الاستفادة من السحب المنسق لن تكون متساوية في جميع الأسواق، كما أن الإفراج عن المخزونات لا يعالج بالضرورة الأسباب الأساسية لنقص الإمدادات.
وفي سياق الضغوط السياسية المرتبطة بأسعار الوقود، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول الأوروبية إلى استخدام مخزوناتها الطارئة، ملوحًا بإمكانية حظر صادرات الديزل الأمريكية إذا لم تتحرك، في مسعى لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر 2026.
وتضيف هذه التطورات بُعدًا سياسيًا إلى أزمة السوق، إذ تتداخل اعتبارات أمن الطاقة وتوافر الوقود مع الضغوط التضخمية والتكاليف التي تتحملها الشركات والمستهلكون.
التأثير الاقتصادي يمتد إلى النقل والصناعة والتضخم
تكتسب أزمة الديزل أهمية اقتصادية تتجاوز قطاع الطاقة، نظرًا إلى ارتباطه المباشر بقطاعات النقل والشحن والزراعة والصناعة. ومن ثم، فإن استمرار ارتفاع أسعاره قد يزيد تكاليف التشغيل والإنتاج، ويرفع الضغوط على أسعار السلع والخدمات النهائية.
وفي المقابل، قد يسهم ضخ كميات كافية من المخزونات خلال فترة قصيرة في تخفيف اختناقات الإمدادات، والحد من التقلبات السعرية، ومنح الشركات والمستهلكين متنفسًا مؤقتًا من ارتفاع تكاليف الوقود.
لكن هذا الأثر يظل مرهونًا بقدرة الإمدادات الجديدة على الوصول إلى الأسواق التي تعاني نقصًا فعليًا، فضلًا عن تطورات الطلب وأسعار النفط الخام وهوامش التكرير وتدفقات التجارة الدولية.
وتظل المخزونات الاستراتيجية أداة لامتصاص الصدمات المؤقتة، وليست بديلًا دائمًا عن الإمدادات التجارية المنتظمة. لذلك، فإن استمرار اضطرابات الصادرات الروسية والخليجية قد يحد من فاعلية السحب إذا لم تتزامن معه عودة تدريجية للتدفقات الطبيعية أو توفير مصادر بديلة.
ماذا تنتظر الأسواق من اجتماع وكالة الطاقة الدولية؟
تتركز متابعة الأسواق خلال المرحلة المقبلة على ثلاثة عوامل رئيسية: حجم الكميات الإضافية التي ستُطرح فعليًا، والجدول الزمني لوصولها، ونسبة الديزل إلى إجمالي السحب من المخزونات.
فإذا جرى ضخ الإمدادات بسرعة مع توجيه حصة مناسبة إلى سوق الديزل، فقد يساعد ذلك على تخفيف الضغوط السعرية واحتواء انتقال تكاليف الطاقة إلى التضخم. أما إذا امتدت عمليات السحب على مدى أشهر، فقد يكون تأثيرها أقل قدرة على تعويض النقص الفوري في الإمدادات.
وبذلك، لا يتحدد نجاح التحرك المرتقب بالرقم الإجمالي البالغ 100 مليون برميل وحده، بل بمدى توافق توقيت الضخ وتركيبة الكميات مع احتياجات السوق الأوروبية. وفي ظل استمرار اضطرابات الإمدادات، ستظل قدرة المخزونات على تحقيق الاستقرار مرتبطة بالتنفيذ الفعلي للقرارات وتطورات سوق الطاقة العالمية.