تدخل صناعة الأدوية العالمية مرحلة جديدة من المنافسة على رأس المال والابتكار ومراكز البحث والتطوير، مع تدفق استثمارات تتجاوز 600 مليار دولار إلى الولايات المتحدة والصين خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع تراجع نسبي في حصة أوروبا من الأبحاث والتجارب السريرية. ويضع هذا التحول أحد أهم القطاعات الصناعية في القارة أمام تحديات تتعلق بجاذبية الاستثمار، وسرعة تطوير العلاجات، وقدرة المرضى على الوصول إلى الأدوية الجديدة.
سباق عالمي على استثمارات صناعة الدواء
تشهد خريطة الاستثمارات الدوائية العالمية تحولًا متسارعًا، في ظل تنافس الاقتصادات الكبرى على استقطاب شركات الأدوية، ومراكز البحث والتطوير، ومنشآت التصنيع المتقدمة.
وخلال العامين الماضيين، تجاوزت الاستثمارات التي جرى الإعلان عنها في قطاع الأدوية بالولايات المتحدة والصين 600 مليار دولار، في مؤشر على تصاعد المنافسة العالمية على الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، وفي مقدمتها البحث العلمي والتطوير والتصنيع الدوائي.
في المقابل، تكثف شركات الأدوية الأوروبية ضغوطها على صناع القرار لتحسين بيئة الاستثمار داخل القارة. وحذر رؤساء تسع شركات دوائية كبرى، من بينها أسترازينيكا وجلاكسو سميث كلاين ونوفو نورديسك، من تراجع القدرة التنافسية الأوروبية في سباق جذب الاستثمارات الدوائية.
أوروبا تخسر جزءًا من موقعها البحثي
يبرز التحول بصورة أوضح في مجال البحث والتطوير، إذ تراجعت حصة أوروبا من الإنفاق العالمي على أبحاث الأدوية من 43% عام 1990 إلى نحو 31% حاليًا، كما شهدت القارة تراجعًا في حصتها من التجارب السريرية التجارية، لتصل إلى نحو 9% حاليًا، مقابل 18% قبل نحو عقد.
في المقابل، ارتفعت حصة الصين من التجارب السريرية التجارية من أقل من 10% إلى نحو 30% خلال الفترة نفسها، ما يعكس توسع دورها في منظومة البحث والتطوير الدوائي العالمية.
ولا تعكس هذه الأرقام انتقال الاستثمارات فحسب، بل تشير إلى تغير مواقع الأنشطة البحثية التي ترتبط عادةً بتدفقات رأسمالية ووظائف عالية المهارة ونشاط اقتصادي طويل الأجل.
قطاع استراتيجي للاقتصاد الأوروبي
ورغم تراجع الحصة الأوروبية نسبيًا، لا تزال صناعة الأدوية تمثل أحد القطاعات الصناعية المهمة للقارة، حيث تحقق فائضًا تجاريًا يتجاوز 220 مليار يورو، إلى جانب توفير ملايين الوظائف ذات المهارات المرتفعة.
وترى تقديرات شركات الأدوية الأوروبية أن معالجة الفجوة في مجال التجارب السريرية يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية كبيرة؛ إذ قد تضيف نحو 53 مليار يورو إلى الاقتصاد الأوروبي، إلى جانب توفير نحو 82 ألف وظيفة.
وتعكس هذه التقديرات أهمية النشاط البحثي والسريري بالنسبة للاقتصاد، باعتباره يتجاوز كونه مرحلة تمهيدية لإنتاج الدواء، ليصبح مصدرًا للاستثمار والوظائف والنشاط الصناعي.
التحدي لا يتوقف عند جذب الاستثمار
لا تواجه أوروبا منافسة على الاستثمارات والأبحاث فقط، وإنما تمتد التحديات إلى سرعة إتاحة العلاجات الجديدة للمرضى.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، لم تصل 49% من العلاجات التي حصلت على موافقات جديدة خلال العام الماضي إلى المرضى الأوروبيين، مقارنة بنحو 46% في عام 2019.
كما يستغرق وصول العلاجات التي تدخل الأسواق الأوروبية نحو 600 يوم في المتوسط، مع تفاوت المدة بين الدول.
ويضيف ذلك بعدًا آخر للمنافسة العالمية؛ فموقع صناعة الدواء لم يعد مرتبطًا فقط بوجود مصانع أو مراكز بحثية، وإنما بقدرة المنظومة بأكملها على تحويل الابتكار إلى علاج متاح للمرضى في وقت مناسب.
خريطة جديدة لصناعة الدواء
تكشف التطورات المتسارعة عن تحول صناعة الأدوية إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس العالمي على رأس المال والتكنولوجيا والكوادر المتخصصة والقدرات البحثية.
وفي الوقت الذي توسع فيه الولايات المتحدة والصين حضورهما في الاستثمارات والبحث والتجارب السريرية، تواجه أوروبا تحديًا يتمثل في الحفاظ على قاعدتها الصناعية والبحثية، بالتوازي مع تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الجديدة.
وبذلك، يبدو مستقبل صناعة الدواء في القارة مرتبطًا ليس فقط بحجم الإنفاق، وإنما بقدرتها على بناء بيئة أكثر جذبًا للبحث والتطوير، وتوسيع نشاط التجارب السريرية، وتسريع وصول العلاجات الجديدة إلى الأسواق والمرضى.
المنافسة على صناعة الدواء لم تعد سباقًا على إنتاج العقاقير فقط، بل أصبحت سباقًا على امتلاك منظومة الابتكار كاملة؛ من المختبر والاستثمار إلى التجربة السريرية والسوق.