القمح المصري على طاولة المباحثات مع روسيا.. عقود توريد طويلة الأجل ومركز لوجستي لتعزيز أمن الحبوب


Fri 30 Oct 2026 | 05:10 PM
محمد سلامة

تتحرك مصر لتوسيع شراكتها الاستراتيجية مع روسيا في تجارة القمح والحبوب، عبر مباحثات تستهدف تأمين الإمدادات الخارجية بعقود توريد طويلة الأجل، وتطوير البنية التحتية لتخزين وتداول الحبوب، ودراسة إنشاء مركز لوجستي بالموانئ المصرية لتجارة القمح والزيوت وإعادة تصديرها. وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه أهمية أمن الغذاء وسلاسل الإمداد، مع اعتماد مصر على واردات كبيرة من القمح لتلبية احتياجاتها المحلية، رغم ارتفاع الإنتاج المحلي وزيادة الكميات التي تسلمتها الحكومة من المزارعين خلال موسم 2026.

وتعكس المباحثات التي أجراها الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، مع المسؤولين الروس في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، توجه الجانبين نحو تطوير التعاون من مجرد توريد الحبوب إلى شراكة أوسع تشمل التخزين والتداول والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا الرقمية.

عقود توريد طويلة الأجل لتأمين احتياجات مصر من القمح

بحث الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، مع أوكسانا لوت، وزيرة الزراعة الروسية، خلال لقائهما في موسكو يوم 29 أكتوبر، تطورات التعاون التجاري بين البلدين في مجال الحبوب، وآليات ضمان استقرار تدفقات القمح والإمدادات الغذائية، إلى جانب تطوير منظومة التخزين والتداول والخدمات اللوجستية المرتبطة بسلاسل الإمداد.

وتأتي هذه المباحثات استكمالاً للقاءات التي عقدها الجانبان في مدينة سوتشي خلال مايو 2026، على هامش المنتدى الروسي الخامس للحبوب، والتي تناولت إمكانية إبرام عقود توريد طويلة الأجل لشحنات القمح الروسي إلى مصر، بما يدعم استقرار الإمدادات ويسهم في تعزيز قدرة الدولة على تكوين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية.

وفي مؤشر على تنامي حركة التجارة بين البلدين، أعلنت الوكالة الفيدرالية الروسية للدعم الحكومي للقطاع الزراعي، نقلاً عن وزارة الزراعة الروسية، ارتفاع صادرات القمح الروسي إلى مصر خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، دون الكشف عن إجمالي الكميات المصدرة.

مركز لوجستي للحبوب والزيوت بالموانئ المصرية

يمثل مشروع إنشاء مركز لوجستي للحبوب والزيوت بالموانئ المصرية أحد أبرز محاور التعاون الاستثماري المطروحة بين القاهرة وموسكو، إذ يستهدف التصور إنشاء منظومة متكاملة لتخزين الحبوب وتداولها وتصنيعها وإعادة تصديرها.

ووفقاً لما أعلنته وزارة التموين قبل زيارة الوزير إلى موسكو، تستهدف مصر استكشاف فرص التعاون الاستثماري مع الجانب الروسي في المركز اللوجستي الجاري دراسة إنشائه، إلى جانب تطوير البنية الأساسية المرتبطة بتخزين وتداول الحبوب.

وتشمل المشروعات المطروحة تطوير الصوامع ومرافق التخزين، ورفع كفاءة عمليات استقبال شحنات القمح ونقلها وتداولها، فضلاً عن دراسة الأنشطة المرتبطة بتصنيع الحبوب والسلع الغذائية.

ومن شأن تنفيذ هذا التصور أن يوسع نطاق التعاون المصري الروسي ليشمل الخدمات المرتبطة بتجارة الحبوب، بدلاً من اقتصاره على عمليات الاستيراد والتوريد، مع إتاحة فرص لتطوير الأنشطة اللوجستية والتجارية المرتبطة بالموانئ المصرية.

التتبع الرقمي وتكنولوجيا إدارة سلاسل إمداد الحبوب

لم تقتصر المباحثات المصرية الروسية على الجوانب التجارية والاستثمارية، وإنما امتدت إلى التعاون الفني والتكنولوجي، خاصة في مجال التتبع الرقمي للسلع الأساسية وتنظيم تجارة الحبوب.

وشملت الملفات المطروحة تبادل الخبرات بشأن تطبيق نظم التتبع الرقمي «Track & Trace»، بما يدعم متابعة حركة الشحنات ومراحل تداولها، إلى جانب تطوير آليات إدارة سلاسل الإمداد وتحسين كفاءة الخدمات اللوجستية.

ويستهدف هذا التعاون الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا في تنظيم حركة السلع الأساسية، ورفع كفاءة منظومة تداول الحبوب، وتعزيز القدرة على متابعة الشحنات خلال مراحل النقل والتخزين والتوزيع.

واردات مصر من القمح.. روسيا تتصدر قائمة الموردين

تأتي أهمية التعاون مع روسيا في ضوء الوزن النسبي الكبير الذي تمثله في هيكل واردات مصر من القمح، إذ تعتمد السوق المحلية على عدد من المناشئ الخارجية لتوفير احتياجاتها، وفي مقدمتها روسيا وأوكرانيا ودول الاتحاد الأوروبي.

ووفقاً لأحدث تقرير سنوي لمكتب الشؤون الزراعية الخارجية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية، الصادر في 2026، استوردت مصر نحو 8.8 مليون طن من القمح خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026.

وجاءت روسيا في المركز الأول بنحو 5.28 مليون طن، تلتها أوكرانيا بنحو 2.16 مليون طن، ثم دول الاتحاد الأوروبي بنحو 1.12 مليون طن خلال الفترة نفسها.

وقدّر التقرير واردات مصر من القمح خلال السنة التسويقية 2026/2027 بنحو 12.5 مليون طن، بانخفاض يقارب 1.6% مقارنة بالسنة التسويقية السابقة، مع استمرار الاعتماد على القمح الروسي والأوكراني.

وعلى مستوى القيمة المالية، أظهرت أحدث بيانات التجارة الدولية المتاحة في قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية «UN Comtrade»، عبر منصة البنك الدولي «WITS»، أن قيمة واردات مصر من القمح والمزيج من القمح والجاودار بلغت نحو 4.44 مليار دولار خلال عام 2024.

وتصدرت روسيا قائمة الدول الموردة بقيمة بلغت نحو 3.06 مليار دولار، تلتها أوكرانيا بنحو 595.1 مليون دولار، ثم رومانيا بنحو 278.2 مليون دولار، وبلغاريا بنحو 176.6 مليون دولار، وفرنسا بنحو 175.6 مليون دولار.

كما بلغت قيمة واردات القمح من الولايات المتحدة نحو 74.9 مليون دولار، ومن أستراليا نحو 54.4 مليون دولار.

وفي إطار تنويع مصادر الاستيراد، أعلن الدكتور شريف فاروق أمام مجلس الشيوخ يوم 27 أكتوبر 2026 أن قاعدة المناشئ المعتمدة لدى الهيئة العامة للسلع التموينية تضم 22 منشأ لاستيراد القمح، من بينها روسيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وفرنسا وكازاخستان وصربيا ومولدوفا.

الإنتاج المحلي يرتفع إلى 10.2 مليون طن وواردات القمح تتراجع

بالتوازي مع جهود تأمين الإمدادات الخارجية، تعمل مصر على تعزيز الإنتاج المحلي من القمح وتقليل الاعتماد النسبي على الاستيراد، من خلال التوسع في المساحات المزروعة وتحسين إنتاجية الفدان.

وقال علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، إن واردات مصر من القمح تراجعت إلى 12.5 مليون طن خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 13.2 مليون طن خلال العام المالي السابق، بالتزامن مع ارتفاع الإنتاج المحلي بأكثر من 6.5% على أساس سنوي ليتجاوز 10 ملايين طن.

ووفقاً للبيانات التي نشرها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء نقلاً عن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، بلغ إنتاج مصر من القمح نحو 10.2 مليون طن خلال عام 2026، مقابل 9.4 مليون طن في 2025.

كما ارتفعت المساحة المزروعة إلى نحو 3.76 مليون فدان، بزيادة تقدر بنحو 600 ألف فدان مقارنة بالموسم السابق.

وفي تقديرات منفصلة، أشارت «فاو» إلى أن احتياجات مصر من استيراد القمح خلال السنة التسويقية 2026/2027 تقدر بنحو 13.5 مليون طن، بزيادة تقارب 8% على المتوسط، مع استمرار الاعتماد بصورة أساسية على منطقة البحر الأسود في توفير الإمدادات.

وتعكس هذه الأرقام استمرار الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وهو ما يجعل تنويع مصادر الاستيراد وتطوير منظومة التخزين والتوريد من الملفات الرئيسية المرتبطة بأمن الغذاء في مصر.

توريد 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال موسم 2026

سجلت منظومة توريد القمح المحلي تطوراً خلال موسم 2026، بعدما أعلنت وزارة التموين استلام نحو 5 ملايين طن من المزارعين، مقابل قرابة 4 ملايين طن خلال موسم 2025.

وكانت الوزارة قد حددت سعر توريد أردب القمح المحلي خلال موسم 2026 عند 2500 جنيه، وبدأ موسم التوريد في 15 أبريل واستمر حتى 15 أغسطس من العام نفسه.

وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بلغت المساحة المزروعة بالقمح في مصر نحو 3.76 مليون فدان خلال موسم 2026، وقدرت المنظمة الإنتاج بنحو 10 ملايين طن.

كما أشارت إلى أن الحكومة تسلمت نحو 4.7 مليون طن من المزارعين حتى منتصف يونيو، قبل انتهاء موسم التوريد.

وتضم الأصناف المزروعة في مصر مجموعة من الأصناف التي طورها مركز البحوث الزراعية، من بينها مصر 3 ومصر 4، وجيزة 171، وسخا 95 وسخا 96، وسدس 14 وسدس 15، وبني سويف 5 وبني سويف 7، وسوهاج 5 وسوهاج 6.

المخزون الاستراتيجي للقمح.. الصوامع ترتفع إلى 4.4 مليون طن

على صعيد قدرات التخزين، أكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية، في بيان نشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء يوم 12 أكتوبر 2026، أن المخزون الاستراتيجي من القمح آمن ويكفي احتياجات المواطنين لعدة أشهر مقبلة، وذلك رداً على ما أثير بشأن تأثر المخزون بتراجع واردات القمح.

وفي 27 أكتوبر، أعلن الدكتور شريف فاروق أمام مجلس الشيوخ أن متوسط الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية يبلغ نحو 6 أشهر، مع وجود أرصدة أعلى لبعض السلع، دون تحديد مدة مستقلة لمخزون القمح في هذا التصريح.

وأوضح الوزير أن السعات التخزينية للصوامع ارتفعت إلى 4.4 مليون طن من خلال 85 صومعة خلال عام 2026، مقابل 1.2 مليون طن عبر 39 صومعة عام 2014، مع استهداف زيادة الطاقة التخزينية إلى 6 ملايين طن بحلول عام 2030.

كما أعلن الانتهاء من إنشاء 3 مستودعات استراتيجية في محافظات الفيوم والسويس والأقصر، تبلغ مساحة كل منها نحو 10 أفدنة.

وتعكس هذه التطورات التوسع في البنية التحتية لتخزين السلع الأساسية، بما يدعم كفاءة إدارة المخزون وتقليل الفاقد وتحسين القدرة على التعامل مع تقلبات الإمدادات الخارجية.

التعاون المصري الروسي.. من استيراد القمح إلى شراكة لوجستية متكاملة

تتجاوز أهمية المباحثات المصرية الروسية الأخيرة مسألة زيادة واردات القمح، لتشمل تطوير منظومة متكاملة للتجارة والتخزين والتداول والنقل، بما يفتح المجال أمام مشروعات استثمارية جديدة في قطاع الحبوب.

وتتركز الملفات المطروحة على ثلاثة مسارات رئيسية: تأمين الإمدادات من خلال عقود توريد طويلة الأجل، وتوسيع القدرات اللوجستية والتخزينية عبر دراسة إنشاء مركز للحبوب والزيوت بالموانئ المصرية، إلى جانب تطوير نظم التتبع الرقمي وإدارة سلاسل الإمداد.

وفي ظل استمرار اعتماد مصر على واردات القمح لتغطية جانب كبير من احتياجاتها، بالتزامن مع نمو الإنتاج المحلي وزيادة قدرات التخزين، تكتسب هذه الشراكة أهمية اقتصادية وتجارية تتجاوز تأمين الشحنات إلى تطوير البنية الأساسية لتجارة الحبوب.

وتبقى نتائج التعاون مرهونة بما ستسفر عنه المباحثات من اتفاقات تنفيذية بشأن عقود التوريد والمشروعات الاستثمارية، ومدى قدرة الجانبين على تحويل التصورات المطروحة إلى مشروعات فعلية تدعم أمن الإمدادات الغذائية وتعزز موقع الموانئ المصرية في تجارة وتداول الحبوب.