أكد الدكتور محمد راشد، عضو أمانة الإسكان والتنمية العمرانية المركزية بحزب الجبهة الوطنية، أن تزايد الاعتماد على الرفع المالي في صناعة التطوير العقاري يفرض تحديات متزايدة على الشركات خلال فترات الضغوط الاقتصادية، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل أو تغير شروط الائتمان إلى مضاعفة تأثير التقلبات على السيولة والقدرة على استكمال المشروعات، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يرتبط بحجم التمويلات التي تستطيع الشركات جذبها بقدر ارتباطه بقدرتها على توظيفها بكفاءة وإدارة الالتزامات الناتجة عنها.
وأوضح راشد أن الرفع المالي يمثل إحدى الأدوات المهمة لتوسيع النشاط الاستثماري وتسريع تنفيذ المشروعات، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط عندما تتجاوز الالتزامات التمويلية قدرة التدفقات النقدية على تغطيتها، أو عندما يحدث عدم توافق بين آجال الاقتراض ومراحل التنفيذ والتحصيل. وتزداد حساسية هذا التوازن في القطاع العقاري تحديدًا، نظرًا لطول دورة المشروع، وارتفاع تكاليف الأراضي والإنشاءات، وارتباط جانب من التدفقات النقدية بأقساط تمتد لسنوات، في مقابل التزامات تنفيذية وتمويلية تستحق خلال فترات محددة.
وأشار إلى أن أحد الأخطاء في تقييم أداء الشركات العقارية يتمثل في الاعتماد على حجم المبيعات التعاقدية باعتباره مؤشرًا كافيًا على القوة المالية، بينما تظل السيولة الفعلية والقدرة على الوفاء بالالتزامات في مواعيدها من المحددات الأساسية لاستدامة النشاط. فقد تحقق الشركة مبيعات قوية، لكنها تواجه ضغوطًا إذا لم تتناسب معدلات التحصيل مع احتياجات الإنفاق على التنفيذ، وهو ما يجعل إدارة التدفقات النقدية عنصرًا حاسمًا في حماية المشروعات من التعثر الناتج عن اختلال هيكل التمويل.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاقتراض لا ينعكس فقط على المصروفات التمويلية، بل يمتد أثره إلى إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية للمشروعات، ومعدلات العائد المتوقعة، وأولويات التوسع، وقدرة الشركات على الاحتفاظ بهوامش أمان مالية تسمح لها بالتعامل مع المتغيرات غير المتوقعة. كما أن الضغوط التمويلية قد تؤثر في قرارات المستثمرين وتوقيتات ضخ الاستثمارات الجديدة، بما يجعل كفاءة تخصيص رأس المال أكثر أهمية من التوسع الكمي غير المدروس.
وشدد راشد على أن السوق العقارية المصرية تحتاج إلى ترسيخ مفهوم الإدارة الاستباقية للمخاطر، من خلال إخضاع المشروعات لاختبارات ضغط مالي تقيس قدرتها على تحمل ارتفاع تكلفة التمويل أو البناء، وتطوير مؤشرات إنذار مبكر تكشف أي اتساع في الفجوة بين الالتزامات والسيولة المتاحة، إلى جانب ربط خطط التوسع بالملاءة المالية والقدرة الفعلية على التنفيذ. كما تبرز أهمية تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد المفرط على أداة واحدة، مع مراعاة التوازن بين تكلفة التمويل وآجاله وطبيعة التدفقات النقدية المتوقعة من المشروع.
وأكد أن تعزيز استقرار صناعة التطوير العقاري لا يعني الحد من الاستثمارات أو إبطاء خطط التنمية العمرانية، وإنما يتطلب بناء نموذج أكثر كفاءة في إدارة رأس المال، بحيث يصبح التمويل وسيلة لدعم النمو المستدام وليس عاملًا يضاعف المخاطر عند تغير الظروف الاقتصادية. ويستدعي ذلك تطوير أدوات التمويل طويل الأجل، وتوسيع فرص الشراكة الاستثمارية، وتعزيز الشفافية في تقييم المشروعات، بما يدعم قدرة الشركات على التخطيط والتنفيذ وفق أسس مالية أكثر واقعية.
ولفت إلى أن مسؤولية استدامة السوق لا تقع على المطور وحده، بل تتطلب تكاملًا بين السياسات التنظيمية للدولة، ودور المؤسسات التمويلية، وكفاءة الإدارة داخل الشركات. فوضوح القواعد المنظمة للنشاط، وتوافر أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة المشروعات العقارية، والاعتماد على دراسات جدوى تعكس التكلفة الحقيقية والمخاطر المحتملة، كلها عوامل تساعد على حماية الاستثمارات وتعزيز الثقة في السوق، دون نقل المخاطر التجارية إلى المالية العامة أو الاعتماد على تدخلات استثنائية لمعالجة اختلالات كان من الممكن تجنبها بالتخطيط السليم.
واختتم الدكتور محمد راشد بالتأكيد على أن المعيار الحقيقي لقوة شركات التطوير العقاري لا يتمثل في قدرتها على التوسع خلال فترات الرواج فقط، وإنما في قدرتها على الحفاظ على توازنها المالي واستمرارية مشروعاتها خلال فترات التقلبات والضغوط. فالرفع المالي يمكن أن يعزز النمو عندما يستند إلى تدفقات نقدية قابلة للاستدامة، لكنه قد يضاعف الخسائر والضغوط عندما ينفصل حجم الالتزامات عن القدرة على الوفاء بها. ومن ثم، فإن مستقبل الصناعة العقارية في مصر يرتبط بالانتقال من سباق التوسع إلى منافسة قائمة على كفاءة رأس المال، والانضباط المالي، وجودة القرارات الاستثمارية، بما يضمن استمرار التنمية العمرانية على أسس أكثر صلابة واستدامة.