تواجه تايوان مفارقة اقتصادية لافتة؛ فبينما يدفع ازدهار الأنشطة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الاقتصاد إلى تسجيل أحد أقوى معدلات النمو منذ عقود، لا تنعكس هذه الطفرة بالقدر نفسه على الأوضاع المالية لجميع الأسر. ففي الوقت الذي يستفيد فيه المستثمرون من ارتفاع أسعار الأسهم والأصول المالية، لا تزال زيادات الأجور وتحسن فرص العمل أقل تأثيرًا في دخول شريحة واسعة من المواطنين، ما يثير تساؤلات حول مدى انتقال ثمار النمو إلى مستويات المعيشة.
وتتوقع تايوان نمو اقتصادها بنسبة 11.05% خلال العام الجاري، في معدل يعكس قوة الزخم الاقتصادي المدعوم بالطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي. غير أن نتائج مسح أجرته شركة «كاثاي فاينانشال هولدينج»، وفقًا لما أورده موقع «تايبيه تايمز»، تكشف عن فجوة بين قوة المؤشرات الاقتصادية وشعور الأسر بتحسن أوضاعها المالية، في مؤشر إلى أن ارتفاع الناتج وأرباح الاستثمارات لا يضمن بالضرورة تحسنًا متوازنًا في دخول المواطنين وقدرتهم الشرائية.
نصف الأسر تقريبًا لا يشعر بثمار النمو
أظهرت نتائج المسح أن 49% من المشاركين أفادوا بتحسن أوضاعهم المالية نتيجة النمو الاقتصادي، بينما قال نحو نصف المشاركين إن أوضاعهم لم تتحسن بصورة ملموسة أو أصبحت أسوأ.
وتكشف هذه النتائج عن تفاوت في توزيع مكاسب الانتعاش الاقتصادي، إذ لا تتحدد استفادة الأسر من النمو بحجم النشاط الاقتصادي وحده، بل تتأثر أيضًا بمصادر دخلها ومدى امتلاكها للأصول المالية وقدرتها على الاستفادة من ارتفاع قيمتها.
وتزداد أهمية هذه الفجوة في ظل اعتماد جانب من الطفرة الحالية على قطاعات التكنولوجيا وسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية ومكونات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهي أنشطة يمكن أن تحقق نموًا قويًا في الإنتاج والصادرات والأرباح، دون أن تنتقل آثارها بالسرعة نفسها إلى جميع العاملين والقطاعات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن ارتفاع معدل النمو الإجمالي لا يكفي وحده لقياس مدى تحسن مستوى المعيشة، ما لم يترافق مع زيادة الدخول الحقيقية واتساع فرص العمل وتحسن القدرة على تحمل تكاليف السكن والاستهلاك والخدمات.
عوائد الأسهم تتقدم على نمو الأجور
تُظهر تفاصيل المسح أن عوائد الاستثمار في الأسهم وصناديق الاستثمار وغيرها من الأصول المالية كانت أحد أبرز مصادر التحسن المالي لدى المستفيدين من الانتعاش؛ إذ أشار 42% من المشاركين إلى المكاسب الاستثمارية بوصفها مصدرًا لهذا التحسن.
في المقابل، لم تتجاوز نسبة الذين عزوا تحسن أوضاعهم إلى زيادة الرواتب أو المكافآت أو تحسن فرص العمل 10%، بينما أفاد 37% بأن دخولهم لم تشهد زيادة كبيرة.
ويعكس هذا التفاوت اختلافًا جوهريًا بين نمو الثروة الناتج عن ارتفاع قيمة الأصول وتحسن الدخل المتكرر الناتج عن العمل. فالمكاسب الاستثمارية ترتبط بحركة الأسواق وحجم الأصول التي يمتلكها الأفراد، في حين تعتمد قدرة كثير من الأسر على تلبية احتياجاتها اليومية على انتظام الرواتب ومدى نموها مقارنة بتكاليف المعيشة.
كما أن ارتفاع أسعار الأسهم لا يوزع مكاسبه بالتساوي بين المواطنين؛ إذ تميل الأسر التي تمتلك محافظ استثمارية أكبر إلى الاستفادة بصورة مباشرة من صعود الأسواق، بينما قد لا تحصل الأسر التي تعتمد أساسًا على الأجور على مكاسب مماثلة، حتى عندما يسجل الاقتصاد نموًا قويًا.
ومن هذه الزاوية، لا يتمثل التحدي أمام تايوان في الحفاظ على زخم الاستثمار والتكنولوجيا فحسب، بل أيضًا في مدى قدرة هذا الزخم على دعم الأجور وتوسيع فرص العمل وتعزيز استفادة شرائح أوسع من السكان.
التفاؤل الاقتصادي لا يضمن انتعاش الاستهلاك
على الرغم من تفاوت المكاسب المالية، أظهر المسح تحسنًا في مؤشرات التفاؤل بشأن الأوضاع الاقتصادية وتوقعاتها المستقبلية، إلى جانب وصول مؤشر توقعات زيادة الأجور إلى مستوى قياسي، بما يعكس تنامي الآمال بتحسن الدخول خلال الفترة المقبلة.
لكن ارتفاع المعنويات لم ينعكس بصورة متساوية على جميع قرارات الإنفاق؛ إذ سجلت نوايا شراء السلع المعمرة، بما فيها العقارات، ضعفًا نسبيًا، رغم تحسن التوقعات الاقتصادية.
ويشير ذلك إلى أن الثقة في النمو المستقبلي لا تتحول تلقائيًا إلى قرارات شراء فعلية، خصوصًا عندما تتعلق هذه القرارات بالتزامات مالية كبيرة وطويلة الأجل.
فشراء العقارات والسيارات وغيرها من السلع مرتفعة القيمة يعتمد على الدخل المتاح، وتكلفة التمويل، وتوقعات الأسعار، ومدى اطمئنان الأسر إلى استقرار وظائفها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
وبالتالي، قد تظل الأسر حذرة في إنفاقها حتى في ظل ارتفاع مؤشرات الثقة، إذا لم يصاحب التحسن الاقتصادي نمو ملموس ومستدام في دخولها الحقيقية.
التضخم يحد من مكاسب الأجور
يمثل التضخم عاملًا إضافيًا في تفسير محدودية شعور بعض الأسر بثمار النمو. فقد توقع المشاركون في المسح ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة 2.52% خلال العام الجاري، مقارنة بتقديرات حكومية تبلغ 2.07%.
ويعني هذا التفاوت أن الأسر تتوقع ضغوطًا سعرية أكبر مما تعكسه التقديرات الرسمية، وهو ما قد يؤثر في قرارات الاستهلاك والادخار، خصوصًا إذا لم ترتفع الأجور بالقدر الكافي لتعويض الزيادة في تكاليف السلع والخدمات.
وتكمن أهمية هذه المسألة في التمييز بين نمو الأجور الاسمي ونموها الحقيقي؛ فزيادة الراتب لا تعني بالضرورة تحسن القوة الشرائية إذا ارتفعت الأسعار بمعدل مماثل أو أعلى.
وعلى هذا الأساس، ستعتمد استفادة الأسر من أي زيادات مرتقبة في الأجور على مدى تجاوز نمو الدخول لمعدل التضخم، وليس فقط على تحقق زيادة رقمية في الرواتب.
الذكاء الاصطناعي يعزز النمو.. لكن توزيع المكاسب يظل التحدي
تواصل المؤشرات الاقتصادية التايوانية إظهار متانة النشاط الاقتصادي، إذ أشار مؤشر مناخ الأعمال الصادر عن مجلس التنمية الوطني إلى بقاء الاقتصاد ضمن نطاق الازدهار للشهر التاسع على التوالي في أغسطس، مع استمرار ارتفاع المؤشرات الرائدة والمتزامنة.
كما أسهم تحسن معنويات سوق الأسهم في تعزيز التفاؤل، بالتزامن مع تراجع حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأمريكية عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في الشهر السابق، وتجدد الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويمنح الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي تايوان فرصة للاستفادة من موقعها في سلاسل الإمداد التكنولوجية العالمية، ولا سيما في الصناعات المرتبطة بأشباه الموصلات ومكونات الحوسبة المتقدمة. لكن استمرار قوة هذه القطاعات لا يحسم وحده كيفية توزيع المكاسب الاقتصادية بين الشركات والعاملين والأسر.
وتبرز هنا أهمية انتقال آثار النمو من الشركات والأسواق المالية إلى الاقتصاد اليومي، عبر خلق وظائف ذات قيمة مضافة، وتحسين مستويات الأجور، وتوسيع قاعدة المستفيدين من التوسع الاستثماري.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار الأصول قد يعزز ثروة مالكيها، لكنه لا يوفر بالضرورة مصدر دخل إضافيًا للأسر التي لا تمتلك استثمارات مالية، ما يجعل توزيع مكاسب النمو عنصرًا أساسيًا في تقييم جودة الانتعاش الاقتصادي.
الاختبار الحقيقي: تحويل النمو إلى تحسن في مستوى المعيشة
تكشف التجربة التايوانية عن تحدٍ يتجاوز تسجيل معدلات نمو مرتفعة؛ إذ يتعلق الأمر بقدرة الاقتصاد على تحويل المكاسب الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي إلى تحسن ملموس ومستدام في الأوضاع المالية للأسر.
فمن ناحية، توفر قوة الطلب التكنولوجي وارتفاع أداء الأسواق المالية دعمًا للنشاط الاقتصادي والثروة الاستثمارية. ومن ناحية أخرى، تظل وتيرة نمو الأجور، ومسار التضخم، ومدى اتساع فرص العمل عوامل حاسمة في تحديد حجم استفادة المواطنين من هذه الطفرة.
الخلاصة الاقتصادية: نجاح تايوان في تحقيق نمو قوي مدفوع بالذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن جميع الأسر ستشعر بتحسن مماثل في مستوى معيشتها. فالمعيار الأهم لا يقتصر على ارتفاع الناتج وأرباح الشركات وأسعار الأسهم، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد على تحويل هذه المكاسب إلى أجور أعلى، وقوة شرائية أفضل، وفرص أوسع للاستفادة من النمو.