دعت غانا إلى تعزيز التنسيق التنظيمي بين دول غرب أفريقيا في مجال المدفوعات الرقمية، في خطوة تستهدف تسهيل التحويلات المالية العابرة للحدود، وتسريع عمليات التسوية، ورفع كفاءة البنية التحتية المالية الإقليمية، بالتزامن مع تنامي الاعتماد على الخدمات الرقمية ومقدمي حلول التكنولوجيا المالية.
وتأتي الدعوة في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى تعميق التكامل المالي وتطوير أنظمة دفع أكثر ترابطًا، بما يحد من العقبات التنظيمية والتشغيلية أمام المعاملات بين الأسواق، ويعزز حماية العملاء في مواجهة مخاطر الاحتيال الإلكتروني والاضطرابات السيبرانية.
وجاءت هذه التوجهات في كلمة أُلقيت نيابة عن محافظ بنك غانا، جونسون باندت أسياما، خلال افتتاح دورة إقليمية ينظمها المعهد الغربي الأفريقي للإدارة المالية والاقتصادية في العاصمة أكرا، بمشاركة ممثلين عن البنوك المركزية في غامبيا وغانا وليبيريا ونيجيريا وسيراليون.
اختلاف الأطر التنظيمية يحد من التكامل المالي
أكد بنك غانا أن تعزيز الترابط بين الأنظمة المالية في غرب أفريقيا يتطلب قدرًا أكبر من التوافق في المعايير الرقابية وآليات الإشراف على أنظمة الدفع، خاصة مع التوسع المتسارع في الخدمات الرقمية وتزايد دور شركات التكنولوجيا المالية ومقدمي خدمات الدفع في تنفيذ المعاملات.
ويفرض تنوع الجهات المشاركة في منظومة المدفوعات تحديات إضافية على السلطات الرقابية، إذ لم تعد العمليات المالية تعتمد على البنوك وحدها، بل أصبحت تشمل شركات التكنولوجيا ومزودي الحوسبة السحابية وشبكات الاتصالات ومشغلي البنية التحتية الرقمية.
ويزيد هذا التشابك من أهمية التنسيق بين الجهات التنظيمية، خصوصًا عندما تمتد المعاملة الواحدة عبر أكثر من دولة أو تعتمد على مزود خدمات يعمل في عدة أسواق، بما يستدعي تطوير آليات مشتركة لمتابعة المخاطر والاستجابة للحوادث التشغيلية.
وشددت الدعوة على أهمية تبني نهج رقابي يركز على طبيعة النشاط المالي وحجم المخاطر المحتملة وتأثير تعطل الخدمات، بدلًا من الاقتصار على الإشراف التقليدي على المؤسسات المصرفية، بما يواكب التحولات التي يشهدها قطاع المدفوعات.
الأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال في صدارة الأولويات
يمثل الأمن السيبراني أحد أبرز التحديات المرتبطة بتوسع المدفوعات الرقمية، في ظل تزايد الاعتماد على المنصات الإلكترونية وتعدد الأطراف المشاركة في تنفيذ المعاملات وتسويتها.
وفي هذا السياق، دعا بنك غانا إلى تحسين جمع بيانات الاحتيال على مستوى القطاع المالي، وتعزيز سرعة الإبلاغ عن الحوادث، وتوسيع التعاون بين الجهات الرقابية وأجهزة إنفاذ القانون، بما يساعد على اكتشاف الأنماط الاحتيالية والحد من الخسائر المالية.
كما تبرز أهمية تعزيز استمرارية التشغيل ورفع قدرة المؤسسات المالية على التعامل مع الأعطال والهجمات السيبرانية، خاصة في الأنظمة التي تعتمد عليها التحويلات الفورية والمدفوعات اليومية.
ومن شأن تحسين تبادل المعلومات وتنسيق إجراءات الاستجابة بين الدول أن يدعم الثقة في خدمات الدفع الرقمية، ويحد من المخاطر التي قد تنتقل عبر الحدود نتيجة الترابط المتزايد بين الأنظمة المالية.
الأصول المشفرة والعملات المستقرة تحت الرقابة
امتدت الدعوة إلى المخاطر المرتبطة بالأصول المشفرة والعملات المستقرة، مع التأكيد على ضرورة تنظيمها وفقًا لوظيفتها الاقتصادية وطبيعة المخاطر التي قد تفرضها على الاستقرار المالي والنقدي.
وتشمل هذه المخاطر التأثيرات المحتملة على السيادة النقدية والودائع المصرفية والتدفقات الرأسمالية، خصوصًا إذا توسع استخدام هذه الأصول في المدفوعات والتحويلات دون وجود أطر رقابية واضحة.
ويعكس هذا التوجه أهمية تطوير قواعد تنظيمية قادرة على مواكبة الابتكار المالي، مع الحفاظ على سلامة النظام المالي وحماية المتعاملين، بدلًا من التعامل مع مختلف الأصول الرقمية باعتبارها فئة واحدة متجانسة.
ويمثل التنسيق الإقليمي في هذا المجال عاملًا مهمًا لتقليل الفجوات التنظيمية بين الأسواق، ومنع تحول الاختلافات في القواعد إلى مصدر للمخاطر أو وسيلة لتجاوز الضوابط الرقابية.
تجربة غانا في تطوير البنية التحتية للمدفوعات
استعرض بنك غانا تجربته في تطوير منظومة المدفوعات المحلية، بما يشمل نظام التسوية الإجمالية في الوقت الفعلي، ونظام الدفع الوطني، وخدمات التحويل الفوري، إلى جانب ربط المحافظ الإلكترونية بالأرصدة المصرفية.
وتعكس هذه الأدوات توجهًا نحو بناء منظومة مالية أكثر ترابطًا، تسمح بتبادل الأموال وتسويتها بكفاءة أكبر، وتدعم توسيع نطاق الخدمات الرقمية أمام الأفراد والشركات.
لكن تعميم هذه المكاسب على مستوى غرب أفريقيا يتطلب تنسيقًا يتجاوز تطوير البنية التحتية التقنية، ليشمل مواءمة التشريعات والإجراءات التشغيلية والمعايير الرقابية، فضلًا عن تحديد المسؤوليات عند وقوع أخطاء أو أعطال في المعاملات العابرة للحدود.
كما أن نجاح التكامل المالي يرتبط بقدرة الدول المشاركة على تطوير مهارات الجهات الرقابية وتبادل المعلومات الفنية، بما يسمح بمواكبة تطور أنظمة الدفع وتعقيداتها التشغيلية.
التكامل المالي في غرب أفريقيا.. فرص وتحديات
يمثل توحيد أو مواءمة قواعد المدفوعات الرقمية فرصة لتعزيز كفاءة التحويلات بين دول غرب أفريقيا، وتقليل العقبات التي تواجه الشركات والأفراد عند نقل الأموال عبر الحدود، فضلًا عن دعم التجارة الإقليمية وتوسيع نطاق الخدمات المالية الرقمية.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب معالجة اختلاف الأطر القانونية ومستويات الجاهزية التقنية والقدرات الرقابية بين الدول، إلى جانب وضع آليات واضحة لتبادل البيانات والتعامل مع المخاطر المشتركة.
وتشير الدعوة الغانية إلى أن مستقبل التكامل المالي في المنطقة لن يعتمد على سرعة تطوير وسائل الدفع وحدها، بل أيضًا على قدرة البنوك المركزية والجهات التنظيمية على بناء قواعد متقاربة تضمن أمن المعاملات وكفاءة التسوية وحماية العملاء.
وبين تطوير البنية التحتية وتنسيق الرقابة وتعزيز الأمن السيبراني، تتجه الأولويات نحو إنشاء منظومة مدفوعات إقليمية أكثر ترابطًا، بما يدعم حركة الأموال والتجارة ويعزز الثقة في الخدمات المالية الرقمية عبر أسواق غرب أفريقيا.