تواجه الأسر الأمريكية ضغوطًا متزايدة من استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، في وقت قد تتحول فيه أسعار الفائدة والعوائد المرتفعة من عامل داعم لمدخرات بعض الأسر إلى عبء على الاستهلاك والاستثمار.
ويقدر بنك جولدمان ساكس أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة قد يخفض نمو الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي بنحو 0.2 نقطة مئوية خلال 2027، مع تزايد تكلفة الائتمان وتراجع الطلب على السلع والخدمات التي تعتمد على التمويل.
وتأتي تقديرات البنك في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ولا سيما العائد على السندات لأجل 10 سنوات، ما يعكس استمرار تشدد الأوضاع المالية ويزيد تكلفة التمويل أمام الأسر والشركات.
0.2 نقطة مئوية من نمو الاستهلاك
يرى بيرفرانشيسكو مي، الاقتصادي لدى جولدمان ساكس، أن بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول يمكن أن يحد من نمو الاستهلاك الأمريكي بنحو 0.2 نقطة مئوية في 2027.
ويرتبط هذا التأثير بصورة أساسية بارتفاع تكلفة الائتمان، وهو ما قد يدفع الأسر إلى تأجيل بعض قرارات الشراء، خصوصًا بالنسبة للسلع التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل، وفي مقدمتها السيارات.
وتزداد حساسية الاستهلاك لتكاليف الاقتراض كلما طال أمد بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة، إذ ترتفع تكلفة القروض والتمويل، بما قد يضغط على القوة الشرائية للأسر ويحد من الطلب على السلع المعمرة.
تأثير الثروة قد يضيف 0.5 نقطة مئوية
ولا يتوقف السيناريو الذي يطرحه جولدمان ساكس عند تكلفة الاقتراض، إذ يحذر البنك من تأثير محتمل لتراجع قيمة الأصول المالية والسكنية على ما يعرف بـ"تأثير الثروة".
وفي حال استقرت عوائد الأسهم عند مستويات أقل حتى عام 2027، فقد يتراجع نمو الإنفاق الاستهلاكي بنحو 0.5 نقطة مئوية إضافية، وفق تقديرات البنك.
وبذلك قد يصل إجمالي التأثير المحتمل على نمو الاستهلاك إلى نحو 0.7 نقطة مئوية، عند الجمع بين أثر ارتفاع تكاليف الاقتراض وتأثير تراجع قيمة الأصول.
ويعني ذلك أن مسار أسعار الفائدة لا يؤثر فقط على تكلفة التمويل المباشرة للأسر، وإنما يمكن أن يمتد إلى قرارات الإنفاق من خلال تغير قيمة الثروة التي تعتمد عليها الأسر في تحديد مستويات الاستهلاك.
الاستثمار السكني الأكثر حساسية للفائدة
يمتد تأثير ارتفاع تكاليف التمويل إلى سوق الإسكان، الذي يعد من أكثر القطاعات حساسية لتحركات أسعار الفائدة.
ويقدر جولدمان ساكس أن استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يؤدي إلى خفض نمو الاستثمار السكني بنحو نقطتين مئويتين، مع ارتفاع تكلفة التمويل وتراجع قدرة المشترين والمطورين على تحمل مستويات الفائدة المرتفعة.
ويأتي ذلك في ظل ارتباط سوق العقارات بشكل مباشر بتكلفة الرهن العقاري، ما يجعل استمرار ارتفاع العوائد عاملًا ضاغطًا على الطلب والاستثمار في القطاع.
0.3 نقطة مئوية ضغطًا على الإنفاق الرأسمالي
كما يتوقع البنك أن يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى خفض نمو الإنفاق الرأسمالي بنحو 0.3 نقطة مئوية، مع إعادة الشركات تقييم قرارات الاستثمار في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض.
وقد يدفع ارتفاع تكلفة رأس المال الشركات إلى تأجيل بعض المشروعات أو خفض حجم الإنفاق على التوسع والمعدات، خصوصًا في القطاعات الأكثر اعتمادًا على التمويل الخارجي.
عوائد الخزانة تفرض ضغوطًا على الأسواق
ويأتي هذا السيناريو في وقت تمثل فيه عوائد سندات الخزانة الأمريكية أحد أهم محددات تكلفة التمويل وتقييمات الأصول في الأسواق العالمية.
ووفق المعطيات الواردة في التحليل، تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات مستوى 5%، وهو مستوى يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد الضغوط على تقييمات الأصول، خاصة الأسهم والعقارات.
وتؤدي العوائد المرتفعة إلى تشديد الأوضاع المالية عبر أكثر من قناة؛ فهي ترفع تكلفة الاقتراض، وتزيد جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة ببعض الأصول عالية المخاطر، كما تضغط على تقييمات الأسهم عندما ترتفع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم التدفقات النقدية المستقبلية.
الفائدة.. عامل حاسم لمسار الاقتصاد الأمريكي في 2027
وتشير تقديرات جولدمان ساكس إلى أن استمرار الفائدة المرتفعة قد يفرض ضغوطًا متزامنة على الاستهلاك والاستثمار السكني والإنفاق الرأسمالي، ما يجعل مسار أسعار الفائدة والعوائد الأمريكية عنصرًا رئيسيًا في تحديد قوة النشاط الاقتصادي خلال 2027.
وفي السيناريو الأكثر تشددًا الذي يتضمن استمرار ضعف عوائد الأصول، قد يصل الأثر على نمو استهلاك الأسر إلى 0.7 نقطة مئوية، بينما يكون قطاع الإسكان الأكثر تعرضًا لتداعيات ارتفاع تكلفة التمويل، مع انخفاض محتمل في نمو الاستثمار السكني بنحو نقطتين مئويتين.