لم تعد طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قصة تخص شركات التكنولوجيا وأسواق الأسهم فقط، بل دخلت تدريجيًا إلى صميم حسابات السياسة النقدية الأمريكية، بعدما أصبح الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق والطاقة والبنية التحتية الرقمية عاملًا قادرًا على دفع النمو، وفي الوقت نفسه زيادة الطلب والضغوط التضخمية.
وتضع هذه المعادلة مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام تحدٍ جديد: فبينما يمكن للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أن ترفع الإنتاجية وتوسع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد على المدى المتوسط، فإن تسارع الإنفاق عليها قد يضيف ضغوطًا على العمالة والطاقة والمعدات والخدمات في الأجل القصير، إذا لم يواكب العرض هذا الطلب المتزايد.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه التضخم الأمريكي أعلى من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%، بينما تشير التوقعات الاقتصادية الأخيرة إلى وصول متوسط توقعات المسؤولين للتضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، إلى 3.7% خلال العام، قبل تراجعه إلى 2.3% العام المقبل، مع توقع وصول سعر الفائدة الاتحادي إلى 4.1% بنهاية العام الحالي.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة التضخم
اتسعت بصمة الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد الأمريكي بسرعة، ولم تعد تقتصر على تطوير البرمجيات أو إنتاج الرقائق، بل امتدت إلى قطاعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات وشبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية.
هذه الطفرة تثير اهتمام صناع السياسة النقدية لأن الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي أصبح أحد محركات النشاط الاقتصادي، ما يعني أن تأثيره يمكن أن يمتد إلى الطلب الكلي والتوظيف وأسعار السلع والخدمات.
وأشار أوستن جولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، إلى أن التضخم الأمريكي لم يعد مرتبطًا فقط بصدمات جانب العرض، مثل الرسوم الجمركية وأسعار النفط، موضحًا وجود مؤشرات على أن قوة الطلب بدأت تضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار.
وفي هذا السياق، حذر جولسبي من أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع على نطاق أوسع، بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية في قطاع الخدمات.
لماذا يراقب الفيدرالي استثمارات الذكاء الاصطناعي؟
تكمن أهمية طفرة الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الفيدرالي في تأثيرها المزدوج على الاقتصاد.
فعلى الجانب الإيجابي، يؤدي الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والبرمجيات والبنية التحتية إلى زيادة الاستثمار، ويمكن أن يعزز الإنتاجية والطاقة الإنتاجية للاقتصاد، بما يسمح بنمو أكبر دون ضرورة توليد ضغوط تضخمية مماثلة.
ولعل الصورة تختلف إذا تجاوز نمو الطلب قدرة الاقتصاد على الاستجابة، فالتوسع السريع في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يعني زيادة الطلب على العمالة والطاقة والمعدات وخدمات البناء والبنية التحتية، وهو ما قد يرفع تكاليف الإنتاج والأسعار إذا لم يتمكن جانب العرض من مواكبة هذه الزيادة بالسرعة نفسها.
ومن هنا، لا ينظر الفيدرالي إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملًا تضخميًا في حد ذاته، وإنما يراقب كيفية انعكاس موجة الاستثمار على توازن الطلب والعرض والإنتاجية داخل الاقتصاد.
ستاندرد تشارترد: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يدعم النمو
تتزامن هذه التطورات مع استمرار المؤسسات المالية في مراقبة تأثير استثمارات الذكاء الاصطناعي على النمو الأمريكي.
وأشار ستاندرد تشارترد في رؤيته للأسواق إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال مدعومًا بتسارع استثمارات الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن طفرة الاستثمار في هذا المجال أصبحت أحد محركات النمو.
وفي تقييمه لمسار السياسة النقدية، أشار البنك إلى أن الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة إلى نطاق 3.75%–4% في سبتمبر، مع توقع رفع إضافي بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام، قبل استقرار الفائدة خلال 2027 وفق رؤيته المنشورة عقب اجتماع الفيدرالي.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين كل زيادة في استثمارات الذكاء الاصطناعي وقرار رفع الفائدة، وإنما تكمن العلاقة الاقتصادية الأوسع في أن قوة الاستثمار والنمو قد تجعل مهمة خفض التضخم أكثر تعقيدًا إذا استمر الطلب في الارتفاع بوتيرة قوية.
معادلة جديدة للأسواق
تنتقل آثار هذه المعادلة سريعًا من الاقتصاد الحقيقي إلى الأسواق المالية.
فبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول يعني ارتفاع تكلفة التمويل، كما يؤثر في تقييمات الأصول التي تعتمد بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية، وهو ما يجعل أسهم التكنولوجيا والنمو شديدة الحساسية لتغيرات عوائد السندات وتوقعات السياسة النقدية.
وقد استفادت شركات التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة من موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ومن توقعات بارتفاع الإيرادات والأرباح المرتبطة بهذه التقنية.
لكن استمرار صعود عوائد السندات الأمريكية يمكن أن يغير حسابات المستثمرين، إذ تصبح أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية نسبيًا، بينما ترتفع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم الشركات التي تعتمد قيمتها السوقية على أرباح مستقبلية بعيدة.
ويرى ستاندرد تشارترد أن ارتفاع عوائد السندات يمثل أحد العوامل التي تضغط على تقييمات الأسهم، رغم استمرار قوة الأرباح، في الوقت الذي يرتبط فيه أداء سوق الأسهم الأمريكية جزئيًا بتسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
عوائد السندات تضيف ضغوطًا على الأسواق العالمية
ولا تتوقف تداعيات هذه المعادلة عند الأسهم الأمريكية، فعوائد السندات الأمريكية تؤثر في حركة رؤوس الأموال عالميًا، كما تنعكس على أسعار العملات وتكلفة الاقتراض في الأسواق الناشئة.
وعندما ترتفع العوائد الأمريكية أو تتراجع توقعات خفض الفائدة، قد تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جذبًا للمستثمرين، بينما تواجه بعض الأسواق الأخرى ضغوطًا مرتبطة بتكلفة التمويل وتدفقات رؤوس الأموال.
وبالتالي، فإن مسار استثمارات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح عاملًا غير مباشر في تحديد اتجاهات أوسع داخل الأسواق العالمية، عبر تأثيره المحتمل على النمو والتضخم وتوقعات الفائدة.
الإنتاجية أم التضخم؟ الرهان الأكبر
تتمحور المعادلة الجديدة حول سؤال اقتصادي رئيسي: هل ستؤدي طفرة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الإنتاجية بسرعة كافية لاستيعاب الطلب الذي تولده الاستثمارات الضخمة؟
إذا تمكنت التكنولوجيا من رفع الإنتاجية والطاقة الإنتاجية للاقتصاد بوتيرة قوية، فقد تساهم في دعم النمو دون زيادة مماثلة في التضخم، وهو السيناريو الذي يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للموازنة بين النمو واستقرار الأسعار.
أما إذا سبقت وتيرة الطلب قدرة الاقتصاد على زيادة المعروض، فقد تظهر ضغوط على أسعار الطاقة والعمالة والبنية التحتية والخدمات، ما قد يجعل التضخم أكثر استمرارًا ويحد من مساحة خفض الفائدة.
ولهذا أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد قصة استثمارية في قطاع التكنولوجيا؛ فهي تتحول تدريجيًا إلى متغير اقتصادي تراقبه الأسواق من خلال تأثيره المحتمل على النمو والإنتاجية والتضخم والفائدة وعوائد السندات وتدفقات رؤوس الأموال.
وفي هذه المرحلة، لا يكمن التحدي في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد، وإنما في تحديد سرعة انتقال مكاسبه الإنتاجية مقارنة بسرعة نمو الاستثمارات والطلب الذي تولده؛ وهي معادلة ستظل حاضرة في حسابات الفيدرالي والأسواق خلال الفترة المقبلة.