تتجه مصر إلى توسيع استثماراتها في الاقتصاد الأخضر، عبر خطة تستهدف توجيه نحو 637 مليار جنيه إلى الاستثمارات العامة الخضراء خلال العام المالي 2025-2026، بما يعادل 55% من إجمالي الاستثمارات العامة، في إطار تحركات تستهدف دمج الاعتبارات البيئية في السياسات المالية والاستثمارية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية.
ويعكس هذا التوجه تحولًا تدريجيًا في أولويات الإنفاق التنموي، مع تنامي الحاجة إلى تمويل مشروعات الطاقة النظيفة والنقل المستدام والمياه والصرف الصحي، بالتوازي مع البحث عن أدوات تمويل مبتكرة قادرة على تعبئة الموارد المحلية والدولية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.
وتستهدف الحكومة رفع حصة الاستثمارات العامة الخضراء إلى 60% بنهاية العام المالي 2026-2027، بحسب وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، بما يعزز توجه الدولة نحو توسيع نطاق المشروعات المرتبطة بخفض الانبعاثات والتكيف مع المخاطر المناخية.
ولا تقتصر أهمية هذه المستهدفات على زيادة الإنفاق الموجه للمشروعات الصديقة للبيئة، بل تمتد إلى تطوير منظومة تمويل التنمية، من خلال السندات السيادية الخضراء والتمويل المختلط والشراكات مع المؤسسات المالية الدولية، بما يدعم تنويع مصادر التمويل وتحسين كفاءة توجيه الاستثمارات.
637 مليار جنيه.. خريطة الاستثمارات الخضراء في مصر
تتوزع الاستثمارات الخضراء المستهدفة خلال العام المالي 2025-2026 بين مشروعات التخفيف من آثار التغيرات المناخية بنسبة 64%، ومشروعات التكيف مع تداعياتها بنسبة 36%، وفقًا لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
ويعكس هذا التوزيع مسارين متكاملين؛ أولهما الحد من الانبعاثات من خلال التوسع في الأنشطة منخفضة الكربون، وثانيهما تعزيز قدرة القطاعات الاقتصادية والمجتمعات المحلية على التعامل مع المخاطر المناخية، مثل ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة والتغيرات التي تؤثر على المناطق الساحلية والزراعة.
وتتصدر مشروعات النقل الأخضر قائمة الاستثمارات الخضراء بحصة تبلغ 64%، تليها مشروعات المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بنسبة 13%، ثم مشروعات العمران المستدام بنسبة 10%، بحسب وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2025-2026.
وتشمل الأولويات كذلك الطاقة المتجددة، بما فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلى جانب تطوير أنظمة الري، وتحسين إدارة المخلفات، ورفع كفاءة استخدام المياه والطاقة، وتعزيز حماية الشواطئ والمناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية.
ويمثل توجيه الاستثمارات إلى هذه القطاعات فرصة لتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتطوير البنية التحتية، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمارات الخاصة، خاصة في الأنشطة التي تتطلب حلولًا تكنولوجية وتمويلًا طويل الأجل.
السندات السيادية الخضراء.. مصر تدخل سوق التمويل المستدام
بالتوازي مع الإنفاق الاستثماري العام، اتجهت مصر إلى تنويع أدوات التمويل من خلال سوق السندات السيادية الخضراء، التي تتيح للحكومات جمع الأموال من المستثمرين لتمويل مشروعات تستوفي معايير بيئية محددة.
وفي سبتمبر 2020، أصدرت مصر سندات سيادية خضراء بقيمة 750 مليون دولار لأجل خمس سنوات، لتصبح أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تصدر هذا النوع من السندات السيادية، وفقًا لوزارة المالية.
وجاء الإصدار الأول مستهدفًا جمع 500 مليون دولار، مع تحديد سعر استرشادي للعائد عند 5.75%، قبل زيادة قيمة الطرح إلى 750 مليون دولار وخفض العائد إلى 5.25%، في ظل تجاوز طلبات الاكتتاب حجم الإصدار المستهدف.
واستهدفت هذه الخطوة تنويع مصادر التمويل الحكومي، وجذب مستثمرين مهتمين بالمشروعات المستدامة، وتوجيه الموارد إلى مشروعات مؤهلة بيئيًا، بما يتماشى مع أهداف رؤية مصر 2030، وفقًا لتقرير البنك الدولي بشأن الإصدار المصري الأول.
وتكتسب السندات الخضراء أهمية باعتبارها إحدى الأدوات التي تربط التمويل بأهداف بيئية محددة، إلا أن فعاليتها تعتمد على وضوح معايير اختيار المشروعات، والإفصاح عن أوجه استخدام حصيلة الإصدار، وقياس النتائج البيئية الفعلية للمشروعات الممولة.
التمويل المختلط.. بوابة لتوسيع مشاركة القطاع الخاص
مع اتساع احتياجات تمويل التنمية والبنية التحتية، تعمل مصر على تعزيز الاعتماد على أدوات التمويل المختلط، التي تجمع بين الموارد العامة والتمويل الميسر والاستثمارات الخاصة، إلى جانب القروض والمنح المقدمة من شركاء التنمية.
ويتيح هذا النموذج استخدام الموارد العامة والضمانات لتقليل بعض المخاطر المرتبطة بالمشروعات، بما قد يساعد على جذب رؤوس أموال خاصة إلى قطاعات تحتاج إلى استثمارات كبيرة وفترات استرداد طويلة، مثل الطاقة المتجددة والمياه والنقل.
وأشار تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر في مايو 2026، بعنوان «تعبئة التمويل والاستثمار من أجل بنية تحتية عالية الجودة في مصر»، إلى توجه الدولة نحو توسيع استخدام أدوات التمويل المبتكر والشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشروعات البنية التحتية والقطاعات الحيوية.
وفي السياق نفسه، تستهدف خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026-2027 تحقيق استثمارات كلية بنحو 3.7 تريليون جنيه، مع وصول حصة الاستثمارات الخاصة إلى 59%، بما يعادل نحو 2.2 تريليون جنيه، وفقًا للبيانات التي عرضتها وزارة التخطيط في يونيو 2026.
وتعكس هذه المستهدفات توجهًا نحو زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاستثماري، بالتوازي مع تعزيز حوكمة الإنفاق العام وتوجيه الموارد إلى المشروعات ذات الأولوية الاقتصادية والتنموية.
ومع ذلك، فإن توسيع مشاركة القطاع الخاص في التمويل الأخضر يظل مرتبطًا بمدى توافر مشروعات قابلة للتمويل، ووضوح الأطر التنظيمية، وتوزيع المخاطر بصورة مناسبة، إلى جانب قدرة الاستثمارات على تحقيق عوائد اقتصادية وبيئية قابلة للقياس.
التحول الأخضر يبدأ من الطاقة والمياه والنقل
تتجاوز الاستثمارات الخضراء مجرد التوسع في المشروعات البيئية، لتشمل قطاعات ترتبط مباشرة بتنافسية الاقتصاد وقدرته على النمو المستدام.
ففي قطاع الطاقة، يتيح التوسع في مشروعات الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر فرصًا لتنويع مزيج الطاقة، وتقليل الانبعاثات، ودعم تطوير أنشطة اقتصادية تعتمد على مصادر طاقة أقل كثافة كربونية.
أما في قطاع المياه، فتزداد أهمية الاستثمار في محطات المعالجة وإعادة الاستخدام، وتطوير شبكات المياه، وتحسين كفاءة الري، في ظل الضغوط المرتبطة بندرة الموارد المائية وتزايد الاحتياجات الزراعية والسكانية.
وفي قطاع النقل، تستهدف المشروعات المستدامة تطوير وسائل النقل الجماعي والبنية التحتية المرتبطة بها، بما يسهم في تحسين كفاءة استخدام الطاقة والحد من الآثار البيئية للنقل.
كما توفر مشروعات العمران المستدام وتحسين إدارة المخلفات فرصًا لتطوير الخدمات الأساسية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز جودة الحياة في المناطق الحضرية والريفية.
وتعتمد الجدوى الاقتصادية لهذه المشروعات على قدرتها على تحقيق منافع طويلة الأجل، سواء من خلال خفض تكاليف التشغيل أو تحسين كفاءة الموارد أو الحد من الخسائر الناجمة عن المخاطر المناخية.
البيانات الرقمية تعزز كفاءة توجيه التمويل
لا يرتبط نجاح منظومة التمويل المستدام بتوفير الموارد المالية فقط، بل يتطلب أيضًا تطوير آليات التخطيط وتحديد الاحتياجات ومتابعة الإنفاق وقياس النتائج على المستويين الوطني والمحلي.
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي على تطوير منصة بيانات أهداف التنمية المستدامة في المحافظات، بما يساعد على تحديد الفجوات التنموية وترتيب الأولويات وفقًا للاحتياجات المحلية.
كما تستفيد الدولة من الأدوات الذكية لإدارة الميزانية التي طورتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، بهدف ربط التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بقرارات التمويل.
وتدعم هذه الأدوات تحسين عملية تخصيص الموارد، وربط مخصصات الإنفاق بالنتائج المستهدفة، وتعزيز المتابعة والتقييم، بما يتيح قدرًا أكبر من التكامل بين الخطط التنموية والموارد المالية المتاحة.
وتزداد أهمية هذه الآليات مع توسع الاستثمارات الخضراء وتعدد مصادر تمويلها، إذ يصبح قياس الأداء ضروريًا للتأكد من توجيه الأموال إلى المشروعات ذات الأولوية وتحقيق الأثر المستهدف منها.
التمويل الدولي يدعم تعبئة الموارد
تستند جهود مصر في مجال التمويل المستدام إلى أطر وطنية ودولية، تشمل رؤية مصر 2030، والاستراتيجية الوطنية المتكاملة للتمويل، وخطة عمل أديس أبابا لتمويل التنمية، إلى جانب الالتزامات الدولية المرتبطة بتمويل التنمية.
وفي هذا السياق، أشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم، خلال مشاركته في «حوار تمويل أهداف التنمية المستدامة 2026» بالعاصمة الإسبانية، إلى إعداد الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للتمويل بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من الصندوق المشترك لأهداف التنمية المستدامة.
وتستهدف هذه الجهود تحسين التنسيق بين الموارد العامة والخاصة والدولية، وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية، مع تعزيز الاستفادة من التمويل الميسر والخبرات الفنية والضمانات التي يقدمها شركاء التنمية.
ويمكن للتعاون الدولي أن يسهم كذلك في تطوير أسواق التمويل الأخضر، وتحسين معايير الإفصاح والحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية اللازمة لتصميم المشروعات وإدارتها وتقييم أثرها.
قياس الأثر.. الاختبار الحقيقي للاستثمارات الخضراء
رغم تنوع أدوات التمويل وتعدد المستهدفات الاستثمارية، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في تحويل المخصصات المالية والاتفاقات التمويلية إلى مشروعات منفذة تحقق نتائج اقتصادية وبيئية ملموسة.
ويتطلب ذلك التمييز بين الأموال المستهدفة أو المرصودة، والتمويل الذي جرى توفيره فعليًا، والمشروعات التي دخلت حيز التنفيذ، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع، بما يشمل خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المناخية.
كما تبرز أهمية الإفصاح المنتظم عن أوجه الإنفاق ومؤشرات الأداء، بما يعزز الشفافية ويتيح تقييم كفاءة استخدام الموارد العامة والخاصة والدولية.
وتوفر تجربة مصر في إصدار السندات السيادية الخضراء بقيمة 750 مليون دولار، إلى جانب استهداف توجيه 637 مليار جنيه إلى الاستثمارات العامة الخضراء، أساسًا لتوسيع أدوات تمويل التحول المستدام.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على تحويل التمويل إلى أصول إنتاجية وبنية تحتية أكثر كفاءة، وجذب استثمارات خاصة إضافية، وتحقيق عوائد تنموية قابلة للقياس.
وبذلك، لا يقاس تقدم مصر نحو الاقتصاد الأخضر بحجم الاستثمارات المعلنة وحده، وإنما بمدى انعكاسها على كفاءة الاقتصاد، واستدامة الموارد الطبيعية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة على مواجهة التغيرات المناخية على المدى الطويل.