في ظل التحولات التي تشهدها خريطة التجارة والاستثمار العالمية، تتزايد أهمية الشراكات الاقتصادية التي تتجاوز تبادل السلع إلى إقامة مشروعات إنتاجية مستدامة قادرة على خلق قيمة مضافة وتعزيز القدرات الصناعية.
وفي هذا السياق، تبرز مصر بوصفها منصة محتملة لانطلاق الاستثمارات الروسية نحو الأسواق الأفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يدعم توطين الصناعات ونقل التكنولوجيا وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
وأكد الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، أن تطوير العلاقات الاقتصادية بين روسيا والدول الأفريقية يتطلب الانتقال من نمط التبادل التجاري التقليدي إلى شراكات إنتاجية واستثمارات طويلة الأجل، تستهدف دعم التصنيع المحلي وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، مع توجيه الاستثمارات إلى قطاعات استراتيجية تشمل البنية التحتية، والتصنيع الغذائي، والطاقة، والتكنولوجيا.
وأوضح البهواشي، خلال مداخلة تلفزيونية تناولت مسارات التعاون الروسي الأفريقي، أن تنامي التبادل التجاري بين الجانبين يأتي في إطار توجه روسيا نحو توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الأسواق الأفريقية، بالتزامن مع التحديات التي تواجه تعاملاتها مع الأسواق الأوروبية نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب زيادة الاستثمارات الروسية في القارة، لا سيما المشروعات المرتبطة بتطوير البنية التحتية واستغلال الموارد الطبيعية، بما يتيح بناء شراكات تحقق مصالح اقتصادية متبادلة، وتدعم الإنتاج المحلي بدلًا من الاكتفاء باستيراد السلع وتداولها.
التصنيع الغذائي وتوطين التكنولوجيا.. فرص لتعظيم القيمة المضافة
يمثل التصنيع الغذائي أحد المجالات الواعدة لتوسيع التعاون الروسي الأفريقي، خصوصًا في ضوء العلاقات التجارية المرتبطة بالحبوب والمنتجات الزراعية. وأوضح البهواشي أن التعاون في هذا المجال يمكن أن يتطور ليشمل إنشاء مشروعات للتصنيع الغذائي والتخزين، إلى جانب نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية، بما يعزز قدرة الدول الأفريقية على تحقيق قيمة مضافة أكبر من الموارد والمنتجات المستوردة.
وأضاف أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها للقيام بدور محوري في نقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية إلى الأسواق الأفريقية، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع روسيا وموقعها الجغرافي الذي يربط بين عدد من الأسواق الإقليمية، فضلًا عن المنطقة الصناعية الروسية الجاري تطويرها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ولفت إلى أن توطين الصناعات والتكنولوجيا داخل مصر من شأنه أن يتيح قاعدة إنتاجية يمكن الاستفادة منها في نقل الخبرات إلى دول القارة، سواء في مجالات التصنيع الغذائي أو الطاقة الجديدة والمتجددة وغيرها من الأنشطة الإنتاجية، بما يعزز فرص التكامل الصناعي ويرفع مساهمة التصنيع في القيمة الاقتصادية للتجارة البينية.
الطاقة والبنية التحتية.. قطاعات مرشحة لاستقطاب الاستثمارات
وتشمل مجالات التعاون المحتملة قطاعات الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، في ظل احتياجات عدد من الاقتصادات الأفريقية إلى تطوير شبكات الطرق، وتعزيز قدرات توليد الكهرباء، وتحسين خدمات المياه ومعالجتها.
وأكد البهواشي أن هذه القطاعات تتيح فرصًا أمام الاستثمارات الروسية طويلة الأجل، خاصة عندما ترتبط المشروعات بتطوير القدرات الإنتاجية وتلبية احتياجات الأسواق المحلية، بما يحقق عوائد اقتصادية تتجاوز تنفيذ المشروعات إلى دعم النشاط الصناعي وتحسين كفاءة البنية الأساسية.
واستشهد بالتعاون المصري الروسي في مشروع محطة الضبعة النووية باعتباره أحد المشروعات القائمة التي تعكس التعاون بين البلدين في قطاع الطاقة، مشيرًا إلى أهمية البناء على نماذج التعاون القائمة لتوسيع نطاق الشراكات في مشروعات البنية التحتية والتنمية داخل القارة الأفريقية.
التمويل الميسر وآليات التنفيذ.. اختبار لجدوى الاتفاقيات
وفيما يتعلق بالاتفاقيات المنتظر توقيعها ضمن فعاليات التعاون الروسي الأفريقي، شدد البهواشي على أن تقييم نتائج الشراكة الاقتصادية لا يرتبط بعدد الاتفاقيات المعلنة بقدر ارتباطه بقدرة الأطراف على تحويلها إلى مشروعات فعلية تدخل حيز التنفيذ، وتوفر فرص عمل، وتدعم الإنتاج والاستثمار.
وأوضح أن توفير التمويلات الميسرة يمثل أحد العوامل المهمة لتسريع تنفيذ المشروعات في الدول الأفريقية، إلى جانب دراسة آليات التمويل المشترك ومبادرات مبادلة الديون بالاستثمارات، بما يتيح توجيه الموارد إلى مشروعات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية.
كما أشار إلى إمكانية توسيع التعاملات التجارية بالعملات المحلية، بما يشمل الروبل الروسي وعملات الدول الشريكة، في إطار تنويع أدوات التسوية المالية والتمويل، والبحث عن آليات تدعم استمرار المبادلات التجارية بين الأطراف.
وتظل جدوى هذه الآليات مرتبطة بشروط التمويل وتكلفته، وقدرة المشروعات على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة، فضلًا عن توافر الأطر التنظيمية والمالية اللازمة لتنفيذ الاتفاقيات بكفاءة.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تدعم دور مصر كمركز صناعي إقليمي
وتعزز المقومات الجغرافية واللوجستية والصناعية لمصر فرص استقطاب استثمارات روسية تستهدف السوق المحلية والأسواق الأفريقية، مع إمكانية الاستفادة من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في إقامة مشروعات صناعية موجهة للتصدير.
وأكد البهواشي أن مصر يمكن أن تمثل نقطة انطلاق للشركات الروسية الراغبة في توسيع حضورها داخل القارة، من خلال إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة تستفيد من البنية التحتية المتاحة، والموقع الاستراتيجي، والروابط التجارية مع الأسواق الأفريقية.
وأضاف أن توسيع الاستثمارات الصناعية في مصر قد يتيح فرصًا لتعزيز التكامل بين الإنتاج المحلي واحتياجات الأسواق الإقليمية، بما يدعم نقل التكنولوجيا، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتوفير فرص العمل، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري.
من التبادل التجاري إلى التكامل الإنتاجي
وتشير محاور التعاون المطروحة إلى أن تعظيم العائد الاقتصادي من العلاقات الروسية الأفريقية يتطلب التركيز على الاستثمارات التي تنقل المعرفة والتكنولوجيا، وتدعم التصنيع المحلي، وتربط التجارة بالإنتاج والتصدير.
وفي هذا الإطار، تبرز أمام مصر فرصة لتعزيز دورها كمركز صناعي ولوجستي يخدم الأسواق الأفريقية، شريطة أن تقترن الاتفاقيات الاستثمارية بمشروعات قابلة للتنفيذ، وآليات تمويل مناسبة، وخطط واضحة لنقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية.
وبذلك، فإن نجاح الشراكة الاقتصادية بين روسيا والدول الأفريقية لن يُقاس فقط بحجم التبادل التجاري، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء قاعدة إنتاجية مستدامة، وتوليد فرص العمل، وتعظيم القيمة المضافة، وتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي داخل القارة.