التحركات الأوروبية والكندية لتطوير بدائل مستقلة تفتح فصلًا جديدًا في سوق الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وسط رهانات على تعزيز السيادة الرقمية وتأمين البنية التحتية الحيوية رغم ارتفاع تكاليف الاستثمار والتشغيل.
تتجه دول أوروبية وكندا إلى تسريع جهودها لبناء منظومات مستقلة للاتصالات عبر الأقمار الصناعية، في خطوة تعكس تحولًا متزايدًا في التعامل مع البنية التحتية الفضائية باعتبارها أحد مكونات الأمن القومي والاقتصاد الرقمي. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد المخاوف من الاعتماد على شبكة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، بعدما أعادت القيود المفروضة على استخدام الخدمة في أوكرانيا طرح تساؤلات بشأن استدامة الاعتماد على مزود تجاري واحد لتوفير اتصالات حيوية.
وتسلط هذه التطورات الضوء على تحدٍ استراتيجي تواجهه الحكومات وشركات الاتصالات، يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من الشبكات الفضائية التجارية الجاهزة، وتطوير بنية تحتية تمتلك الدول ومشغلو الاتصالات قدرًا أكبر من التحكم في تشغيلها وإتاحتها، خصوصًا في الظروف الاستثنائية والأزمات الجيوسياسية.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، دفعت هذه المخاوف حلفاء الولايات المتحدة إلى تكثيف مساعيهم لتطوير أنظمة اتصالات فضائية يمكنهم التحكم فيها، بما يقلل تعرضهم لمخاطر تغيير شروط الخدمة أو تقييد الوصول إليها بقرارات من الشركات المشغلة.
أوكرانيا تعيد تقييم مخاطر الاعتماد على مزود واحد
أعادت التطورات المرتبطة باستخدام أوكرانيا شبكة «ستارلينك» تسليط الضوء على المخاطر التي قد تنشأ عن الاعتماد على بنية اتصالات تديرها شركة خاصة، لا سيما عندما تصبح الخدمة عنصرًا أساسيًا في الاتصالات العسكرية والحكومية والعمليات الميدانية.
وتعتمد أهمية الشبكات الفضائية على قدرتها على توفير الاتصال في المناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية التقليدية أو تتعرض فيها شبكات الاتصالات الأرضية للتعطل، ما يجعلها أداة مهمة لاستمرارية الأعمال والخدمات الحكومية والاتصالات في حالات الطوارئ.
لكن تجربة أوكرانيا أظهرت أن توافر التكنولوجيا لا يعني بالضرورة ضمان استمرارية الوصول إليها؛ إذ تظل الخدمة مرتبطة بسياسات المشغل وشروط الاستخدام والقدرة على توفير التغطية وفقًا للظروف التشغيلية والسياسية.
ومن ثم، لم يعد التحدي مقتصرًا على شراء خدمات الاتصالات الفضائية، بل امتد إلى ضمان وجود بدائل قابلة للتشغيل عند الحاجة، وتجنب الاعتماد المفرط على شبكة واحدة في القطاعات الحيوية.
شركات الاتصالات الأوروبية تبحث عن موطئ قدم في الفضاء
بالتوازي مع التحركات الحكومية، تتجه شركات الاتصالات الأوروبية إلى استكشاف فرص جديدة في سوق الاتصالات المباشرة بين الأقمار الصناعية والأجهزة، في مسعى لتعزيز حضورها في قطاع تتزايد أهميته مع توسع الطلب على التغطية والاتصال خارج نطاق الشبكات الأرضية.
وفي هذا السياق، بحثت شركات «دويتشه تيليكوم» و«أورانج» و«تيليفونيكا» و«فودافون» إمكانية التقدم بصورة مشتركة للحصول على حقوق استخدام نطاقات ترددات مخصصة لخدمات الاتصالات المتنقلة عبر الأقمار الصناعية في أوروبا.
ووقعت الشركات الأربع خطاب نوايا لاستكشاف فرص التعاون، بهدف تطوير خدمات تتيح الاتصال المباشر بين الأقمار الصناعية والأجهزة، وفق نموذج يمنح مشغلي شبكات الهاتف المحمول إمكانية الوصول إلى هذه الخدمات بشروط مفتوحة وغير تمييزية.
وبحسب تقرير نشره موقع «لايت ريدينج» المتخصص في قطاع الاتصالات في 19 أكتوبر، من المقرر تخصيص حقوق الترددات المعنية خلال عام 2027.
ويعكس هذا التوجه محاولة للاستفادة من البنية التحتية الفضائية لتوسيع نطاق خدمات الاتصالات، إلى جانب تعزيز دور شركات الاتصالات الأوروبية في منظومة تقديم الخدمة، بدلًا من تركيز الاعتماد على شبكة تجارية واحدة.
كما يفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة تجمع بين شبكات الهاتف المحمول التقليدية والأقمار الصناعية، بما قد يتيح توسيع التغطية والوصول إلى مناطق يصعب خدمتها اقتصاديًا عبر البنية الأرضية وحدها.
بناء بديل لستارلينك يتطلب استثمارات طويلة الأجل
على الرغم من تنامي الاهتمام الأوروبي بتطوير بدائل مستقلة، فإن بناء شبكة قادرة على منافسة «ستارلينك» يواجه تحديات مالية وتقنية وتشغيلية كبيرة.
فإنشاء منظومة اتصالات فضائية متكاملة يتطلب استثمارات في تصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها، وإنشاء المحطات الأرضية، وتطوير أنظمة التحكم والتشغيل، إلى جانب تحمل تكاليف الصيانة والتحديث المستمر.
ولا يتوقف نجاح هذه المشروعات على امتلاك الأقمار الصناعية فحسب، بل يرتبط أيضًا بحجم التغطية الجغرافية، وسعة الشبكة، وسرعة الاتصال، ودرجة الاستقرار، وتكلفة الخدمة بالنسبة إلى المستخدمين والمؤسسات.
وتزداد صعوبة المنافسة في ظل الحاجة إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على تقديم الخدمة على نطاق واسع، مع الحفاظ على مستوى تنافسي من الأسعار والأداء. وهو ما يجعل تطوير البدائل مشروعًا استثماريًا طويل الأجل، وليس مجرد استجابة تقنية سريعة لمخاطر الاعتماد الخارجي.
ومن الناحية الاقتصادية، تواجه الحكومات والشركات معادلة تتطلب الموازنة بين تكلفة بناء بنية تحتية مستقلة، والتكلفة المحتملة لتعطل الاتصالات أو تقييدها نتيجة الاعتماد على مزود خارجي.
السيادة الرقمية تعيد تشكيل سوق الاتصالات الفضائية
تكشف التحركات الأوروبية عن تحول في النظرة إلى الاتصالات عبر الأقمار الصناعية؛ فبعدما كانت تُعامل بوصفها خدمة تقنية يمكن شراؤها من مزود متخصص، أصبحت جزءًا من البنية التحتية الاستراتيجية التي تسعى الدول إلى تأمينها وتعزيز قدرتها على التحكم في تشغيلها.
وقد ينعكس هذا التحول على سوق الاتصالات الفضائية من خلال زيادة الاستثمارات في تطوير الأقمار الصناعية، وتوسيع الشراكات بين الحكومات ومشغلي الاتصالات، وظهور نماذج تجارية تستهدف دمج الخدمات الفضائية بالشبكات الأرضية.
كما يمكن أن يمنح شركات الاتصالات الأوروبية فرصًا جديدة لتوسيع مصادر الإيرادات وتطوير خدمات إضافية للأفراد والمؤسسات والجهات الحكومية، شريطة أن تتمكن من توفير حلول مجدية اقتصاديًا وقادرة على المنافسة.
في المقابل، ستظل تكلفة الاستثمار، والحاجة إلى التوسع في التغطية، وتعقيدات تخصيص الترددات وتشغيل الشبكات من أبرز العوامل التي تحدد سرعة تطور هذه المشروعات وقدرتها على التحول إلى بدائل عملية.
وفي المحصلة، لا تعني التحركات الأوروبية التخلي الفوري عن «ستارلينك»، بقدر ما تعكس توجهًا نحو تنويع مصادر الاتصالات وتقليل مخاطر الاعتماد على مزود واحد. فالمعادلة الجديدة لا تتعلق فقط بمن يمتلك الأقمار الصناعية، بل بمن يمتلك القدرة على ضمان استمرارية الاتصال والتحكم في شروط إتاحته، في سوق باتت فيها الاتصالات الفضائية عنصرًا مؤثرًا في الأمن والاقتصاد والتحول الرقمي