19 مليار دولار صفقات الاستثمار الخاص في أفريقيا خلال الربع الثالث من 2026


Sat 24 Oct 2026 | 11:34 AM
محمد سلامة

سجل سوق الاستثمار الخاص في أفريقيا أداءً استثنائيًا خلال الربع الثالث من عام 2026، بعدما بلغت القيمة الإجمالية المعلنة للصفقات نحو 19 مليار دولار عبر 240 صفقة، مسجلًا أعلى قيمة فصلية خلال سبع سنوات، وفقًا لتقرير «ستيارز» للاستثمار الخاص في أفريقيا.

وجاء هذا الأداء مدفوعًا بزيادة قيمة الصفقات الكبرى، إلى جانب تصاعد دور التمويل بالدين والائتمان الخاص، في وقت تراجع فيه عدد الصفقات بنسبة 4% مقارنة بالربع الثاني من العام، وبنسبة 18% على أساس سنوي، ما يشير إلى تركز متزايد للاستثمارات في عدد محدود من العمليات الكبيرة، بدلًا من اتساع قاعدة الصفقات في مختلف الأسواق والقطاعات.

وارتفعت القيمة الإجمالية المعلنة للصفقات بنسبة 57% مقارنة بنحو 12.1 مليار دولار خلال الربع الثاني، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه القفزة ارتبط بصفقة إعادة تمويل بقيمة 4.5 مليار دولار لشركة البترول الوطنية النيجيرية، استحوذت وحدها على نحو 24% من إجمالي القيمة المسجلة خلال الربع.

وباستبعاد هذه الصفقة، بلغت قيمة الصفقات المعلنة نحو 14.5 مليار دولار، لتظل أعلى من إجمالي القيمة المسجلة خلال الربع الثاني بأكمله، بما يعكس استمرار الزخم في سوق الاستثمار الخاص الأفريقية، رغم التراجع في عدد العمليات المنفذة.

الصفقات الكبرى تقود نمو السوق الأفريقية

أظهر التقرير أن ارتفاع قيمة الصفقات خلال الربع الثالث لم يكن مصحوبًا بزيادة مماثلة في عدد العمليات، إذ استحوذت أكبر 10 صفقات على 62% من إجمالي القيمة المعلنة، بينما مثلت الصفقات التي لا تقل قيمة الواحدة منها عن 75 مليون دولار نحو 91% من الإجمالي.

كما ظلت نسبة الإفصاح عن الصفقات مستقرة إلى حد كبير عند 64%، ما يدعم قراءة التقرير بأن القفزة في القيمة الإجمالية جاءت أساسًا من زيادة أحجام التمويل في العمليات الكبرى.

وارتفع متوسط قيمة الصفقة المعلنة إلى 17.5 مليون دولار، مقارنة بنحو 4.4 مليون دولار في الربع الثاني و3.3 مليون دولار خلال الربع الثالث من عام 2025. وبعد استبعاد المنح، ارتفع متوسط قيمة الصفقة إلى 22 مليون دولار، مقابل 10.9 مليون دولار في الربع السابق.

وتعكس هذه الأرقام تحولًا في هيكل السوق نحو العمليات الأكبر حجمًا، وهو ما يرفع القيمة الإجمالية للاستثمارات، لكنه لا يعني بالضرورة تحسن فرص التمويل بالدرجة نفسها أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.

التمويل بالدين والائتمان الخاص يكتسبان زخمًا

برز التمويل بالدين باعتباره أحد أهم محركات النشاط خلال الربع الثالث، إذ ارتفع عدد الصفقات التي شملها إلى 97 صفقة، مقابل 67 صفقة في الربع الثاني من 2026 و58 صفقة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وفي السياق ذاته، ارتفعت حصة الائتمان الخاص إلى 30% من إجمالي الصفقات، مقارنة بنحو 20% في الربع السابق و19% قبل عام، بما يعكس تزايد الاعتماد على أدوات التمويل الائتماني إلى جانب الاستثمارات القائمة على ضخ رؤوس الأموال.

ولم يقتصر نمو التمويل بالدين على صفقة إعادة التمويل الكبرى في نيجيريا؛ إذ بلغت القيمة المعلنة لصفقات الائتمان نحو 7.2 مليار دولار خلال الربع الثالث، بعد استبعاد أكبر صفقة ائتمانية في كل فترة للمقارنة، مقابل 3.1 مليار دولار في الربع الثاني و1.1 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025.

ومن أبرز العمليات التمويلية خلال الفترة، حصول مجموعة «إكسبورت تريدينج جروب» على تمويل بقيمة 600 مليون دولار من مؤسسات تنموية ومديري استثمارات، من بينهم مجموعة بنك التجارة والتنمية وبنك التنمية الهولندي «إف إم أو».

كما جمعت «تشيرون فاينانس» تمويلًا بقيمة 550 مليون دولار من تحالف مصرفي تقوده جهات خليجية، إلى جانب البنك العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، فيما حصلت «جينسر إنرجي» على تمويل بنحو 528 مليون دولار من بنوك تجارية.

ويتيح التوسع في التمويل بالدين للشركات الوصول إلى مبالغ كبيرة لدعم التوسعات وإعادة هيكلة الالتزامات وتمويل العمليات التشغيلية، لكنه يرفع في المقابل أهمية إدارة التدفقات النقدية وتكاليف الاقتراض، خصوصًا لدى الشركات التي تحتاج إلى فترة زمنية قبل بدء تحقيق عوائد كافية لسداد التزاماتها.

هيكل الصفقات يتحول لصالح التمويل بالدين

امتد التحول في هيكل التمويل إلى الصفقات متوسطة الحجم، إذ استحوذ التمويل بالدين على 63% من العمليات التي تراوحت قيمتها بين 10 ملايين و25 مليون دولار، بينما بلغت حصة الصفقات المعتمدة على الأسهم وحدها 26%.

ويمثل ذلك تغيرًا ملحوظًا مقارنة بالربع الثالث من العام الماضي، عندما استحوذت الصفقات القائمة على الأسهم وحدها على 54% من هذه الفئة.

ويشير هذا التحول إلى تزايد أهمية أدوات الائتمان في تمويل الشركات الأفريقية، مع اختلاف آثارها بحسب تكلفة التمويل والعملة المستخدمة وآجال السداد والقدرة على توليد تدفقات نقدية مستقرة.

المستثمرون الأفارقة يعززون حضورهم

سجل المستثمرون الأفارقة حضورًا متزايدًا في السوق خلال الربع الثالث، بعدما ارتفعت مشاركتهم إلى 69% من الصفقات التي جرى تحديد مستثمريها، مقابل 61% خلال الربع الثاني.

وارتفعت هذه النسبة إلى 73% في الصفقات التي بلغت قيمتها 25 مليون دولار أو أكثر، بما يعكس الدور المتنامي لرؤوس الأموال والمؤسسات الاستثمارية المحلية والإقليمية في تمويل الشركات والمشروعات داخل القارة.

كما شاركت مؤسسات الإقراض التنموي الأفريقية في 30 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 4.7 مليار دولار، مقابل 10 صفقات بقيمة 1.6 مليار دولار خلال الربع السابق.

وأرجع التقرير جانبًا كبيرًا من هذا النمو إلى نشاط بنك المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا للاستثمار والتنمية، الذي شارك في 16 صفقة خلال الفترة.

ويعزز هذا الاتجاه دور المؤسسات المالية الأفريقية في توفير التمويل طويل الأجل ودعم النشاط الاقتصادي الإقليمي، إلى جانب دور المستثمرين الدوليين ومؤسسات التمويل التنموي متعددة الأطراف.

نيجيريا تتصدر الأسواق الأفريقية

حافظت نيجيريا على موقعها بوصفها أكثر الأسواق الأفريقية نشاطًا خلال الربع الثالث، مستحوذة على 27% من إجمالي الصفقات، رغم تراجع حصتها مقارنة بنحو 31% في الربع الثاني.

وسجلت البلاد 25 صفقة تمويل بالدين، مقابل 24 صفقة في الربع السابق و14 صفقة خلال الفترة نفسها من عام 2025، في مؤشر على استمرار أهمية التمويل الائتماني داخل السوق النيجيرية.

وشملت العمليات قرضًا بقيمة 51 مليون دولار قدمه بنك موريشيوس التجاري إلى «تولارام» لإعادة تمويل استحواذها على «جينيس نيجيريا»، فضلًا عن تمويل بقيمة 25 مليون دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لشركتي تصنيع الأغذية «جونفنتس فودز» و«نوبل إيجل إندستريز».

ويعكس استمرار نشاط السوق النيجيرية أهمية القطاعات والشركات المحلية في جذب التمويل، لا سيما في ظل تزايد استخدام أدوات الدين لتمويل عمليات الاستحواذ وإعادة الهيكلة والتوسع التشغيلي.

الطاقة والمرافق في صدارة قيمة التمويل

على مستوى القطاعات، استحوذ قطاع الخدمات المالية على 35% من صفقات الاستثمار الخاص في أفريقيا خلال الربع الثالث، بينما سجل قطاعا الطاقة والمرافق قيمة معلنة بلغت 8.3 مليار دولار، مدفوعين بعدد من العمليات الكبرى.

واستحوذت ست صفقات في قطاع النفط والغاز على نحو 7.3 مليار دولار من إجمالي قيمة صفقات الطاقة والمرافق، ما يعكس الوزن الكبير للتمويل المرتبط بالأنشطة البترولية في إجمالي الاستثمارات المعلنة خلال الفترة.

في المقابل، سجلت مشروعات توليد الطاقة المتجددة 18 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 310 ملايين دولار، مقارنة بنحو 619 مليون دولار خلال الربع الثاني.

ويبرز هذا التباين اختلاف أحجام التمويل بين قطاعات الطاقة، إذ تركزت قيمة كبيرة من الصفقات في عدد محدود من العمليات المرتبطة بالنفط والغاز، بينما تراجعت القيمة المعلنة لصفقات الطاقة المتجددة على أساس فصلي، رغم استمرار تسجيل عمليات جديدة في القطاع.

هل تعكس القفزة نموًا مستدامًا للاستثمار الخاص؟

تكشف بيانات الربع الثالث من 2026 عن مفارقة رئيسية في سوق الاستثمار الخاص الأفريقية: ارتفاع قياسي في قيمة الصفقات بالتزامن مع تراجع عددها، وزيادة الاعتماد على الدين والائتمان الخاص، إلى جانب تركّز التمويل في قطاعات وعمليات محددة.

وبينما يشير ارتفاع القيمة الإجمالية، حتى بعد استبعاد صفقة إعادة التمويل الكبرى في نيجيريا، إلى استمرار قوة النشاط الاستثماري، فإن تراجع عدد الصفقات يحد من إمكانية اعتبار هذه القفزة دليلًا منفردًا على اتساع قاعدة الاستثمار في القارة.

ويظل تقييم استدامة هذا النمو مرتبطًا بتطور عدد الصفقات خلال الفصول المقبلة، ومدى تنوع القطاعات المستفيدة من التمويل، وقدرة الشركات على تحويل الأموال المتاحة إلى توسعات إنتاجية وتدفقات نقدية مستدامة.

وبذلك، يسجل سوق الاستثمار الخاص في أفريقيا مرحلة تتزايد فيها قيمة التمويلات وأهمية المؤسسات المحلية والائتمان الخاص، لكن التحدي الرئيسي يتمثل في تحويل الصفقات الكبرى إلى نمو استثماري أوسع نطاقًا وأكثر قدرة على دعم الشركات والأنشطة الاقتصادية في مختلف أنحاء القارة.