كوريا الجنوبية تقترب من دورة تشديد نقدي جديدة.. توقعات برفع الفائدة إلى 3.75% بحلول منتصف 2027


Mon 19 Oct 2026 | 11:31 AM
محمد سلامة

تتجه توقعات الخبراء إلى عودة بنك كوريا المركزي لتشديد سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، مع ترجيحات برفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 3.75% بحلول منتصف عام 2027، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتوقعات بتحسن أداء الاقتصاد خلال الربع الثالث من العام الجاري.

وأظهر استطلاع أجرته صحيفة «سيول إيكونوميك ديلي» وشمل 20 أستاذًا جامعيًا وخبيرًا اقتصاديًا وماليًا، أن 95% من المشاركين يتوقعون تثبيت سعر الفائدة خلال اجتماع البنك المركزي المقرر في 22 أكتوبر، مقابل ترجيح 90% منهم رفعها في نوفمبر، بعد تقييم آثار الزيادتين المتتاليتين اللتين أقرهما البنك في يوليو وأغسطس.

وتعكس هذه التوقعات تحولًا في تقديرات المسار المستقبلي للسياسة النقدية في كوريا الجنوبية، مع تزايد المخاوف من استمرار التضخم فوق المستهدف، إلى جانب احتمالات نمو اقتصادي أقوى من المتوقع، وهو ما قد يمنح البنك المركزي مساحة للتحرك نحو تشديد الأوضاع النقدية مجددًا.

التضخم والنمو يعززان احتمالات رفع الفائدة

يرى الخبراء المشاركون في الاستطلاع أن استمرار الضغوط السعرية، بالتزامن مع التوقعات بتحقيق نمو قوي خلال الربع الثالث، يمثلان عاملين رئيسيين يدعمان احتمال رفع أسعار الفائدة في نوفمبر المقبل.

وتتراوح معدلات التضخم في كوريا الجنوبية حاليًا بين المستويات المرتفعة من نطاق 2% والمستويات المنخفضة من نطاق 3%، متجاوزة مستهدف البنك المركزي البالغ 2%، ما يعزز الحاجة إلى مراقبة تطورات الأسعار واتجاهات الطلب المحلي قبل تحديد المسار المقبل للسياسة النقدية.

وفي الوقت نفسه، يتوقع الخبراء تسجيل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا قويًا خلال الربع الثالث، على أن تصدر البيانات الرسمية في نهاية أكتوبر.

وقال يون يو سام، المحلل لدى «ميريتز للأوراق المالية»، إن نمو الاقتصاد خلال الربع الثالث قد يتجاوز التوقعات، ليسجل نحو 1% مقارنة بالربع السابق، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط يعزز الحاجة إلى التحرك بصورة استباقية لمواجهة الضغوط التضخمية.

ويضع هذا المشهد بنك كوريا أمام معادلة نقدية تتطلب الموازنة بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي، خصوصًا أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار وتكاليف الإنتاج.

توقعات الفائدة تتحول نحو مستويات أعلى في 2027

كشف الاستطلاع الأحدث عن تغير ملحوظ في تقديرات الخبراء بشأن المستوى الذي قد تصل إليه أسعار الفائدة خلال النصف الأول من العام المقبل، مقارنة بالتوقعات التي سادت في أغسطس الماضي.

ففي الاستطلاع السابق، توقع 13 خبيرًا وصول سعر الفائدة إلى 3.25% خلال النصف الأول من 2027، بينما رجح 6 خبراء بلوغها 3.5%.

أما في الاستطلاع الأحدث، فقد ارتفع عدد الخبراء الذين يتوقعون وصول الفائدة إلى 3.5% إلى 13 مشاركًا، في حين رجح خبيران ارتفاعها إلى 3.75%، وتوقع خبير واحد وصولها إلى 4% خلال النصف الثاني من العام المقبل.

وتشير هذه التحولات إلى ميل التوقعات نحو مسار نقدي أكثر تشددًا، مع تراجع الرهانات على الاكتفاء بمستويات أقل للفائدة، وإن كانت التقديرات تظل رهينة تطورات التضخم والنمو وأسعار الطاقة والقرارات الفعلية للبنك المركزي.

ومن شأن استمرار رفع الفائدة أن يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر، لكنه قد يساعد في الحد من الضغوط السعرية ودعم استقرار العملة، وفقًا لتطورات الأسواق المحلية والعالمية.

خفض إصدارات السندات لمواجهة ارتفاع العوائد

بالتوازي مع توقعات تشديد السياسة النقدية، دعا خبراء إلى خفض إصدارات السندات الحكومية للاستفادة من الإيرادات الضريبية الإضافية والحد من الضغوط الصعودية على عوائد أدوات الدين.

وأظهر الاستطلاع أن 9 خبراء، بما يعادل 45% من المشاركين، يرون إمكانية خفض إصدارات السندات الحكومية بما يتراوح بين 5 و10 تريليونات وون خلال نوفمبر وديسمبر.

كما رجح 7 خبراء، بنسبة 35%، خفض الإصدارات بمبالغ تتراوح بين تريليون و5 تريليونات وون خلال الفترة نفسها.

وكانت الحكومة الكورية الجنوبية قد قررت بالفعل خفض إصدارات السندات المقررة خلال أكتوبر بقيمة 5 تريليونات وون مقارنة بالخطة الأصلية، مع توجيه الإيرادات الضريبية الإضافية لتغطية التمويل الذي كان من المقرر جمعه من خلال الاقتراض.

ويستهدف هذا التوجه الحد من المعروض الإضافي من السندات الحكومية، بما قد يساعد على احتواء ارتفاع العوائد وتخفيف الضغوط على سوق الدين، خصوصًا في ظل توقعات زيادة أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

سعر الدولار أمام الوون تحت مراقبة الأسواق

فيما يتعلق بسوق الصرف، توقع 35% من المشاركين في الاستطلاع، بواقع 7 خبراء، أن يتراوح سعر الدولار أمام الوون الكوري بين 1340 و1360 وونًا بنهاية العام.

وتكتسب توقعات سعر الصرف أهمية في ظل ارتباط حركة الوون بعدة عوامل، من بينها مسار السياسة النقدية المحلية، واتجاهات الدولار عالميًا، وتطورات أسعار الطاقة والتجارة الخارجية.

وقد تؤثر التوقعات برفع الفائدة في كوريا الجنوبية على تحركات العملة، لكن اتجاه الوون سيظل مرتبطًا كذلك بقرارات البنوك المركزية الكبرى وتدفقات رؤوس الأموال وأداء الاقتصاد العالمي.

الاحتياطي الفيدرالي يضيف عاملًا مؤثرًا في مسار الفائدة

على الجانب الأمريكي، رجح معظم المشاركين في الاستطلاع تثبيت أسعار الفائدة خلال أكتوبر، يعقبه رفعها في ديسمبر، مع توقعات بإبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي على سعر الفائدة ضمن نطاق 3.75% إلى 4% خلال اجتماعه المرتقب في الشهر الجاري.

ويظل مسار السياسة النقدية الأمريكية أحد العوامل المؤثرة في قرارات بنك كوريا، بالنظر إلى انعكاس فروق أسعار الفائدة بين البلدين على حركة رؤوس الأموال وأسواق العملات.

كما أن أي تغير في توقعات الفائدة الأمريكية قد يؤثر في جاذبية الأصول المقومة بالدولار، وفي الضغوط التي تواجه الوون، بما يزيد تعقيد قرارات السياسة النقدية الكورية.

قراءة اقتصادية: التضخم يرسم مسار السياسة النقدية الكورية

تعكس نتائج الاستطلاع تزايد التوقعات باتجاه بنك كوريا المركزي إلى رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا باستمرار التضخم فوق المستهدف واحتمالات تحقيق نمو اقتصادي أقوى من المتوقع.

وفي الوقت الذي يرجح فيه الخبراء تثبيت الفائدة في اجتماع أكتوبر، فإن توقعات رفعها في نوفمبر ووصولها إلى 3.75% بحلول منتصف 2027 تشير إلى تحول تدريجي نحو سياسة نقدية أكثر تشددًا.

لكن تحقق هذا المسار سيظل مرتبطًا بمدى استمرار الضغوط السعرية، واتجاه أسعار النفط، وقوة الطلب المحلي، وتطورات السياسة النقدية الأمريكية.

كما ستواجه السلطات الاقتصادية تحديًا في الموازنة بين احتواء التضخم وتكلفة الاقتراض، مع إدارة إصدارات الدين الحكومي والحد من التقلبات في سوق الصرف.

وبالتالي، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت كوريا الجنوبية ستدخل دورة جديدة من رفع الفائدة، أم أن تراجع الضغوط التضخمية سيمنح البنك المركزي مساحة للإبقاء على السياسة النقدية دون تغييرات إضافية.