تتزايد احتمالات اتجاه بنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة خلال نوفمبر المقبل، مع توقعات بتسارع التضخم في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوى له في 9 أشهر، وسط ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الضغوط على الأسواق المالية. وتضع هذه التطورات صناع السياسة النقدية والحكومة البريطانية أمام تحديات متزايدة، بين احتواء ارتفاع الأسعار والحفاظ على النمو الاقتصادي وتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر والشركات.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرج»، ينتظر الاقتصاديون صدور بيانات التضخم البريطانية يوم الأربعاء المقبل، وسط توقعات بارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.4% على أساس سنوي خلال سبتمبر 2026.
وقد تمثل هذه البيانات عاملًا حاسمًا في تحديد مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، مع تزايد رهانات المستثمرين على أن يتجه بنك إنجلترا إلى أول زيادة في أسعار الفائدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، خلال اجتماعه المقرر في 5 نوفمبر المقبل.
التضخم وأسعار الطاقة يعززان احتمالات رفع الفائدة
تأتي توقعات تشديد السياسة النقدية في ظل تجدد الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب مؤشرات على استمرار متانة الطلب واستقرار سوق العمل البريطانية.
ونقلت «بلومبرج» عن دان هانسون، كبير الاقتصاديين المختصين بالمملكة المتحدة في «بلومبرج إيكونوميكس»، توقعه رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع نوفمبر، مع احتمال اتخاذ خطوة أخرى في فبراير المقبل.
وأشار هانسون إلى أن اجتماع التضخم المتصاعد مع قوة الطلب وتحسن استقرار سوق العمل قد يجعل الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير أكثر صعوبة أمام البنك المركزي.
وتعكس هذه التوقعات تزايد المخاوف من استمرار الضغوط على الأسعار، خاصة إذا امتد تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد البريطاني.
عوائد السندات البريطانية تضغط على المالية العامة
لا تقتصر تداعيات ارتفاع التضخم على السياسة النقدية، بل تمتد إلى أسواق الدين والمالية العامة، مع تصاعد موجة بيع السندات العالمية وارتفاع عوائد السندات الحكومية البريطانية إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا.
وبحسب التقرير، أدى تجدد ارتفاع أسعار الطاقة إلى تعزيز رهانات الأسواق على اتجاه البنوك المركزية نحو زيادة أسعار الفائدة، وهو ما يزيد الضغوط على تكلفة الاقتراض الحكومي ويحد من قدرة الحكومة البريطانية على توسيع الإنفاق.
وتضع هذه التطورات وزير الخزانة البريطاني جون هيلي أمام معادلة مالية صعبة، في ظل استعداد الحكومة للإعلان عن الموازنة المرتقبة الأسبوع المقبل، وتعهدها بمنح الأسر والشركات مساحة أكبر للتعامل مع تكاليف المعيشة.
ومع ارتفاع تكلفة خدمة الدين وضيق هامش المناورة المالية، قد تواجه الحكومة صعوبة في تمويل إجراءات الدعم دون اللجوء إلى زيادة الضرائب أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
الموازنة البريطانية أمام اختبار التضخم وتكلفة الاقتراض
تأتي الموازنة المرتقبة في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة لتحقيق التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف الأعباء عن المواطنين، من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي، من جهة أخرى.
ووفقًا للتقرير، قد تصبح الزيادات الضريبية ضرورية لتمويل بعض الإجراءات الرامية إلى تخفيف تكاليف المعيشة، وسط توقعات بأن تشمل التدابير المحتملة القطاع المصرفي.
وتزداد صعوبة هذه المهمة مع ارتفاع عوائد السندات، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى تقليص الموارد المتاحة لتمويل البرامج الحكومية، ويزيد حساسية الأسواق تجاه أي قرارات مالية جديدة.
كما أن أي إجراءات توسعية لدعم الطلب قد تتعارض مع جهود احتواء التضخم، إذا أسهمت في زيادة الضغوط السعرية، ما يفرض على الحكومة مراعاة تداعيات قراراتها على السياسة النقدية والأسواق المالية.
بنك إنجلترا يراقب انتقال صدمة الطاقة إلى الاقتصاد
رغم تصاعد توقعات رفع الفائدة، لم يحسم بنك إنجلترا قراره رسميًا حتى الآن، في ظل استمرار تقييمه لمدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات الاقتصاد.
وكان محافظ البنك، أندرو بيلي، قد أشار خلال وجوده في بانكوك الأسبوع الماضي إلى محدودية الأدلة المتاحة حتى ذلك الوقت على انتشار صدمة الطاقة على نطاق واسع في الاقتصاد البريطاني.
ومن المنتظر أيضًا أن تسهم البيانات الاقتصادية المرتقبة في توضيح مدى استمرار الضغوط السعرية المرتبطة بسوق العمل، والتي يُتوقع أن تظل محدودة نسبيًا وفقًا للتقديرات المشار إليها في التقرير.
لكن بيلي حذر من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط لفترة أطول قد يجعل تجنب رفع أسعار الفائدة أكثر صعوبة، في ظل احتمالات استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وانعكاسها على التضخم.
التضخم قد يتجاوز 4% في أوائل 2027
تزداد أهمية البيانات المرتقبة في ضوء تقديرات بنك إنجلترا بأن التضخم قد يتجاوز 4% في أوائل عام 2027، أي أكثر من ضعف مستهدف البنك البالغ 2%.
وفي حال تأكدت هذه الضغوط، فقد يواجه البنك المركزي ضغوطًا أكبر لتشديد السياسة النقدية، حتى إذا ترتب على ذلك ارتفاع تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات والحكومة.
كما أن تحركات بنك إنجلترا تأتي في سياق عالمي تتابع فيه الأسواق مسارات السياسة النقدية لدى البنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، وسط رهانات على استمرار تشديد الأوضاع المالية لمواجهة الضغوط التضخمية.
الأسواق تترقب قرار نوفمبر
تتجه أنظار المستثمرين إلى بيانات التضخم البريطانية المرتقبة، باعتبارها مؤشرًا مهمًا على مسار السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، وتأثيراتها المحتملة على الجنيه الإسترليني وعوائد السندات وتكلفة التمويل.
ومع ذلك، تظل زيادة الفائدة في نوفمبر توقعًا قائمًا على تقديرات الاقتصاديين وتسعير الأسواق، وليست قرارًا رسميًا صادرًا عن بنك إنجلترا.
وتعتمد الخطوة المقبلة للبنك المركزي على البيانات الفعلية للتضخم وتطورات أسعار الطاقة والطلب وسوق العمل، في وقت تواجه فيه الحكومة البريطانية تحديًا موازيًا يتمثل في إعداد موازنة توازن بين دعم الأسر والشركات واحتواء الضغوط على المالية العامة.