تتجه مؤسسات التمويل التنموي الدولية إلى إعادة صياغة دور الثروات المعدنية في اقتصادات الدول النامية، عبر الانتقال من الاعتماد على استخراج الخامات وتصديرها إلى بناء سلاسل إنتاج متكاملة تشمل المعالجة والتكرير والتصنيع، بما يتيح الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل الدول المنتجة، ويعزز فرص جذب الاستثمارات الصناعية وخلق الوظائف.
وفي هذا الإطار، أعلن البنك الدولي و5 بنوك تنمية متعددة الأطراف عن توجه تعاوني يستهدف تنسيق التمويل وتطوير البنية التحتية وتحسين السياسات المنظمة لقطاع المعادن الحرجة، بما يدعم ربط مشروعات التعدين بالأنشطة الصناعية ويعزز الاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية. ويضم التعاون بنك التنمية الأفريقي، وبنك التنمية الآسيوي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، وبنك التنمية للبلدان الأمريكية، إلى جانب البنك الدولي.
ويعكس هذا التحرك توجهًا نحو التعامل مع المعادن الحرجة باعتبارها مدخلًا للتنمية الصناعية، وليس مجرد مورد للتصدير، في ظل تزايد أهمية هذه المعادن في سلاسل الإمداد العالمية والصناعات المرتبطة بالتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
تمويل متكامل لسلاسل إمداد المعادن
يرتكز إطار التعاون على تنسيق الدعم المقدم لمختلف مراحل سلاسل إمداد المعادن الحرجة، بدءًا من الاستخراج، مرورًا بالمعالجة والتكرير، وصولًا إلى تصنيع منتجات نهائية أو وسيطة ذات قيمة مضافة أعلى.
ويشمل ذلك توفير التمويل اللازم للمشروعات، وتطوير البنية التحتية الداعمة، وتحسين السياسات والإجراءات المنظمة للقطاع، بما يساعد الدول المنتجة على توسيع نطاق استفادتها من مواردها المعدنية بدلًا من الاقتصار على تصدير الخامات الأولية.
ومن الناحية الاقتصادية، يتيح هذا التوجه فرصًا لزيادة مساهمة التعدين في الناتج المحلي، وتوسيع القاعدة الصناعية، وخلق وظائف في أنشطة المعالجة والتصنيع والخدمات اللوجستية، فضلًا عن استقطاب استثمارات جديدة ترتبط بمراحل الإنتاج المختلفة.
كما يستهدف الإطار دعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، عبر تعزيز سلاسل الإمداد المرتبطة بالمعادن المستخدمة في الصناعات والتقنيات النظيفة، مع التركيز على توسيع الأثر التنموي للقطاع داخل الاقتصادات المنتجة.
«ممرات المعادن» تربط المناجم بمراكز التصنيع
تمثل البنية التحتية أحد المحاور الرئيسية في إطار التعاون، إذ تخطط المؤسسات المشاركة لدعم تطوير ما يُعرف بـ«ممرات المعادن»، وهي منظومات متكاملة تربط مواقع التعدين بشبكات الكهرباء والنقل والخدمات اللوجستية والمياه والبنية التحتية الرقمية.
ويستهدف هذا النموذج معالجة العقبات التي قد تحد من إقامة مصانع المعالجة والتكرير والتصنيع بالقرب من مناطق الإنتاج، أو تعوق نقل الخامات والمنتجات الوسيطة إلى الأسواق ومراكز التصنيع.
ويتضمن التعاون أيضًا تحسين إعداد المشروعات قبل طرحها للتمويل، وتوظيف التمويل المشترك والضمانات وغيرها من الأدوات المالية لتعبئة رؤوس الأموال وتسريع مشاركة القطاع الخاص.
وتكتسب هذه الآليات أهمية في المشروعات التعدينية والصناعية كثيفة رأس المال، التي تتطلب استثمارات كبيرة وفترات تنفيذ طويلة، فضلًا عن احتياجات متزامنة للطاقة والنقل والمياه والخدمات اللوجستية.
ومن شأن تنسيق الاستثمارات في هذه المكونات أن يساعد على تقليل الفجوات بين استخراج الموارد وإقامة الأنشطة الصناعية المرتبطة بها، بما يدعم تطوير سلاسل قيمة أكثر تكاملًا داخل الدول المنتجة.
معايير مشتركة وآلية لمتابعة التنفيذ
لا يقتصر إطار التعاون على التمويل والبنية التحتية، بل يمتد إلى تعزيز التنسيق بشأن المعايير البيئية والاجتماعية، وتحسين الدعم الفني المقدم للحكومات، وربط مشروعات التعدين بخطط تطوير البنية التحتية والتوسع الصناعي.
ومن المقرر تشكيل مجموعة عمل تضم بنوك التنمية متعددة الأطراف المشاركة، لتنسيق تنفيذ أهداف الإطار، على أن تقدم تقارير سنوية إلى مجموعة رؤساء هذه المؤسسات بشأن التقدم المحرز.
ويستهدف هذا التنسيق تعزيز تكامل الجهود التمويلية والتنموية، وتفادي التعامل مع مشروعات التعدين باعتبارها استثمارات منفصلة عن احتياجات الاقتصاد المحلي وخططه الصناعية.
كما تكتسب المعايير البيئية والاجتماعية أهمية في جذب التمويل والاستثمارات طويلة الأجل، في ظل الحاجة إلى تحقيق التوازن بين التوسع في إنتاج المعادن، وإدارة الآثار البيئية والاجتماعية للأنشطة التعدينية والصناعية.
القيمة المضافة.. الاختبار الحقيقي لعوائد الثروات المعدنية
يمثل الانتقال من تصدير الخامات إلى معالجتها وتصنيعها أحد المسارات التي يمكن أن تساعد الدول الغنية بالمعادن على تعظيم العائد الاقتصادي من مواردها الطبيعية. فبدلًا من اقتصار النشاط على استخراج الخام وبيعه، يمكن توسيع نطاق الاستفادة ليشمل التكرير والتصنيع والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد.
لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب أكثر من توافر الموارد المعدنية أو التمويل الدولي؛ إذ يرتبط أيضًا بقدرة الدول على توفير الطاقة والبنية التحتية، وتطوير المهارات الفنية، وتحسين البيئة التنظيمية، وبناء قاعدة صناعية قادرة على استيعاب الاستثمارات الجديدة.
كما أن نجاح هذا التوجه سيعتمد على قدرة المؤسسات التنموية على تحويل إطار التعاون إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتعبئة التمويل الخاص، وتوزيع الاستثمارات على مراحل الإنتاج المختلفة، بدلًا من تركّزها في أنشطة الاستخراج وحدها.
وفي هذا السياق، يوفر تنسيق الجهود بين بنوك التنمية الستة فرصة لتوسيع نطاق التمويل المتاح وتكامل الاستثمارات في البنية التحتية والصناعة، إلا أن الأثر الفعلي سيظل مرهونًا بسرعة التنفيذ، ومدى قدرة الدول المستفيدة على تحويل ثرواتها المعدنية إلى طاقة إنتاجية وفرص عمل وقيمة مضافة محلية مستدامة.