تواجه فرنسا ضغوطًا متزايدة على ماليتها العامة وسوق سنداتها، في وقت تتزامن فيه أزمة الموازنة مع احتجاجات طلابية واسعة وحالة من عدم اليقين السياسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وأدى تصاعد المخاوف بشأن قدرة باريس على احتواء العجز والدين إلى زيادة حساسية المستثمرين تجاه السندات الفرنسية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه سوق السندات الفرنسية موجة بيع، بينما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية، في إشارة إلى ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون الفرنسية.
ووصل عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.92% في أحدث تعاملات، مع استمرار المخاوف بشأن الوضع المالي والسياسي.
احتجاجات الطلاب تضيف ضغطًا سياسيًا
تزامنت اضطرابات سوق السندات مع اتساع الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، التي بدأت على خلفية أوضاع المدارس ونقص المعلمين وتدهور بعض المنشآت التعليمية، قبل أن تتحول إلى جزء من حالة أوسع من الاستياء بشأن الإنفاق العام والخدمات الحكومية.
وامتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 40 مدينة، بينما ترافقت مع إضرابات وتحركات اجتماعية أخرى، ما يزيد الضغوط السياسية على الحكومة في وقت تحاول فيه تمرير إجراءات لخفض الإنفاق العام.
وتأتي الاحتجاجات في توقيت حساس، إذ تستعد الحكومة لموازنة تتضمن إجراءات خفض للإنفاق بنحو 43 مليار يورو، في محاولة لإبقاء عجز الموازنة تحت السيطرة، بينما تواجه هذه الإجراءات معارضة سياسية واجتماعية واسعة.
سوق السندات يراقب الانتخابات
ولا تقتصر المخاوف على الاحتجاجات أو الموازنة الحالية، إذ ينظر المستثمرون إلى الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل باعتبارها عاملًا إضافيًا لعدم اليقين.
وقد ساهمت حالة الاستقطاب السياسي والخلافات بشأن كيفية معالجة الدين والعجز في زيادة تقلبات السندات الفرنسية، فيما تجاوز الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية في وقت سابق 150 نقطة أساس، وهو مستوى يعكس ارتفاع مخاوف المستثمرين بشأن المسار المالي لفرنسا.
لوبان بين خفض الإنفاق وزيادة مزايا التقاعد
وفي خضم الجدل حول مستقبل المالية العامة، تعهدت مارين لوبان بخفض كبير في عجز الموازنة من خلال تقليص الإنفاق، لكنها طرحت في الوقت نفسه سياسات تتضمن زيادة مزايا التقاعد.
وتعكس هذه المواقف صعوبة الموازنة بين المطالب الاجتماعية والسيطرة على الدين والعجز، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد حاجة الحكومة إلى تمويل الإنفاق العام.
وتشير تقارير حديثة إلى أن خطط خفض الإنفاق تواجه تشكيكًا من بعض المحللين بشأن قدرتها على تحقيق الأهداف المالية المعلنة، بينما تظل الانتخابات المقبلة عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه السياسة الاقتصادية.
الدين الفرنسي تحت ضغط تكاليف الاقتراض
وتزداد حساسية الوضع المالي مع ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمة الدين، في وقت تستعد فيه فرنسا لإصدار كميات قياسية من السندات خلال العام المقبل.
وكانت فرنسا قد أعلنت خططًا لبيع حجم قياسي من السندات، بينما بلغ الدين الحكومي ما يعادل نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وتقارير حديثة، ما يزيد أهمية قدرة الحكومة على إقناع المستثمرين بوجود مسار واضح لضبط المالية العامة.
كما تدرس وزارة المالية الفرنسية زيادة الاعتماد على السندات قصيرة الأجل في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض طويل الأجل، في محاولة لإدارة احتياجات التمويل وسط اضطرابات سوق الدين.
هل تتحول الضغوط إلى أزمة مالية؟
حتى الآن، لا تعني هذه التطورات أن فرنسا دخلت بالفعل في أزمة مالية شاملة، لكنها تكشف عن ارتفاع مستوى المخاطر التي تواجه المالية العامة وسوق السندات.
وتتمثل المسألة الرئيسية أمام باريس في قدرتها على تمرير الموازنة وتنفيذ خفض ملموس في الإنفاق، بالتوازي مع الحفاظ على ثقة المستثمرين، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض والانقسامات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية.
وبينما يرى بعض الاقتصاديين أن فرنسا يمكن أن تحصل على دعم أوروبي إذا وصلت أوضاعها المالية إلى مرحلة شديدة الصعوبة، فإن ارتفاع تكلفة الاقتراض واستمرار حالة عدم اليقين قد يفرضان ضغوطًا إضافية على الحكومة والأسواق، ما يجعل مسار الموازنة والسياسة المالية قبل انتخابات 2027 محورًا رئيسيًا لتحركات السندات الفرنسية خلال الفترة المقبلة.