تاكايتشي في مواجهة سوق السندات.. اليابان بين ضبط الدين وتمويل النمو


Thu 08 Oct 2026 | 01:47 PM
محمد سلامة

تواجه رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي اختبارًا ماليًا متزايدًا مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية، في وقت تسعى فيه حكومتها إلى طمأنة المستثمرين بشأن قدرتها على ضبط الدين العام، دون التخلي عن خطط الإنفاق الداعمة للنمو.

وتحاول طوكيو إعادة صياغة رسالتها الاقتصادية من التركيز على التوسع المالي إلى التشديد على الاستدامة المالية والحد من إصدار السندات، لكن الفجوة بين التعهدات الحكومية وحجم الإنفاق المطلوب تضع السياسة المالية اليابانية تحت تدقيق متزايد من أسواق الدين.

سقف للديون مقابل موازنة قياسية

تعهدت تاكايتشي بوضع سقف لإصدارات الدين الجديدة عند نحو 40 تريليون ين، ما يعادل 253 مليار دولار، في محاولة للحد من الضغوط على سوق السندات.

لكن هذا التعهد يأتي في وقت وصلت فيه طلبات الوزارات والهيئات الحكومية لموازنة العام المقبل إلى مستوى قياسي بلغ 143 تريليون ين، ما يبرز حجم التحدي الذي تواجهه الحكومة في المواءمة بين ضبط الدين وتمويل برامج الإنفاق.

وتزداد الضغوط مع خطة مرتقبة لخفض ضريبة المبيعات لمدة عامين، بتكلفة تقدر بنحو 4 تريليونات ين سنويًا، وهو ما قد يوسع الفجوة التمويلية في الموازنة.

وتراهن الحكومة على ارتفاع الإيرادات الضريبية واستخدام أموال حكومية غير مستغلة لتغطية جزء من الاحتياجات، إلا أن المستثمرين يراقبون هذا المسار بحذر، خصوصًا أن ضخ مزيد من الأموال في الاقتصاد قد يزيد الطلب والضغوط التضخمية في وقت يحاول فيه بنك اليابان احتواء التضخم.

عوائد السندات تفرض قواعد جديدة

دفعت الزيادة في عوائد السندات الحكومية اليابانية حكومة تاكايتشي إلى تعديل خطابها الاقتصادي، بعدما كانت قد تولت رئاسة الوزراء في أكتوبر من العام الماضي مع تعهدات بزيادة الإنفاق لدعم النمو.

وأكدت تاكايتشي أمام البرلمان أن الاستدامة المالية شرط أساسي لتنفيذ سياستها المالية "المسؤولة والاستباقية"، في تحول يعكس تنامي أهمية ضبط المالية العامة بالنسبة إلى الحكومة.

كما تعهدت بالسيطرة على إصدار السندات وتعزيز التواصل مع الأسواق، بعدما ارتفعت عوائد السندات الحكومية، ولا سيما السندات لأجل 10 سنوات، إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا وسط مخاوف بشأن زيادة الاقتراض والتضخم ومسار أسعار الفائدة.

وكان عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات قد تجاوز 3% في سبتمبر للمرة الأولى منذ عام 1996، في مؤشر على ارتفاع حساسية المستثمرين تجاه أوضاع المالية العامة واحتمالات مواصلة بنك اليابان تشديد سياسته النقدية.

طوكيو تعيد صياغة سياستها الاقتصادية

ويقود وزير المالية ساتسوكي كاتاياما جهود إعادة صياغة الرسالة الاقتصادية للحكومة، بعدما بدأت طوكيو منذ أواخر أغسطس في تعديل خطابها بهدف طمأنة الأسواق إلى أن حكومة تاكايتشي لا تتجه إلى تبني سياسات توسعية شبيهة بنهج "أبينوميكس".

وامتد التحول إلى مسؤولين ارتبطوا سابقًا بالسياسات الداعمة للتضخم والإنفاق، في وقت تتزايد فيه القناعة داخل دوائر السياسة الاقتصادية اليابانية بأن البيئة الاقتصادية الحالية تختلف عن المرحلة التي اتسمت بالتضخم المنخفض وضعف نمو الأسعار والأجور.

كما ظهر هذا التحول داخل بنك اليابان، مع إشارات من أيانو ساتو، العضو في مجلس البنك التي اختارتها تاكايتشي، إلى دعمها لرفع أسعار الفائدة مستقبلًا.

وتحاول الحكومة في الوقت نفسه تقديم برامج الإنفاق باعتبارها استثمارات تستهدف زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وليس مجرد أدوات لتحفيز الطلب.

الموازنة المقبلة تحت الاختبار

لكن الاختبار الأهم أمام حكومة تاكايتشي سيكون في أرقام الموازنة المقبلة، إذ تركز الأسواق على حجم الإنفاق والإصدارات الجديدة أكثر من التصريحات الحكومية.

وتشير تقديرات بعض المحللين إلى إمكانية ارتفاع الإيرادات الضريبية الاسمية إلى نحو 90 تريليون ين العام المقبل، مدفوعة بقوة أرباح الشركات وارتفاع مستويات الأسعار.

وتعتزم كاتاياما الاستفادة من أموال حكومية غير مستخدمة والبحث عن بنود يمكن خفضها، مع التركيز على نحو 7 تريليونات ين موزعة على قرابة 200 صندوق حكومي.

غير أن استخدام هذه الأموال لتمويل إنفاق إضافي قد لا يمثل حلًا طويل الأجل، كما أنه قد يضيف مزيدًا من التحفيز إلى الاقتصاد في وقت يحاول فيه بنك اليابان مواجهة الضغوط التضخمية عبر تشديد السياسة النقدية.

التضخم والين يغيران معادلة اليابان

وتزداد صعوبة الموقف مع انتقال الاقتصاد الياباني إلى مرحلة تختلف عن عقود التضخم المنخفض والنمو الضعيف.

فارتفاع الأسعار والأجور، إلى جانب ضعف الين وارتفاع تكاليف الطاقة، جعل استمرار السياسة المالية التوسعية أكثر تكلفة بالنسبة إلى سوق السندات.

ويرى مسؤولون سابقون في بنك اليابان أن زيادة الإنفاق في البيئة الحالية قد تدفع عوائد السندات إلى مستويات أعلى وتزاحم الاستثمار الخاص، بينما قد يؤدي الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة للغاية إلى زيادة الضغوط على الين ورفع تكلفة الواردات.

الأسواق تنتظر الأرقام

أمام تاكايتشي الآن مهمة تتجاوز تغيير الخطاب الاقتصادي إلى ترجمة التعهدات بالانضباط المالي إلى أرقام واضحة في الموازنة.

فالمستثمرون لا يراقبون حجم الديون الجديدة فقط، بل يهتمون أيضًا بقدرة الحكومة على خفض الإنفاق غير الضروري بما يكفي لإظهار تغير فعلي في مسار المالية العامة.

وتواجه طوكيو بذلك معادلة دقيقة: الحفاظ على الإنفاق الذي يدعم النمو، دون زيادة الضغوط على التضخم أو دفع عوائد السندات إلى مستويات أعلى، وفي الوقت نفسه إقناع الأسواق بأن التحول من التوسع المالي إلى الانضباط ليس مجرد تغيير في الخطاب، وإنما مسار فعلي في السياسة الاقتصادية.