الاحتيال لا ينتهي عند سرقة أموالك.. بياناتك الشخصية قد تفتح الباب لهجمات جديدة


Sun 04 Oct 2026 | 01:04 PM
محمد سلامة

لم تعد خسائر الاحتيال الرقمي تقاس فقط بحجم الأموال التي يفقدها الضحايا في العملية الأولى، إذ يمكن أن تتحول البيانات الشخصية التي يكشفها المستخدم لموقع أو جهة مزيفة إلى أصل قابل لإعادة الاستغلال، يتيح للمحتالين شن هجمات جديدة على الضحية أو بيع معلوماتها إلى شبكات احتيال أخرى.

وتكشف واقعة تعرض الممثلة البريطانية ليزا رايلي لعملية احتيال أثناء التقدم للحصول على تصريح السفر الإلكتروني إلى الولايات المتحدة، إلى جانب بيانات صادرة عن جمعية Nationwide، عن تطور خطير في أساليب الاحتيال الرقمي؛ إذ أظهر بحث أن 15% من الأشخاص قدموا معلومات شخصية إلى جهات اكتشفوا لاحقًا أنها غير حقيقية.

عملية احتيال واحدة.. واستهداف يمتد لأشهر

كانت رايلي تستعد للسفر إلى الولايات المتحدة عندما تقدمت عبر الإنترنت للحصول على تصريح السفر الإلكتروني ESTA، بعدما عثرت على الموقع عبر محرك البحث «جوجل».

وأدخلت في الموقع بيانات جواز سفرها ومعلوماتها البنكية والشخصية، ثم دفعت رسوم الطلب وانتظرت وصول التأكيد، الذي يصدر عادة خلال فترة قصيرة.

لكن التأكيد لم يصل، وعندما تواصلت عبر البريد الإلكتروني مع العنوان الموجود على الموقع، تلقت ردًا تضمن رابطًا لموقع غير مفهوم، لتكتشف أنها وقعت ضحية عملية احتيال.

ولم تتجاوز خسارتها المالية المباشرة 16 جنيهًا إسترلينيًا، وهي قيمة رسوم ESTA في ذلك الوقت، لكن تداعيات العملية استمرت لفترة أطول بكثير.

فخلال الأشهر الـ17 التالية، تعرضت رايلي لزيادة ملحوظة في المكالمات والرسائل الاحتيالية، بينها مكالمات يدعي أصحابها أنهم موظفون في البنك الذي تتعامل معه، ويتحدثون معها بشأن تحويلات مالية.

وتقول إن هذه المكالمات كانت تصل إليها مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، وأحيانًا مرتين في الأسبوع، بينما كانت الرسائل النصية تصل بوتيرة أكثر تكرارًا.

البيانات الشخصية.. قيمة أكبر من الأموال

تكشف هذه الواقعة أن الهدف الحقيقي للمحتالين قد لا يكون دائمًا الأموال التي يحصلون عليها في العملية الأولى، وإنما البيانات التي يقدمها الضحية أثناء عملية الاحتيال.

فمعلومات مثل بيانات جواز السفر، والحسابات البنكية، وأرقام الاتصال والبيانات الشخصية، يمكن استخدامها في عمليات لاحقة، أو بيعها لمحتالين آخرين، بما يحول عملية الاحتيال الأولى إلى مدخل لسلسلة من الهجمات المستقبلية.

وقالت أنيا بورسكيز، رئيسة عمليات مكافحة الاحتيال في Nationwide، إن المحتالين قد يعاودون استهداف الضحايا بعد العملية الأولى، مستفيدين من المعلومات التي جمعوها، سواء باستخدامها بأنفسهم أو بيعها إلى محتالين آخرين.

وقد تظهر المحاولات الجديدة في صورة مكالمات أو رسائل نصية أو رسائل بريد إلكتروني تنتحل صفة البنوك والمؤسسات المالية.

15% تعرضوا لتسريب بيانات عبر جهات مزيفة

ولا تبدو المشكلة مقتصرة على حالات فردية، إذ أظهر بحث أجرته Nationwide أن 15% من الأشخاص قدموا معلومات شخصية إلى جهات اكتشفوا لاحقًا أنها غير حقيقية.

ويعني ذلك أن نسبة مهمة من ضحايا الاحتيال قد تواجه خطرًا ممتدًا يتجاوز الخسارة المالية المباشرة، خصوصًا عندما تتضمن العملية الأصلية مشاركة بيانات حساسة يمكن إعادة استخدامها.

ومن هنا، تتحول بيانات الضحية إلى ما يشبه هوية رقمية قابلة للاستغلال المتكرر، بدلًا من كونها مجرد معلومات تم الحصول عليها خلال عملية احتيال واحدة.

المواقع الحكومية المزيفة.. بوابة لسرقة البيانات

في حالة رايلي، كان الموقع الاحتيالي مصممًا ليحاكي الموقع الرسمي المرتبط بإجراءات السفر إلى الولايات المتحدة، ما جعله يبدو حقيقيًا للمستخدم.

وتقول رايلي إن الموقع كان مشابهًا بدرجة كبيرة للموقع الرسمي، كما ظهر ضمن النتائج المتقدمة في محرك البحث، الأمر الذي لم يدفعها إلى الشك في البداية.

ولا يقتصر الخطر على تقليد التصميم، إذ يمكن للمحتالين الاستفادة من تقنيات حديثة، بينها أدوات الذكاء الاصطناعي، لإنشاء مواقع تبدو أكثر احترافية وإقناعًا.

كما يلجأ المحتالون إلى استخدام كلمات مرتبطة بالخدمة المستهدفة، مثل ESTA، داخل أسماء النطاقات لإضفاء طابع رسمي على المواقع المزيفة.

الضغط النفسي.. سلاح إضافي للمحتالين

يعتمد الاحتيال الرقمي على أكثر من مجرد تقليد المواقع الرسمية، إذ يستخدم المحتالون أيضًا أسلوب خلق شعور بالإلحاح لدفع المستخدم إلى اتخاذ قرار سريع قبل التحقق من الجهة التي يتعامل معها.

وحذرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية من مواقع احتيالية قد تطلب من المستخدم اتخاذ إجراء عاجل، وهي وسيلة شائعة لدفع الضحية إلى التصرف تحت الضغط.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح التوقف والتحقق من عنوان الموقع والجهة التي تطلب البيانات خطوة أساسية قبل إدخال أي معلومات شخصية أو مالية.

الخسارة الحقيقية قد تبدأ بعد عملية الاحتيال

تظهر قصة رايلي أن الخطر المالي المباشر ليس بالضرورة الجزء الأكبر من تكلفة الاحتيال.

فقد يخسر الضحية مبلغًا محدودًا في البداية، لكنه قد يواجه لاحقًا سلسلة من محاولات الاحتيال تستند إلى البيانات التي كشفها، ما يجعل آثار العملية تمتد لأسابيع أو أشهر.

ولهذا، فإن اكتشاف الموقع المزيف أو استرداد الأموال لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة، خصوصًا إذا كان الضحية قد أدخل بيانات بنكية أو شخصية حساسة.

كيف تحمي بياناتك بعد الوقوع في الاحتيال؟

ينصح باستخدام المواقع الرسمية فقط عند التقدم للحصول على تصريح ESTA، والتأكد من نطاق الموقع الرسمي الذي ينتهي بـ .gov، أو استخدام التطبيق الرسمي للخدمة.

كما ينبغي الاحتفاظ برقم تأكيد الطلب وبيانات الدفع والسجلات المرتبطة بالمعاملة، مع مراجعة كشوف الحسابات البنكية بصورة منتظمة للتأكد من عدم وجود معاملات غير مصرح بها.

وفي حال الاشتباه في التعرض لعملية احتيال، ينبغي توثيق الواقعة والتواصل سريعًا مع البنك أو المؤسسة المالية، إلى جانب استخدام قنوات الإبلاغ الرسمية المختصة.

أما إذا تم إدخال البيانات الشخصية بالفعل في موقع مزيف، فيجب التعامل بحذر شديد مع أي مكالمات أو رسائل أو رسائل بريد إلكتروني غير متوقعة خلال الفترة التالية، لأن المعلومات المسربة قد تستخدم في هجمات أكثر إقناعًا.

وتؤكد بورسكيز أن الضحية ليست مطالبة بالاستجابة تحت الضغط، وأن أي شخص يتلقى اتصالًا مشبوهًا ينبغي أن يتوقف ويتحقق من هوية المتصل، ثم يتواصل مع البنك مباشرة عبر رقم موثوق موجود على البطاقة البنكية أو الموقع الرسمي للمؤسسة.

من عملية احتيال إلى سلسلة هجمات

تغيرت طبيعة الاحتيال الرقمي؛ فلم يعد الهدف مجرد الحصول على مبلغ مالي من الضحية، بل أصبح الاستحواذ على البيانات الشخصية نفسها هدفًا ذا قيمة يمكن استغلاله لاحقًا.

ومع تطور تقنيات إنشاء المواقع المزيفة واستخدام الذكاء الاصطناعي في تقليد المؤسسات الرسمية، تزداد أهمية التعامل مع البيانات الشخصية باعتبارها أصولًا حساسة، لا معلومات عابرة يمكن مشاركتها دون تحقق.

فالخسارة قد تبدأ برسوم بسيطة أو دفعة مالية محدودة، لكن البيانات التي يتركها الضحية خلفه قد تمنح المحتالين فرصة للعودة مرة أخرى، بطرق أكثر دقة وإقناعًا.