شركات الأدوية الصغيرة بين رسوم ترامب وزيادة أسعار مواد الخام والإمدادات


Tue 29 Sep 2026 | 05:02 PM
محمد سلامة

تواجه شركات الأدوية الصغيرة والمتوسطة في الولايات المتحدة اختبارًا جديدًا مع دخول الرسوم الجمركية الأمريكية على بعض الأدوية المستوردة حيز التنفيذ، وسط مخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، وانعكاسها على أسعار الدواء وتوافر بعض المنتجات في السوق. وفي الوقت الذي حصلت فيه شركات دوائية كبرى على ترتيبات وإعفاءات مرتبطة بالتسعير والاستثمار المحلي، تبدو الشركات الأصغر أكثر تعرضًا لضغوط الرسوم بسبب محدودية هوامشها المالية وقدرتها على نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة.

رسوم تصل إلى 100% على بعض الأدوية المستوردة

فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية بنسبة 100% على بعض الأدوية ذات العلامات التجارية المستوردة، ضمن سياسة تستهدف دفع شركات الأدوية إلى زيادة التصنيع داخل الولايات المتحدة.

وتستهدف الرسوم، وفق السياسة المعلنة، الأدوية المحمية ببراءات اختراع التي لا يتم إنتاجها داخل الولايات المتحدة، ولا تشملها اتفاقات خفض أسعار الأدوية.

في المقابل، يمكن للشركات التي تنقل إنتاجها إلى الأراضي الأمريكية وتلتزم باتفاقات التسعير مع الحكومة الاستفادة من الإعفاء من الرسوم، فيما تحصل بعض الشركات على معاملة جمركية مختلفة بموجب اتفاقات تجارية أو ترتيبات خاصة.

أما الأدوية الجنيسة، فلا تشملها الرسوم خلال فترة لا تقل عن عام، وهو ما يجعل تأثير الإجراءات الجديدة أكثر تركيزًا على سوق الأدوية ذات العلامات التجارية المستوردة.

لماذا تواجه الشركات الصغيرة ضغوطًا أكبر؟

تكمن المشكلة الرئيسية بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة في محدودية قدرتها على امتصاص الزيادة المفاجئة في التكاليف.

فالشركات الكبرى تمتلك عادةً محافظ دوائية أكثر تنوعًا وموارد مالية أكبر، ما يمنحها قدرة أعلى على تحمل تكاليف إضافية أو تمويل استثمارات ضخمة لإنشاء منشآت إنتاج داخل الولايات المتحدة.

أما الشركات الأصغر، فغالبًا ما تعتمد على عدد محدود من المنتجات، ما يجعل أي زيادة كبيرة في تكاليف الاستيراد أكثر تأثيرًا على هوامش أرباحها.

وقد تجد هذه الشركات نفسها أمام خيارات صعبة: تحمل التكلفة، أو رفع الأسعار، أو الاستثمار في التصنيع المحلي، أو تقليص وجودها في السوق الأمريكية.

اتفاقات الإدارة تمنح الشركات الكبرى هامش حماية

في المقابل، نجحت أكثر من 20 شركة دوائية كبرى في التوصل إلى اتفاقات مع الإدارة الأمريكية، وفق ما أوردته «رويترز»، في إطار ترتيبات تتضمن خفض أسعار بعض الأدوية وزيادة الاستثمارات والإنتاج داخل الولايات المتحدة.

وتوفر هذه الاتفاقات للشركات المشاركة فيها معاملة جمركية مختلفة، بما في ذلك إعفاءات أو رسوم مخفضة، وفق شروط كل اتفاق.

وتخلق هذه الترتيبات تفاوتًا بين الشركات التي تمكنت من إبرام اتفاقات مع الحكومة وتلك التي لم تدخل في مثل هذه الترتيبات، وهو ما يثير مخاوف الشركات الصغيرة من اتساع الفجوة التنافسية داخل سوق الدواء الأمريكية.

ارتفاع الأسعار.. أحد السيناريوهات المحتملة

يمثل ارتفاع الأسعار أحد أبرز المخاوف المرتبطة بالرسوم الجديدة.

فإذا لم تتمكن الشركات من امتصاص التكلفة الإضافية، فقد تضطر إلى تمرير جزء منها إلى المستهلكين أو الجهات التي تدفع تكاليف العلاج، بما قد يرفع تكلفة بعض الأدوية المستوردة.

لكن التأثير قد يختلف من منتج إلى آخر، وفق درجة المنافسة وتوافر البدائل وقدرة الشركات على إعادة ترتيب سلاسل التوريد.

وفي بعض الحالات، قد يصبح إنتاج أو استيراد بعض الأدوية أقل جدوى اقتصاديًا، ما قد يدفع الشركات إلى تقليص الكميات المعروضة أو إعادة تقييم استمرار بعض المنتجات في السوق.

التصنيع المحلي.. حل مكلف للشركات الأصغر

يمكن للشركات الحد من أثر الرسوم عبر نقل التصنيع إلى الولايات المتحدة، لكن هذا الخيار يتطلب استثمارات كبيرة في المصانع وسلاسل الإمداد والامتثال التنظيمي.

وبالنسبة إلى الشركات الكبرى، قد يكون تمويل هذه الاستثمارات أكثر قابلية للتنفيذ، خصوصًا إذا كان نقل الإنتاج مرتبطًا بإعفاءات جمركية أو اتفاقات مع الحكومة.

أما الشركات الصغيرة والمتوسطة، فقد لا تمتلك الموارد اللازمة لتحمل تكلفة إنشاء منشآت جديدة أو إعادة بناء سلاسل توريدها في فترة قصيرة.

هل تتأثر إمدادات الأدوية؟

لا يقتصر الجدل حول الرسوم على أسعار الدواء، بل يمتد إلى استمرارية وتنوع المعروض في السوق الأمريكية.

فإذا أدت الرسوم إلى جعل بعض المنتجات غير مجدية اقتصاديًا بالنسبة إلى الشركات المنتجة، فقد تتجه بعض الشركات إلى تقليص حضورها أو وقف بعض المنتجات، خصوصًا إذا كانت المبيعات الأمريكية لا تكفي لتعويض ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وقد يصبح هذا الأمر أكثر أهمية في الأسواق التي تعتمد على عدد محدود من الموردين، إذ إن خروج أحد المنتجات أو الشركات قد يقلل الخيارات المتاحة أمام المرضى ومقدمي الرعاية الصحية.

معركة بين التصنيع المحلي والمنافسة

تسعى الإدارة الأمريكية من خلال الرسوم والاتفاقات المبرمة مع شركات الأدوية إلى تحقيق هدفين متوازيين: زيادة التصنيع الدوائي داخل الولايات المتحدة، والضغط لخفض أسعار الأدوية.

لكن السياسة الجديدة تفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول تأثير الرسوم على الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومدى قدرتها على منافسة الشركات الكبرى التي تمتلك موارد مالية أكبر وتحصل بعض منتجاتها على ترتيبات جمركية خاصة.

وبينما قد تدفع الرسوم بعض الشركات إلى زيادة الاستثمار في التصنيع المحلي، فإنها قد تفرض في المقابل تكاليف إضافية على شركات أخرى لا تملك القدرة المالية على إعادة هيكلة عملياتها سريعًا.

ويبقى تأثير السياسة على أسعار الأدوية وتوافرها ومستوى المنافسة مرتبطًا بمدى قدرة الشركات على تمرير التكاليف أو امتصاصها، وبسرعة انتقال الإنتاج إلى الولايات المتحدة، فضلًا عن طبيعة الاتفاقات والإعفاءات التي ستتطور خلال الفترة المقبلة.