في وقت تواجه فيه الاقتصادات الناشئة تحديات متزايدة في توفير النقد الأجنبي وتقليص العجز التجاري، تبرز الصادرات المصرية غير البترولية باعتبارها أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، بعدما نجحت في مضاعفة قيمتها مقارنة بما كانت عليه قبل أكثر من عقد، مدعومة بتوسع القاعدة الصناعية، وزيادة تنافسية المنتجات المصرية، وفتح أسواق تصديرية جديدة عبر الاتفاقيات التجارية.
وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري، ووزارة التجارة والصناعة، والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، أن الصادرات غير البترولية تحولت من مصدر تقليدي للعملة الأجنبية إلى ركيزة رئيسية لدعم الاقتصاد، مع تنوع هيكلها بين الصناعات الكيماوية والغذائية والهندسية ومواد البناء والحاصلات الزراعية، بما يعكس توسع قاعدة الإنتاج المحلي وارتفاع القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق العالمية.
أكثر من عقد من النمو
بدأت الصادرات غير البترولية خلال العام المالي 2013/2014 عند نحو 13.7 مليار دولار، قبل أن تتراجع إلى 13.3 مليار دولار في 2014/2015، ثم إلى نحو 13 مليار دولار خلال 2015/2016، متأثرة بالتحديات الاقتصادية وظروف الإنتاج آنذاك.
ومع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف، دخلت الصادرات مرحلة جديدة من النمو، لترتفع إلى نحو 15 مليار دولار خلال 2016/2017، ثم إلى 17 مليار دولار في 2017/2018.
ورغم تداعيات الجائحة العالمية، حافظت الصادرات على مسارها التصاعدي، حيث سجلت 16.9 مليار دولار خلال 2018/2019، ثم ارتفعت إلى 17.9 مليار دولار في 2019/2020، قبل أن تتجاوز حاجز 20 مليار دولار لأول مرة خلال العام المالي 2020/2021 مسجلة نحو 20.1 مليار دولار.
واستمرت وتيرة النمو خلال السنوات التالية، لتبلغ الصادرات غير البترولية نحو 25.9 مليار دولار في 2021/2022، ثم 26.3 مليار دولار في 2022/2023، و26.8 مليار دولار خلال 2023/2024.
وخلال أول تسعة أشهر من العام المالي الجاري، سجلت الصادرات السلعية غير البترولية نحو 27.3 مليار دولار، بما يعكس استمرار تحسن أداء القطاعات الإنتاجية وزيادة مساهمتها في دعم موارد النقد الأجنبي.
2025.. عام قياسي للصادرات
واصلت الصادرات غير البترولية تحقيق مستويات غير مسبوقة خلال عام 2025، إذ بلغت نحو 48.567 مليار دولار، مقابل 41.507 مليار دولار خلال عام 2024، محققة معدل نمو بلغ نحو 17%، وفق بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات.
ويعكس هذا الأداء اتساع قاعدة المصدرين، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتحسن قدرة الشركات المصرية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، إلى جانب الاستفادة من الاتفاقيات التجارية الإقليمية والدولية.
مواد البناء تتصدر المشهد
جاء قطاع مواد البناء والصناعات المعدنية في صدارة القطاعات التصديرية خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، بإجمالي صادرات بلغ نحو 12.798 مليار دولار، مستفيدًا من ارتفاع صادرات الحديد والصلب والأسمنت والذهب ومنتجات البناء المختلفة.
وحل قطاع الصناعات الكيماوية والأسمدة في المركز الثاني بصادرات بلغت نحو 7.720 مليار دولار، مدعومًا بالطلب العالمي على الأسمدة والمنتجات الكيماوية، وتوافر قاعدة إنتاجية قوية تعتمد على الغاز الطبيعي والمواد الخام المحلية.
كما سجلت صادرات الصناعات الغذائية نحو 5.766 مليار دولار، فيما بلغت صادرات الصناعات الهندسية والإلكترونية 5.323 مليار دولار، بينما سجلت الحاصلات الزراعية نحو 3.894 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
الزراعة.. قصة نجاح مستمرة
واصل القطاع الزراعي تعزيز مساهمته في نمو الصادرات المصرية، مع نجاح المنتجات الزراعية في الوصول إلى أسواق جديدة تتطلب معايير مرتفعة للجودة والسلامة الغذائية.
وسجلت الصادرات الزراعية خلال عام 2024 مستوى قياسيًا بلغ نحو 8.6 مليون طن، بزيادة تجاوزت 1.17 مليون طن مقارنة بعام 2023.
وخلال عام 2025، ارتفعت الكميات المصدرة إلى أكثر من 8.8 مليون طن، فيما بلغ إجمالي صادرات المنتجات الزراعية الطازجة والمصنعة نحو 9.5 مليون طن، بقيمة وصلت إلى نحو 11.5 مليار دولار، وفق بيانات وزارة الزراعة.
وحافظت الموالح، وفي مقدمتها البرتقال، على موقعها كأكبر الحاصلات الزراعية تصديرًا، بعدما تجاوزت صادراتها مليوني طن خلال عام 2025، تلتها البطاطس الطازجة بنحو 1.3 مليون طن، ثم البطاطا والفاصوليا والبصل الطازج.
ويرجع هذا الأداء إلى تطوير منظومة الحجر الزراعي، ورفع كفاءة الرقابة والفحص، والالتزام بالاشتراطات الصحية والفنية للأسواق الدولية، وهو ما عزز فرص النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والخليجية، إلى جانب التوسع في أسواق آسيا وأمريكا الشمالية.
الصناعات الكيماوية.. قوة تصديرية متنامية
أصبحت الصناعات الكيماوية والأسمدة أحد أهم روافد الصادرات الصناعية المصرية، مستفيدة من توافر المواد الخام، واتساع الطاقات الإنتاجية، وتنامي الطلب العالمي على الأسمدة والمنتجات الكيماوية.
ويضم القطاع آلاف الشركات العاملة في مجالات الأسمدة والبتروكيماويات والبلاستيك والدهانات والكيماويات الوسيطة، كما يمثل أحد أكبر القطاعات المولدة لفرص العمل، فضلاً عن مساهمته المتزايدة في توفير النقد الأجنبي.
وخلال السنوات الأخيرة، توسعت الشركات المصرية في أسواق جديدة داخل القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة والموقع الجغرافي لمصر والبنية اللوجستية المتطورة.
الاتفاقيات التجارية تفتح أسواقًا جديدة
استفادت الصادرات المصرية من شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية، أبرزها اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، واتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى، واتفاقية الكوميسا، والتي وفرت مزايا تنافسية للمنتجات المصرية عبر خفض الحواجز الجمركية وتوسيع فرص النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وتظل الأسواق العربية والاتحاد الأوروبي وإفريقيا في مقدمة الوجهات الرئيسية للصادرات المصرية، مع استمرار جهود التوسع في أسواق آسيا وأمريكا اللاتينية ضمن استراتيجية تستهدف تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الدول.
رهان الدولة على التصدير
يعكس النمو المتواصل للصادرات غير البترولية نجاح توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وتعزيز مساهمة القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد، إذ باتت الصادرات تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي إلى جانب السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس.
وتستهدف الحكومة خلال السنوات المقبلة مواصلة رفع الصادرات السلعية، عبر زيادة المكون المحلي، وتحسين تنافسية الصناعة، وتوسيع قاعدة المصدرين، بما يسهم في تقليص عجز الميزان التجاري، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق نمو أكثر استدامة.