من 4 مليارات إلى 46 مليار دولار.. كيف أعادت مصر رسم خريطة الاستثمار الأجنبي خلال 13 عامًا؟


Sun 12 Jul 2026 | 05:37 PM
محمد سلامة

لم يعد الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر يقتصر على النفط والغاز كما كان قبل عقد من الزمن، إذ شهدت خريطة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية تحولًا واضحًا نحو قطاعات أكثر تنوعًا تشمل التطوير العقاري والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.

 وبينما مثّلت صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة قفزة استثنائية في حجم التدفقات خلال 2023/2024، تشير أحدث البيانات إلى عودة الاستثمارات إلى مستويات أكثر استدامة، مع استمرار تحسن جاذبية السوق المصرية واستهداف استثمارات إنتاجية طويلة الأجل.

رحلة صعود الاستثمار الأجنبي

تكشف بيانات البنك المركزي المصري أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مرت بمراحل متباينة منذ العام المالي 2013/2014، حيث سجلت نحو 4.1 مليار دولار، قبل أن ترتفع إلى 6.4 مليار دولار في 2014/2015، ثم إلى 6.9 مليار دولار خلال 2015/2016، مدفوعة بالتوسع في أنشطة البحث والاستكشاف بقطاع البترول والغاز.

ومع إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف في عام 2016، بدأت مؤشرات الاستثمار تتحسن بصورة ملحوظة، لترتفع التدفقات إلى نحو 7.9 مليار دولار خلال 2016/2017، مستفيدة من زيادة ثقة المستثمرين وتحسن بيئة الأعمال.

وخلال الأعوام التالية، حافظت التدفقات على مستويات مستقرة نسبيًا، إذ بلغت 7.7 مليار دولار في 2017/2018، ثم 5.9 مليار دولار في 2018/2019، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 7.5 مليار دولار خلال 2019/2020.

ورغم التأثيرات العالمية لجائحة كورونا، والتي دفعت التدفقات إلى التراجع عند 5.2 مليار دولار  في 2020/2021، فإنها استعادت مسارها الصاعد سريعًا، لتصل إلى 8.9 مليار دولار  خلال 2021/2022، ثم  10 مليارات دولار في 2022/2023، بدعم من صفقات الاستحواذ والاستثمارات الجديدة وبرامج جذب المستثمرين.

رأس الحكمة.. نقطة التحول الأكبر

شكّل العام المالي 2023/2024 محطة استثنائية في تاريخ الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، بعدما قفزت التدفقات إلى مستوى غير مسبوق بلغ 46.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 10 مليارات دولار في العام السابق.

وجاءت هذه القفزة مدفوعة بصفقة تطوير منطقة رأس الحكمة، التي بلغت قيمتها الإجمالية 35 مليار دولار، تضمنت 24 مليار دولار تدفقات نقدية مباشرة، إضافة إلى 11 مليار دولار لتسوية ودائع إماراتية.

كما انعكس ذلك على مؤشرات الاقتصاد الكلي، إذ سجل الحساب الرأسمالي والمالي صافي تدفقات داخلة بنحو 29.9 مليار دولار، بينما حقق ميزان المدفوعات فائضًا كليًا بلغ 9.7 مليار دولار خلال العام المالي نفسه.

وفي الوقت ذاته، ارتفعت الاستثمارات الأجنبية الواردة إلى القطاعات غير البترولية إلى 46.4 مليار دولار مقابل نحو 11 مليار دولار في العام السابق، ما يعكس التأثير المباشر للصفقة على هيكل التدفقات الاستثمارية.

إصلاحات اقتصادية دعمت الجاذبية الاستثمارية

ساهمت الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الدولة خلال السنوات الماضية في تعزيز تنافسية السوق المصرية، من خلال تطوير البنية التحتية، وتحديث التشريعات المنظمة للاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، إلى جانب التوسع في إشراك القطاع الخاص.

كما عززت مشروعات الطرق والموانئ والطاقة والمدن الجديدة قدرة الاقتصاد على استيعاب استثمارات أكبر في قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات.

وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة بالتعاون مع البنك الدولي على إعداد استراتيجية وطنية للاستثمار الأجنبي المباشر للفترة 2025-2030، تستهدف جذب استثمارات ذات قيمة مضافة، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وزيادة ارتباط المستثمرين الأجانب بسلاسل الإنتاج المحلية.

خريطة المستثمرين تتغير

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في مساهمة المستثمرين الخليجيين، خاصة عبر الصناديق السيادية والمؤسسات الاستثمارية، في مشروعات التطوير العقاري والبنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية.

وفي المقابل، حافظ المستثمرون الأوروبيون على حضورهم القوي في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا، مع اهتمام متزايد بمشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بينما واصلت الشركات الآسيوية توسيع استثماراتها في عدد من القطاعات الإنتاجية.

العقارات والمدن الذكية في صدارة الاهتمام

برز قطاع التطوير العقاري كأحد أهم الوجهات الجاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية، مدعومًا بالتوسع في إنشاء المدن الجديدة ومشروعات التنمية العمرانية.

وتتصدر العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والساحل الشمالي، قائمة المناطق الأكثر جذبًا للشراكات الاستثمارية، بفضل ارتباطها بمشروعات النقل والخدمات والطاقة والبنية الرقمية.

الطاقة النظيفة.. محرك الاستثمار القادم

يتوقع أن يصبح قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر أحد أبرز محركات الاستثمار الأجنبي خلال السنوات المقبلة، مستفيدًا من الموقع الجغرافي لمصر، وتوافر موارد الطاقة الشمسية والرياح، والبنية الأساسية التي تتمتع بها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ووفق البيانات الرسمية، جذبت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس استثمارات بلغت 11.6 مليار دولار منذ عام 2016 وحتى 2025، وأسهمت في توفير أكثر من 136 ألف فرصة عمل مباشرة، فيما تضم حاليًا 504 مشروعات قائمة أو قيد التنفيذ في قطاعات صناعية وخدمية متنوعة.

التكنولوجيا تفرض نفسها على خريطة الاستثمار

بالتوازي مع القطاعات التقليدية، شهدت التكنولوجيا نموًا متسارعًا في اهتمام المستثمرين الأجانب، خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية، ومراكز البيانات، والخدمات الرقمية، والشركات الناشئة.

ويستند هذا الاهتمام إلى اتساع السوق المحلية، وتوافر الكفاءات البشرية، وتسارع برامج التحول الرقمي، والتوسع في الخدمات الإلكترونية.

2024/2025.. العودة إلى المستويات الطبيعية

بعد القفزة الاستثنائية التي سجلتها تدفقات الاستثمار خلال عام صفقة رأس الحكمة، عادت الأرقام خلال العام المالي 2024/2025إلى مستويات تعكس النشاط الاستثماري الاعتيادي.

وسجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 12.2 مليار دولار مقابل 46.1 مليار دولار في العام السابق، وهو تراجع يرتبط بانتهاء أثر الصفقة الاستثنائية، وليس بانخفاض جاذبية السوق المصرية.

وتشير بيانات البنك المركزي إلى استمرار تدفق الاستثمارات من الإمارات والسعودية والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، مع استمرار النشاط في قطاعات البترول والطاقة والعقارات والخدمات.

كما تركز السياسات الحكومية حاليًا على جذب استثمارات طويلة الأجل تستهدف زيادة الإنتاج والصادرات، بدلاً من الاعتماد على الصفقات الكبرى وحدها.

مؤشرات إيجابية خلال 2025/2026

تعكس البيانات الأولية للعام المالي 2025/2026 استمرار تحسن أداء الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ سجلت التدفقات خلال النصف الأول من العام نحو 9.3 مليار دولار، مقابل 6 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.

كما أظهرت بيانات البنك المركزي تحقيق المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفقات داخلة بقيمة 6.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي، بعدما سجل الربع الأول صافي تدفقات خارجة بلغ 366.4 مليون دولار، قبل أن يتحسن الأداء خلال الربع التالي بدعم تدفقات استثمارية أكبر.

وتشير هذه الأرقام إلى انتقال تدريجي نحو نموذج يعتمد بصورة أكبر على الاستثمارات الإنتاجية في الصناعة والطاقة الجديدة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، بعيدًا عن الاعتماد على التدفقات الاستثنائية الناتجة عن الصفقات الكبرى.

أكثر من تدفقات دولارية

لا تقتصر أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر على توفير العملة الأجنبية، بل تمتد إلى دعم النمو الاقتصادي من خلال زيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرة التصديرية، ودمج الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة العالمية.

ومع استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وتطوير البنية الأساسية، واستهداف استثمارات ذات قيمة مضافة، تتجه مصر نحو مرحلة جديدة يكون فيها الاستثمار الأجنبي ركيزة أساسية لتعزيز النمو المستدام ورفع تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.