شهد قطاع الطاقة في مصر تحولات متسارعة خلال العقد الأخير، انتقل خلالها من مرحلة تحقيق فوائض في الميزان التجاري البترولي بفضل طفرة إنتاج الغاز الطبيعي، إلى العودة مجددًا للاعتماد على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية، في ظل نمو الاستهلاك وتراجع إنتاج بعض الحقول.
وتكشف بيانات البنك المركزي المصري عن اتساع العجز في الميزان التجاري البترولي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026 بنسبة 26.8% على أساس سنوي، ليصل إلى 13.1 مليار دولار، نتيجة ارتفاع واردات الغاز الطبيعي والبترول الخام، رغم استمرار نمو الصادرات غير البترولية.
فاتورة الواردات تضغط على الميزان البترولي
أظهرت بيانات البنك المركزي أن قيمة الواردات البترولية ارتفعت إلى 17.3 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى مارس 2025/2026، مقابل صادرات بترولية بلغت 4.2 مليار دولار فقط.
وجاءت الزيادة مدفوعة بارتفاع واردات الغاز الطبيعي بنحو 2.6 مليار دولار، إلى جانب زيادة واردات البترول الخام بقيمة 831 مليون دولار، مع تزايد احتياجات السوق المحلية لتشغيل محطات الكهرباء وتلبية الطلب الصناعي.
13 عامًا من العجز التجاري
ظل الميزان التجاري السلعي يعاني من فجوة مستمرة بين الصادرات والواردات منذ العام المالي 2013/2014، حيث بلغ العجز آنذاك نحو 34 مليار دولار، مع صادرات بقيمة 26.1 مليار دولار مقابل واردات تجاوزت 60 مليار دولار.
واستمرت الفجوة خلال السنوات التالية، مدفوعة بالاعتماد على استيراد الطاقة والمواد الخام والسلع الوسيطة، رغم تحسن أداء الصادرات تدريجيًا.
تحرير سعر الصرف غيّر معادلة التجارة الخارجية
شكّل قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016 نقطة تحول مهمة، إذ عزز القدرة التنافسية للصادرات المصرية، في مقابل ارتفاع تكلفة الواردات.
ورغم استمرار العجز التجاري، نجح ميزان المدفوعات في تحقيق فوائض بلغت 13.7 مليار دولار خلال 2016/2017 و12.8 مليار دولار في 2017/2018، مدعومًا بارتفاع إيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمارات الأجنبية.
"ظهر" يقود طفرة الصادرات البترولية
أحدث بدء الإنتاج من حقل ظهر تحولًا كبيرًا في قطاع الطاقة، حيث ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي وحققت مصر فوائض للتصدير بين عامي 2018 و2022.
وخلال العام المالي 2021/2022 سجلت الصادرات السلعية مستوى قياسيًا بلغ 43.9 مليار دولار، منها نحو 18 مليار دولار صادرات بترولية، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا دفع الواردات إلى 91.7 مليار دولار، ليرتفع العجز التجاري إلى 47.8 مليار دولار.
عودة الاستيراد مع تزايد الطلب المحلي
لكن الفوائض البترولية لم تستمر طويلًا، إذ أدت زيادة الاستهلاك المحلي، خاصة في قطاع الكهرباء، إلى جانب انخفاض إنتاج بعض الحقول، إلى استئناف استيراد الغاز الطبيعي المسال لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
ويؤكد هذا التحول أن وضع الدول في أسواق الطاقة يتحدد وفقًا لمعادلة الإنتاج والطلب، وليس فقط بحجم الاحتياطيات.
الصادرات غير البترولية تواصل النمو
في المقابل، واصلت الصادرات غير البترولية تحقيق نمو ملحوظ، لترتفع من 13.7 مليار دولار في 2013/2014 إلى نحو 29.9 مليار دولار خلال 2024/2025، بدعم من قطاعات الصناعات الغذائية والكيماويات والأسمدة ومواد البناء والمنتجات الهندسية.
ورغم هذا التطور، لا تزال الزيادة في الصادرات غير البترولية غير كافية لتعويض الارتفاع المستمر في فاتورة الواردات، خاصة مع تقلبات أسعار الطاقة عالميًا.
ميزان المدفوعات يستند إلى مصادر متنوعة للنقد الأجنبي
ورغم استمرار العجز التجاري، يعتمد الاقتصاد المصري على مصادر أخرى للنقد الأجنبي، تشمل السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وساهمت هذه التدفقات في تحقيق فائض بميزان المدفوعات بلغ 9.7 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، مدعومًا بصفقة تطوير منطقة رأس الحكمة.
3 محاور لتقليص العجز مستقبلاً
ويرى مراقبون أن تقليص العجز البترولي خلال السنوات المقبلة يتطلب التركيز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل زيادة إنتاج الغاز والبترول، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الاستهلاك، إلى جانب تسريع نمو الصادرات غير البترولية ذات القيمة المضافة، بما يخفف الضغوط على النقد الأجنبي ويعزز استدامة الميزان الخارجي.