تقدم مصر إلى المركز 83 عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي 2026، مدعومًا بتحسن روابط الابتكار ونشر المعرفة وتطور بعض مؤشرات الاستثمار والتجارة، يفتح الباب أمام فرص جديدة لتعزيز تنافسية الاقتصاد. لكن تحويل هذا التقدم إلى صادرات أعلى قيمة وشركات قادرة على التوسع يتطلب ربط البحث العلمي بالصناعة، وتوسيع مصادر التمويل، وتعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص.
يمثل الابتكار أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، إذ يسهم في رفع الإنتاجية، وتحسين القدرة التنافسية للشركات، وجذب الاستثمارات، وتطوير منتجات وخدمات قادرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية. ومع تقدم مصر في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، تتزايد أهمية الانتقال من تحسين ترتيب الدولة في المؤشرات الدولية إلى تحقيق عائد اقتصادي ملموس من المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا.
وتعكس نتائج المؤشر، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية «الويبو»، تحسنًا تدريجيًا في أداء مصر؛ إذ تقدمت إلى المركز 83 عالميًا بين 139 اقتصادًا، مقارنة بالمركز 86 في عام 2025 والمركز 96 في عام 2020. ويعزز هذا التقدم فرص البناء على القدرات البحثية والتكنولوجية القائمة، لكنه يضع في الوقت نفسه ملف تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية في صدارة أولويات التنمية.
تحسن ترتيب مصر يعكس تطورًا في مكونات منظومة الابتكار
بحسب بيانات «الويبو»، جاءت مصر في المركز التاسع بين 36 اقتصادًا من الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، وفي المركز الخامس عشر بين 18 اقتصادًا في منطقة شمال إفريقيا وغرب آسيا، وفقًا لنتائج مؤشر الابتكار العالمي 2026.
وتكشف المقارنة مع عام 2020 عن تحسن في عدد من المؤشرات المرتبطة بمخرجات الابتكار والقدرة على توظيف المعرفة. فقد تقدمت مصر إلى المركز 47 في روابط الابتكار، مقابل المركز 74 سابقًا، وإلى المركز 81 في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مقارنة بالمركز 96، كما تحسن ترتيبها في نشر المعرفة إلى المركز 81، مقابل المركز 99.
وامتد التحسن إلى بعض المؤشرات الاقتصادية المرتبطة بالاستثمار وحركة الأسواق؛ إذ وصلت مصر إلى المركز 97 في مؤشر الاستثمار، مقارنة بالمركز 119 في عام 2020، وإلى المركز 51 في التجارة والتنويع وحجم السوق، مقابل المركز 62.
وتشير هذه التحركات إلى تحسن نسبي في عدد من عناصر المنظومة، إلا أن دلالتها الاقتصادية ترتبط بمدى قدرة الشركات المحلية على الاستفادة منها في تطوير منتجات جديدة، ورفع كفاءة الإنتاج، وزيادة المكون المعرفي والتكنولوجي في الصادرات.
الإنفاق على البحث والتطوير.. كيف تتحول المعرفة إلى منتجات قابلة للتسويق؟
يمثل الإنفاق على البحث والتطوير أحد الأسس الرئيسية لبناء القدرات الابتكارية، لكنه لا يعكس بمفرده كفاءة المنظومة أو حجم العائد الاقتصادي الذي تحققه.
ووفقًا لبيانات البنك الدولي المستندة إلى معهد اليونسكو للإحصاء، بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في مصر 1.02% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024، وهي أحدث سنة تتوافر عنها بيانات لهذا المؤشر بحسب القاعدة المشار إليها.
وتتجاوز أهمية هذا المؤشر حجم الموارد المخصصة للبحث العلمي إلى كيفية توجيهها، ومدى استدامة التمويل، وجودة المشروعات البحثية، وقدرة المؤسسات الأكاديمية على التعاون مع الشركات وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات صناعية وتجارية.
وفي هذا السياق، تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» أهمية تعزيز نقل المعرفة بين الجامعات ومؤسسات البحث والقطاع الخاص، بما يسمح بتحويل النتائج العلمية إلى منتجات وخدمات وحلول تكنولوجية قابلة للتطبيق والتوسع.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في القطاعات سريعة التطور، مثل البرمجيات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والتكنولوجيا الطبية والطاقة النظيفة، حيث تتوقف القدرة على المنافسة على توافر الكفاءات المتخصصة والتمويل طويل الأجل، إلى جانب وجود بيئة تنظيمية مرنة وشركات قادرة على الانتقال من مرحلة التجربة إلى الإنتاج التجاري.
ومن ثم، فإن تعظيم العائد الاقتصادي من البحث العلمي يتطلب بناء مسارات واضحة لنقل التكنولوجيا، وتشجيع الشراكات بين الباحثين والمصنعين، وتطوير آليات لتسويق الابتكارات وحماية حقوق الملكية الفكرية، بما يعزز فرص تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد.
التمويل ورأس المال المخاطر.. تحديات أمام توسع الشركات المبتكرة
لا تتوقف قدرة الشركات الناشئة على تحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة على جودة الابتكار وحدها، بل ترتبط أيضًا بقدرتها على الحصول على التمويل المناسب في مختلف مراحل النمو.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في تقريرها «تمويل المشروعات الصغيرة ورواد الأعمال 2026»، إلى أهمية مصادر التمويل البديلة، وعلى رأسها رأس المال المخاطر، في دعم الشركات المبتكرة التي تعتمد على أصول غير ملموسة يصعب استخدامها ضمانات تقليدية للحصول على القروض المصرفية، وتحتاج إلى فترات أطول لتحقيق عوائد مستقرة.
ويختلف رأس المال المخاطر عن التمويل المصرفي التقليدي؛ إذ يحصل المستثمر عادةً على حصة ملكية في الشركة مقابل ضخ الأموال، ويتحمل مخاطر الاستثمار في مقابل إمكانية تحقيق عائد عند نمو الشركة أو التخارج منها، بدلًا من الاعتماد على أقساط قرض دورية.
وفي هذا الإطار، جاءت مصر في المركز 88 عالميًا في مؤشر نشاط رأس المال الجريء، والمركز 101 في الائتمان المحلي المقدم للقطاع الخاص، وفقًا لنتائج مؤشر الابتكار العالمي 2026.
وتبرز هذه النتائج أهمية تنويع أدوات التمويل المتاحة أمام الشركات المبتكرة، لتشمل رأس المال المخاطر والمنح وبرامج تمويل البحث والتطوير، إلى جانب القروض التقليدية، مع مراعاة اختلاف احتياجات الشركات بحسب مراحل تطورها ومستويات المخاطر المرتبطة بأنشطتها.
كما يتطلب تعزيز الأثر الاقتصادي للاستثمار التكنولوجي توسيع الروابط بين الشركات الناشئة والموردين المحليين والعمالة الماهرة ومؤسسات البحث العلمي، بما يدعم نقل المعرفة، ويرفع القدرات الإنتاجية المحلية، ويزيد فرص بناء شركات قادرة على المنافسة والتوسع خارج السوق المصرية.
القاهرة على خريطة الابتكار العالمية.. فرصة لتعزيز الاستثمار التكنولوجي
تقدم القاهرة مؤشرًا إضافيًا على وجود قاعدة للأنشطة العلمية والتكنولوجية في مصر؛ إذ جاءت في المركز 86 عالميًا ضمن قائمة أفضل 100 تجمع للعلوم والتكنولوجيا لعام 2026، لتكون التجمع الوحيد من قارة إفريقيا المدرج في القائمة، بحسب نتائج تصنيف تجمعات الابتكار العالمية.
ويستند التصنيف إلى مؤشرات تشمل كثافة المخترعين ونشر الأبحاث العلمية ونشاط رأس المال المخاطر، بما يساعد على تحديد المناطق التي تتركز فيها الأنشطة البحثية والتكنولوجية.
ويعكس إدراج القاهرة في القائمة وجود نشاط معرفي وتكنولوجي قادر على الظهور في التصنيفات الدولية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلًا حول كيفية توسيع نطاق الاستفادة من هذه القدرات وتحويلها إلى فرص استثمارية وإنتاجية تتجاوز النطاق الجغرافي للتجمعات الابتكارية.
وتتطلب الاستفادة من هذه الميزة تعزيز الروابط بين مراكز البحث والشركات الصناعية والتكنولوجية، وتوسيع فرص التمويل أمام المشروعات الناشئة، وتطوير المهارات اللازمة للصناعات الحديثة، إلى جانب بناء منظومة أكثر فاعلية لتسويق نتائج الأبحاث وتطبيقها تجاريًا.
كما تبرز أهمية قياس نتائج الإنفاق البحثي من خلال مؤشرات عملية، مثل عدد المنتجات الجديدة، والتراخيص التكنولوجية، والشركات التي نجحت في التوسع، وفرص العمل المتخصصة، ومساهمة المنتجات ذات القيمة المضافة في الصادرات.
الشركات الناشئة وريادة الأعمال.. رافعة لتنويع الاقتصاد المصري
تكتسب منظومة ريادة الأعمال والشركات الناشئة أهمية متزايدة في دعم التنويع الاقتصادي، من خلال قدرتها على تحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للنمو، واستحداث نماذج أعمال جديدة، وفتح أسواق أمام المنتجات والخدمات الرقمية والتكنولوجية.
وبحسب تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تقدمت مصر خمسة مراكز في المؤشر العالمي لريادة الأعمال، لتصل إلى المرتبة 35 عالميًا من بين 53 دولة.
وعلى مستوى التمويل، تشير التقارير الصادرة عن مؤسستي «أفريكا ذا بيج ديل» و«انطلاق» لريادة الأعمال إلى أن الشركات الناشئة المصرية جذبت نحو 614 مليون دولار عبر صفقات الاستثمار الجريء، بما يمثل قرابة 20% من إجمالي التمويلات الموجهة للشركات الناشئة في القارة الإفريقية، وفقًا للبيانات الواردة في التقارير المشار إليها.
وتعكس هذه الأرقام أهمية السوق المصرية في منظومة ريادة الأعمال الإقليمية، كما تبرز الفرص المتاحة أمام الشركات المحلية للتوسع في أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا، خاصة في المجالات التي يمكن أن تقدم فيها حلولًا مبتكرة تلبي احتياجات الأسواق وتستفيد من المزايا التنافسية المحلية.
كذلك، يشير استحواذ قطاع المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال على نحو 45% من النشاط الاقتصادي في البلاد، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير، إلى أهمية هذا القطاع في دعم النشاط الاقتصادي وتوليد فرص العمل.
غير أن استمرار هذا الدور يتطلب تعزيز قدرة الشركات على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى النمو والتوسع، وتحسين فرص الوصول إلى التمويل، وتسهيل النفاذ إلى الأسواق، وربط المشروعات الناشئة بسلاسل الإمداد المحلية والإقليمية، بما يزيد فرص استدامتها وقدرتها على خلق قيمة مضافة.
من تحسن المؤشرات إلى زيادة الصادرات والقيمة المضافة
يمثل تقدم مصر في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026 تطورًا إيجابيًا في عدد من مكونات منظومة الابتكار، لكنه لا يكفي وحده للحكم على اكتمال التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
ويظل التحدي الرئيسي هو تحويل التحسن في المؤشرات إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس، تشمل زيادة إنتاجية الشركات، وارتفاع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، ونمو الصادرات ذات المحتوى التكنولوجي والمعرفي، وتوفير فرص عمل نوعية.
ويحتاج تحقيق ذلك إلى استمرار تطوير بيئة الأعمال، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في البحث والتطوير، وتحسين فرص التمويل أمام الشركات المبتكرة، وتوسيع التعاون بين الجامعات والصناعة، إلى جانب دعم نقل التكنولوجيا وتطوير المهارات المرتبطة باحتياجات الاقتصاد الحديث.
كما تبرز أهمية توجيه الاستثمارات إلى مشروعات قادرة على بناء قدرات إنتاجية محلية مستدامة، بدلًا من الاكتفاء بزيادة عدد الشركات الناشئة أو جذب التمويلات دون قياس أثرها على الاقتصاد الحقيقي.
وفي المحصلة، يمنح تقدم مصر في مؤشر الابتكار العالمي نقطة انطلاق لتحديد الأولويات وتعزيز نقاط القوة ومعالجة جوانب القصور. لكن القيمة الحقيقية لهذا التقدم ستتحدد بمدى انعكاسه على الإنتاج والتصدير والاستثمار والتوظيف، وقدرة الشركات المصرية على تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات تنافس في الأسواق المحلية والعالمية.
فالابتكار لا يصبح محركًا مستدامًا للنمو بمجرد تحسن الترتيب الدولي، وإنما عندما تتحول الأفكار والأبحاث والاستثمارات إلى إنتاج أكثر كفاءة، وصادرات أعلى قيمة، وشركات أكثر قدرة على النمو، واقتصاد يمتلك أدوات المنافسة في الأسواق العالمية.