صندوق النقد يحذر من انكماش اقتصاد الشرق الأوسط 1.3% في 2026.. والتعافي مرهون بانحسار الحرب


Thu 22 Oct 2026 | 11:09 AM
محمد سلامة

تواجه اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرحلة شديدة التعقيد في ظل تداعيات الحرب واضطرابات أسواق الطاقة والتجارة، وسط توقعات بانكماش اقتصادي خلال عام 2026، يعقبه تعافٍ قوي في العام التالي، لكنه يظل مرهونًا بانحسار الصراع واستعادة سلاسل الإمداد وحركة التجارة وإنتاج الطاقة لمستوياتها الطبيعية تدريجيًا.

وتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان بنسبة 1.3% في عام 2026، قبل أن يسجل نموًا بنحو 6.6% في عام 2027، وفق تقريره الإقليمي الصادر في أكتوبر 2026 تحت عنوان «التعامل مع عدم اليقين: تعزيز القدرة على الصمود في أوقات صعبة».

وتعكس هذه التوقعات حجم الضغوط التي خلفها الصراع على النشاط الاقتصادي، في ظل امتداد تداعياته إلى قطاعات الطاقة والشحن والسياحة والتجارة، فضلًا عن تأثيره في ثقة المستثمرين والمستهلكين.

وجاءت توقعات النمو لعام 2026 أقل بنحو 2.7 نقطة مئوية من تقديرات الصندوق الصادرة في أبريل الماضي، بما يعكس تراجع الآفاق الاقتصادية مع استمرار الصراع لفترة أطول مما كان متوقعًا. ورغم قوة التعافي المنتظر في 2027، حذّر الصندوق من أن تحسن معدلات النمو لا يعني بالضرورة تعويض الخسائر الاقتصادية واستعادة مستويات الإنتاج التي كانت متوقعة قبل الحرب على المدى المتوسط.

الاقتصادات المستوردة للنفط تواجه الصدمة بمرونة أكبر

أظهرت الاقتصادات المستوردة للنفط في المنطقة قدرة نسبية على امتصاص تداعيات الأزمة، مدعومة بقوة الطلب المحلي واستمرار تدفقات تحويلات العاملين في الخارج وعائدات السياحة، إلى جانب الأوضاع المالية المواتية والتدخلات الحكومية الرامية إلى الحد من انتقال ارتفاع أسعار السلع إلى المستهلكين.

وتشير توقعات الصندوق إلى تسارع النمو في هذه الاقتصادات خلال عامي 2026 و2027، بالتزامن مع التراجع التدريجي للضغوط التضخمية وانحسار التأثيرات الناجمة عن ارتفاع تكلفة الواردات مقارنة بالصادرات.

لكن هذه المرونة لا تعني أن الاقتصادات المستوردة للنفط بمنأى عن المخاطر، إذ قد يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والغذاء إلى زيادة الأعباء على الأسر والشركات، فيما قد تضطر الحكومات إلى توسيع نطاق الدعم الموجه للفئات الأكثر تضررًا، رغم محدودية الحيز المالي المتاح لدى عدد من الدول.

وفي المقابل، تواجه الدول المنتجة للنفط والمتضررة مباشرة من الصراع تحديات مرتبطة بتراجع الإنتاج والصادرات وتعطل حركة التجارة. ويعني ذلك أن التأثير الاقتصادي للأزمة لا يتوقف على اتجاهات أسعار النفط وحدها، بل يرتبط أيضًا بقدرة الدول على مواصلة الإنتاج والتصدير وتوفير التمويل اللازم واحتواء انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسواق المحلية.

تراجع فائض الحساب الجاري الخليجي إلى 1.3% في 2026

على صعيد المؤشرات الخارجية، توقع صندوق النقد الدولي تراجع فائض الحساب الجاري لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مقارنة بنحو 5% في عام 2025، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة على المراكز الخارجية لدول المنطقة.

وأشار الصندوق إلى اتجاه الأوضاع الخارجية نحو الضعف في معظم اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، وكذلك في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.

وتعكس هذه المؤشرات التأثير المركب لاضطرابات الطاقة والتجارة؛ فحتى مع ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، يمكن أن يؤدي تعطل الإنتاج والصادرات وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين إلى تراجع الإيرادات الخارجية وزيادة الضغوط على الحسابات الجارية.

وفي الوقت نفسه، توقع الصندوق ارتفاع التضخم في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان خلال عام 2026، مقابل استمرار تراجعه في القوقاز وآسيا الوسطى.

وأسهمت الإعانات الحكومية والقيود المفروضة على الأسعار وأنظمة أسعار الصرف الثابتة في الحد من انتقال ارتفاع تكاليف السلع إلى المستهلكين في بعض الاقتصادات، غير أن هذه الإجراءات فرضت أعباء إضافية على الموازنات العامة، ما يعزز الحاجة إلى الموازنة بين حماية القوة الشرائية والحفاظ على الاستدامة المالية.

القوقاز وآسيا الوسطى يحافظان على نمو يتجاوز 5%

على النقيض من الضغوط التي تواجه اقتصادات الشرق الأوسط الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع، أظهرت منطقة القوقاز وآسيا الوسطى قدرة نسبية على الصمود، بدعم من استمرار تدفقات التحويلات المالية وعدم تأثرها بصورة كبيرة بالتطورات الجيوسياسية حتى الآن.

وتوقع الصندوق نمو اقتصادات المنطقة بنسبة 5.2% في عام 2026 و5% في عام 2027، مع اتجاه معدلات النمو إلى مستويات أكثر استدامة واستمرار تراجع التضخم.

وجاءت التوقعات المعدلة بالزيادة مقارنة بتقديرات أبريل الماضي نتيجة تحسن الآفاق الاقتصادية لبعض الدول المستوردة للنفط، بما عوض جزئيًا تراجع التوقعات لعدد من الدول المصدرة له خلال عام 2026.

ومع ذلك، لا تزال المنطقة معرضة لمخاطر إضافية، أبرزها احتمال تجدد الاضطرابات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية وتشديد العقوبات، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على التجارة والمدفوعات العابرة للحدود والطلب الخارجي والتحويلات المالية.

كما قد يؤدي انخفاض أسعار النفط أو تباطؤ الطلب العالمي إلى زيادة الضغوط على الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على صادرات الطاقة.

اضطرابات الطاقة والتجارة تهدد مسار التعافي

حذّر صندوق النقد الدولي من أن المخاطر المحيطة بالتوقعات الاقتصادية لا تزال تميل بقوة إلى الجانب السلبي، في ظل حالة عدم اليقين الاستثنائية بشأن مسار الصراع وحجم تداعياته على الاقتصاد العالمي والإقليمي.

ويتمثل أحد أبرز المخاطر في استمرار تعطل إنتاج الطاقة أو طرق التجارة، بما قد يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، ويضعف النشاط الاقتصادي، ويزيد الضغوط التضخمية.

كذلك، قد يؤدي تشدد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكاليف الاقتراض وتراجع الطلب العالمي، وهو ما قد يفاقم الضغوط على الدول المصدرة للنفط إذا تزامن مع انخفاض الطلب الخارجي وأسعار الخام.

ولفت التقرير إلى أن إعادة تقييم الأسواق للمكاسب الإنتاجية المتوقعة من تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تسهم أيضًا في تشديد الأوضاع المالية، خصوصًا في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم وأوضاع المالية العامة.

وتبدو المخاطر أكبر بالنسبة إلى الدول منخفضة الدخل والهشة، بسبب ارتفاع اعتمادها على واردات الغذاء، وضخامة احتياجاتها التمويلية، وتراجع المساعدات الإنمائية الرسمية، وهي عوامل تحد من قدرتها على مواجهة صدمات اقتصادية جديدة.

الصندوق يدعو إلى دعم موجه وضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات

في مواجهة هذه التحديات، دعا صندوق النقد الدولي صناع السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار مع الحفاظ على استدامة المالية العامة، مؤكدًا أهمية استخدام السياسة النقدية بوصفها خط الدفاع الأول في حال تحقق مخاطر التضخم.

كما أوصى بتجنب التوسع المالي واسع النطاق في الدول التي تعاني محدودية الحيز المالي، محذرًا من أن زيادة الإنفاق والاقتراض دون استهداف واضح قد ترفع مستويات الدين من دون تحقيق تحسن مستدام في النشاط الاقتصادي.

وبدلًا من الإعانات الشاملة التي تستنزف الموارد العامة، شدد الصندوق على ضرورة توجيه الدعم بصورة مؤقتة إلى الأسر والشركات الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار وتكاليف التشغيل.

وأكد التقرير أهمية إعادة بناء الهوامش المالية والاحتياطيات، وتعزيز الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، إلى جانب تطبيق أطر مالية موثوقة تتيح للحكومات مساحة أكبر للتعامل مع الصدمات المستقبلية.

أما في القوقاز وآسيا الوسطى، فشدد الصندوق على أهمية الحفاظ على المكاسب المحققة في خفض التضخم وتعزيز استقلالية البنوك المركزية، بما يدعم استقرار توقعات الأسعار ويحد من تأثير صدمات العرض.

تنويع التجارة والذكاء الاصطناعي ركيزتان لتعزيز المرونة الاقتصادية

على المدى الطويل، يرى صندوق النقد الدولي أن تجاوز تداعيات الأزمة يتطلب أكثر من مجرد عودة النشاط الاقتصادي إلى مساره السابق، إذ يستلزم تسريع الإصلاحات الهيكلية ورفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل وتنويع مصادر الدخل والتجارة وتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

ويكتسب تنويع التجارة أهمية متزايدة في ظل اعتماد عدد من اقتصادات المنطقة على مجموعة محدودة من السلع والأسواق، فضلًا عن تعرض بعض مسارات النقل البحري لمخاطر التعطل والاضطرابات.

ومن شأن توسيع قاعدة الصادرات، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المنافسة، وتطوير الروابط التجارية الإقليمية أن يقلل اعتماد الاقتصادات على مصادر محدودة للإيرادات، ويزيد قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.

كما يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة لتعزيز الإنتاجية ودعم التنويع الاقتصادي وتحسين آفاق النمو على المدى المتوسط، شريطة اقتران الاستثمارات التكنولوجية بإصلاحات تعزز التنافسية وتدعم التحول الرقمي وتتيح الاستفادة من التقنيات الجديدة على نطاق أوسع.

تعافٍ مشروط واختبار لقدرة الاقتصادات على الصمود

تعكس توقعات صندوق النقد الدولي لعامي 2026 و2027 مسارًا اقتصاديًا يتسم بتباين واضح بين اقتصادات المنطقة، وفق درجة تعرضها للصراع، ومدى اعتمادها على إنتاج الطاقة وتصديرها، وقدرتها على تمويل احتياجاتها واحتواء الضغوط التضخمية.

وبينما يفتح النمو المتوقع في عام 2027 الباب أمام تعافٍ قوي، فإن تحققه يظل مرتبطًا بانحسار الحرب وعودة التجارة وإنتاج الطاقة إلى طبيعتهما تدريجيًا. كما أن استدامة هذا التعافي ستعتمد على قدرة الحكومات على الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وإعادة بناء الاحتياطيات، وتوجيه الموارد بكفاءة، وتنويع مصادر النمو.

وفي ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية والمالية العالمية، لا يقتصر التحدي أمام اقتصادات المنطقة على تجاوز الانكماش المتوقع، بل يمتد إلى تقليص الخسائر طويلة الأجل وبناء نماذج نمو أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.