شهد قطاعا الصناعة والاستثمار في مصر تحولات ملحوظة منذ عام 2014، امتدت من التوسع في إنشاء المناطق والمجمعات الصناعية وتطوير منظومة التراخيص وتخصيص الأراضي، إلى نمو الصادرات الصناعية وتوسيع أدوات جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وتعكس البيانات الحكومية اتساع القاعدة الإنتاجية وتزايد الاهتمام بالصناعات التحويلية باعتبارها أحد المسارات الرئيسية لزيادة القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
وتكشف مؤشرات السنوات الماضية عن تطور متزامن في البنية التحتية الصناعية، وتيسير إجراءات تأسيس المشروعات، وزيادة الاستثمارات الموجهة إلى الأنشطة الإنتاجية. غير أن قياس الأثر الاقتصادي لهذه التطورات لا يتوقف عند عدد المصانع والمناطق الصناعية أو حجم الاستثمارات المعلنة والمستهدفة، بل يمتد إلى معدلات التشغيل الفعلي، ونمو الإنتاجية، وقدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
الصادرات الصناعية ترتفع 73.8% خلال عقد
تمثل الصادرات أحد أبرز المؤشرات على تطور النشاط الصناعي في مصر خلال السنوات الماضية، إذ ارتفعت قيمة صادرات المنتجات الصناعية نصف المصنعة وتامة الصنع من 18.7 مليار دولار خلال العام المالي 2013/2014 إلى 32.5 مليار دولار في العام المالي 2023/2024، بزيادة قدرها 13.8 مليار دولار، تعادل نحو 73.8%، وفقًا لبيانات حكومية أوردها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
وامتد التحسن إلى أداء الصناعات التحويلية غير البترولية، التي ارتفع معدل نموها إلى 7.1% خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025، مقابل 1.2% خلال الفترة المقابلة من العام المالي 2013/2014. كما تقدم ترتيب مصر في مؤشر تنوع الصناعات المحلية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية إلى المركز 34 في عام 2024، مقارنة بالمركز 45 في عام 2021.
وعلى مستوى الصادرات السلعية، سجلت مصر نحو 45.3 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل 42.6 مليار دولار في 2023، بمعدل نمو بلغ 6.5%، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وارتفعت الصادرات غير البترولية إلى 39.9 مليار دولار، بزيادة نسبتها 14.4%، فيما استحوذت السلع تامة الصنع على 54.1% من إجمالي الصادرات، مقابل 23.2% للسلع نصف المصنعة.
وتبرز الملابس الجاهزة واللدائن والمنتجات المعدنية والموصلات الكهربائية ضمن القطاعات التي تدعم الصادرات المصرية. وخلال 2024، بلغت صادرات الملابس الجاهزة نحو 2.8 مليار دولار، وصادرات اللدائن ومصنوعاتها 2.3 مليار دولار، فيما سجلت صادرات الأسلاك والموصلات المعزولة للكهرباء نحو 1.4 مليار دولار.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفرص المتاحة أمام المنتج المحلي في الأسواق الخارجية، لكنها تضع في الوقت نفسه تعميق المكون المحلي ورفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا ضمن الأولويات اللازمة لتعظيم العائد من نمو الصادرات، والحد من الاعتماد على المكونات المستوردة في العملية الإنتاجية.
157 منطقة صناعية و16 مجمعًا جديدًا لتوسيع قاعدة الإنتاج
شهدت الخريطة الصناعية توسعًا جغرافيًا خلال الفترة من 2014 إلى 2026، مع زيادة عدد المناطق الصناعية إلى 157 منطقة، إلى جانب 25 منطقة تعمل بنظام المطور الصناعي، وفقًا لبيانات وزارة الصناعة المنشورة في أكتوبر 2026.
وشمل التوسع إنشاء 16 مجمعًا صناعيًا في 15 محافظة، بإجمالي 4808 وحدات صناعية، خُصص منها 3696 وحدة للمستثمرين. كما بلغت مساحة الأراضي الصناعية المطروحة 14.8 مليون متر مربع، إلى جانب 7.9 مليون متر مربع بنظام المطور الصناعي، ومساحة بلغت 2.3 مليون متر مربع استُخدمت في إنشاء المجمعات الصناعية.
وتوفر هذه البنية فرصًا لتوسيع النشاط الصناعي خارج مراكز الإنتاج التقليدية، من خلال إتاحة الأراضي والوحدات المجهزة بالقرب من المرافق وشبكات الطرق والخدمات، فضلًا عن إمكانية إقامة تجمعات إنتاجية تربط المصانع بالموردين ومقدمي الخدمات.
وتكتسب المجمعات الصناعية أهمية خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه تحديات تتعلق بتكلفة إنشاء المصانع وتجهيزها وتوفير المرافق. ومن شأن إتاحة وحدات صناعية مجهزة أن تساعد في تقليل بعض أعباء التأسيس، وتتيح للمشروعات توجيه موارد أكبر إلى المعدات والتشغيل والتسويق.
ومع ذلك، يظل الأثر الاقتصادي لهذا التوسع مرتبطًا بمدى انتقال الوحدات المخصصة إلى الإنتاج الفعلي، ومعدلات استغلال الطاقة الإنتاجية، وحجم المبيعات والصادرات وفرص العمل التي تولدها المشروعات المقامة داخل هذه المناطق.
التراخيص والتحول الرقمي.. تقليص خطوات تأسيس المصانع
لم يقتصر تطوير القطاع الصناعي على التوسع في الأراضي والمناطق الإنتاجية، بل امتد إلى الإجراءات التنظيمية المرتبطة بإنشاء المصانع وتشغيلها.
ووفقًا لحصاد الهيئة العامة للتنمية الصناعية للفترة من 2014 إلى 2026، أصدرت الهيئة نحو 71 ألف رخصة تشغيل للمنشآت الصناعية، و61.4 ألف سجل صناعي، إلى جانب 16597 رخصة بناء جديدة وتعديلية.
وتؤثر هذه الإجراءات بصورة مباشرة في رحلة المستثمر الصناعي، إذ يرتبط توقيت الحصول على التراخيص والأرض والمرافق بقدرة المشروع على تنفيذ خطته الاستثمارية والبدء في الإنتاج وفق الجدول الزمني المحدد. كما يسهم تنظيم الإجراءات في دعم دمج المنشآت ضمن المنظومة الرسمية، وتيسير حصولها على الخدمات التمويلية والفنية.
وفي أغسطس 2024، أطلقت وزارة الصناعة، بالتعاون مع شركة «إي فاينانس»، المرحلة الأولى من منصة مصر الصناعية الرقمية. وأتاحت المنصة 2612 قطعة أرض صناعية في 24 محافظة حتى ديسمبر 2024، وفقًا لبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
ويمثل التحول الرقمي في تخصيص الأراضي وتقديم الخدمات الصناعية أحد الأدوات المستخدمة لتحسين شفافية الإجراءات وتيسير وصول المستثمرين إلى المعلومات، بما يساعد على خفض الوقت اللازم لإنجاز المعاملات. وتظل كفاءة التطبيق الفعلي، وسرعة استكمال الإجراءات وتوفير المرافق، عوامل حاسمة في تحديد مدى انعكاس هذه الخطوات على تكلفة الاستثمار وقرارات التوسع.
الاستثمار الأجنبي.. قفزة في التدفقات وفرص لتعزيز الإنتاج
سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 46.6 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل 9.84 مليار دولار في 2023، مدفوعة بدرجة كبيرة بصفقة رأس الحكمة، وهو ما يستدعي التمييز بين التدفقات المرتبطة بالصفقات الاستثنائية والاستثمارات التي تتجه بصورة مستدامة إلى الأنشطة الإنتاجية.
وخلال السنة الميلادية 2025، بلغت التدفقات نحو 15.5 مليار دولار وفق بيانات قاعدة FDIstats، بينما ارتفع صافي التدفقات إلى 18 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 12.2 مليار دولار في العام المالي السابق، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.
وتوفر الاستثمارات الأجنبية فرصًا محتملة لزيادة الطاقة الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتطوير المهارات، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية. غير أن حجم التدفقات وحده لا يكفي لتحديد أثرها الصناعي، إذ تتوقف النتائج على طبيعة القطاعات المستقبلة للاستثمارات، ونسبة المكون المحلي، وحجم فرص العمل، ومدى ارتباط الشركات الجديدة بسلاسل التوريد المحلية.
وفي هذا السياق، حصلت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على موافقات نهائية لـ98 مشروعًا باستثمارات بلغت 2.89 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، مقابل 59 مشروعًا باستثمارات قدرها 1.99 مليار دولار في العام السابق. كما بلغت قيمة العقود الموقعة داخل المناطق الصناعية نحو 5.1 مليار دولار.
وتعكس هذه المؤشرات اهتمامًا بتوسيع النشاط الاستثماري في المناطق الصناعية والاقتصادية، إلا أن تقييم العائد الفعلي يتطلب متابعة المشروعات التي دخلت مرحلة التنفيذ والتشغيل، وحجم الإنتاج والصادرات التي تحققها، ومدى إسهامها في تطوير الموردين المحليين.
المناطق الاستثمارية.. 66.3 مليار جنيه و77.5 ألف فرصة عمل
تقدم المناطق الاستثمارية مؤشرًا إضافيًا على حجم النشاط الاقتصادي المرتبط بالمشروعات القائمة، إذ تضم مصر 12 منطقة استثمارية، تستوعب 1277 مشروعًا باستثمارات تبلغ 66.3 مليار جنيه، وتوفر نحو 77.5 ألف فرصة عمل، وفقًا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة حتى يونيو 2026.
وتتيح هذه المناطق تجميع المشروعات في نطاقات محددة، بما يساعد على الاستفادة من البنية الأساسية والخدمات المشتركة، ويعزز فرص التعاون بين الشركات وتطوير سلاسل الإمداد.
كما تمثل فرص العمل أحد المعايير المهمة لتقييم الأثر التنموي للاستثمار، إلى جانب حجم رؤوس الأموال والإنتاج والصادرات. وتزداد أهمية هذه المؤشرات عند تحليل مساهمة المشروعات في تنشيط الاقتصادات المحلية بالمحافظات التي تستضيفها، ومدى قدرتها على توفير وظائف مستدامة تتطلب مهارات فنية وإنتاجية متخصصة.
خطة 2025/2026 تستهدف 252.8 مليار جنيه للصناعات التحويلية
تظهر أولوية الصناعة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2025/2026، التي استهدفت توجيه استثمارات بقيمة 252.8 مليار جنيه إلى قطاع الصناعات التحويلية، بزيادة 154.1% مقارنة بالاستثمارات الفعلية البالغة 99.5 مليار جنيه في العام المالي 2023/2024.
ووفقًا لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، تستحوذ الاستثمارات الخاصة على نحو 83% من الاستثمارات المستهدفة للقطاع، مقابل 16.9% للاستثمارات العامة. كما تمثل الصناعات التحويلية غير البترولية نحو 65.6% من إجمالي الاستثمارات الصناعية المستهدفة، مقابل 34.4% للصناعات البترولية.
وتعكس هذه المستهدفات توجهًا نحو زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي، وتوسيع الصادرات، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي. كما تستهدف استراتيجية الصناعة المصرية الوصول إلى موقع متقدم في الصناعات متوسطة التكنولوجيا بحلول عام 2030، بما يدعم فرص التوسع في إنتاج المكونات والسلع الوسيطة التي تدخل في سلاسل الإنتاج المحلية والإقليمية.
لكن من المهم التمييز بين الاستثمارات المستهدفة في الخطط الحكومية والاستثمارات المنفذة بالفعل؛ إذ يتوقف تحقيق الأثر الاقتصادي المتوقع على معدلات التنفيذ، وتوافر التمويل والمرافق، وسرعة دخول المشروعات إلى التشغيل، وقدرتها على تحقيق عوائد إنتاجية وتجارية مستدامة.
المرحلة المقبلة.. من التوسع في البنية إلى تعميق التصنيع
تعكس المؤشرات خلال الفترة من 2014 إلى 2026 توسعًا في البنية الصناعية، وزيادة في عدد المناطق والمجمعات والوحدات المتاحة للمستثمرين، إلى جانب تطوير إجراءات التراخيص وتخصيص الأراضي، ونمو الصادرات وتغير حجم تدفقات الاستثمار.
ويتمثل التحدي الرئيسي في المرحلة المقبلة في تحويل هذه القاعدة إلى إنتاج محلي أعلى قيمة وأكثر قدرة على المنافسة، من خلال زيادة المكون المحلي، وتحديث المعدات، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير مهارات العمالة، وتعزيز التكامل بين المصانع الكبيرة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وتوفر قطاعات الصناعات الهندسية والغذائية والكيماوية ومكونات الطاقة المتجددة فرصًا لتوسيع الإنتاج ذي القيمة المضافة الأعلى، شريطة ارتباط التوسع الصناعي بالطلب الفعلي، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين الجودة، وفتح أسواق تصديرية جديدة.
في المحصلة، لا يُقاس تطور الخريطة الصناعية بعدد المناطق التي أُنشئت أو حجم الاستثمارات التي أُعلنت فحسب، بل بقدرة هذه الأصول على توليد إنتاج فعلي، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، ورفع الإنتاجية. وكلما اتسع الترابط بين البنية الصناعية والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل التوريد المحلية، زادت فرص تحول التوسع الكمي في القطاع إلى قيمة اقتصادية مضافة تدعم النمو وتنافسية الاقتصاد المصري.