عبد العزيز قنصوة: الثقافة مشروع وطني لبناء الإنسان وتعزيز الانتماء وصون الهوية المصرية


Mon 19 Oct 2026 | 08:50 PM
أسماء السيد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال مشاركته في «منتدى مصر 2026»: الهوية الوطنية ليست استدعاءً للماضي، بل قدرة مستمرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة.. و5.3 مليار جنيه لتطوير 176 موقعًا ثقافيًا منذ 2014

أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، القائم بأعمال وزير الثقافة، أن الثقافة تمثل أحد أهم أدوات بناء الإنسان والدولة، لما تؤديه من دور في تشكيل منظومة القيم، وتجديد الهوية الوطنية، وتوسيع مساحات الحوار، وتعزيز وعي المجتمع بقضاياه وتاريخه ومستقبله.

وأوضح قنصوة أن دور وزارة الثقافة يتجاوز إدارة المؤسسات الثقافية إلى قيادة مشروع وطني يعزز الانتماء، ويصون التنوع، ويفتح المجال أمام الإبداع والمعرفة، مشددًا على أن الثقافة ليست نشاطًا ترفيهيًا، وإنما استثمار طويل الأجل في بناء الإنسان وتطوير المجتمع.

جاء ذلك خلال مشاركة قنصوة في الجلسة الحوارية الموسعة بعنوان «الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية»، ضمن محور «بناء الإنسان» بفعاليات اليوم الأول من «منتدى مصر 2026»، الذي انطلقت فعالياته بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء.

وشارك في الجلسة الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، والكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، والدكتور محمد عبد الدايم، أمين عام مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، والأنبا ميخائيل، أسقف إيبارشية حلوان والمعصرة، والدكتور أحمد زايد، رئيس مكتبة الإسكندرية، والكاتبة سماح أبو بكر عزت، المتخصصة في أدب الطفل، والمخرج خالد جلال، عضو مجلس الشيوخ، ومريم سوليكا، مؤسسة ورئيسة تنفيذية لمنصة «The Good News»، والفنانة نسمة محجوب، وأدار الجلسة الكاتب الكبير محمد سلماوي.

الثقافة وترسيخ القيم وبناء الوعي

وأشار قنصوة إلى أن الثقافة تمثل البيئة التي تنتقل من خلالها القيم بين الأجيال، موضحًا أن تعزيز هذا الدور يتطلب دعم الإنتاج الأدبي والفني الذي يجسد قيم المسؤولية والتسامح واحترام القانون والعمل والتكافل، وتوسيع نطاق وصول الأنشطة الثقافية إلى القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يجعل الثقافة حقًا عامًا لا يقتصر على المدن الكبرى.

وأضاف أن إحياء التراث الشعبي يمثل أحد المسارات المهمة للحفاظ على العادات والقيم الإيجابية الداعمة للتماسك الاجتماعي، إلى جانب تمكين الأطفال والشباب من التعبير عن أنفسهم وممارسة الإبداع، بما يعزز الثقة بالنفس وروح المبادرة.

وأكد أن الثقافة تؤدي دورًا محوريًا في بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين المعرفة والمعلومات المضللة، مشيرًا إلى أهمية نشر القراءة والمعرفة من خلال المكتبات العامة والمنصات الرقمية، وإنتاج محتوى ثقافي مبسط يشرح القضايا الوطنية والعالمية بلغة تناسب مختلف الفئات.

ولفت إلى أهمية دعم المسرح والسينما والفنون باعتبارها وسائل فعالة لطرح القضايا المجتمعية ومناقشتها، مع توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لإيصال المحتوى الثقافي إلى الشباب عبر الوسائط التي يستخدمونها.

الهوية الوطنية بين الأصالة والمعاصرة

وشدد القائم بأعمال وزير الثقافة على أن الهوية الوطنية ليست مجرد استدعاء للماضي، بل قدرة مستمرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، موضحًا أن تحقيق ذلك يتطلب الحفاظ على التراث المادي وغير المادي وتقديمه للأجيال الجديدة بصياغات معاصرة، وإبراز التنوع الثقافي المصري باعتباره مصدرًا للقوة والوحدة.

كما أكد أهمية دعم الصناعات الثقافية والإبداعية التي تعكس الشخصية المصرية محليًا ودوليًا، وتعزيز حضور اللغة العربية مع الانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى.

وفيما يتعلق بالقوة الناعمة، أوضح قنصوة أنها من أهم أدوات تأثير الدول في محيطها الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى أهمية دعم السينما والموسيقى والمسرح والفنون البصرية للوصول إلى الجمهور العربي والدولي، وتعزيز التبادل الثقافي مع الدول والمؤسسات الدولية، وتوظيف المهرجانات والفعاليات الثقافية في إبراز صورة مصر الحضارية.

وأضاف أن دعم المبدعين يمثل استثمارًا في حضور الثقافة المصرية عالميًا، باعتبارهم سفراء لها في مختلف المحافل.

الحوار ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية

وأوضح قنصوة أن العمل الثقافي يسهم في تشكيل التصورات المشتركة التي تجمع أفراد المجتمع، من خلال تقديم رواية وطنية تستند إلى التاريخ والإنجازات والقيم المشتركة، وتشجيع الحوار وقبول الاختلاف واحترام التنوع.

وأشار إلى أهمية مواجهة الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية بالفكر والإبداع والمعرفة، وبناء ذاكرة ثقافية مشتركة تعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه الوطن.

وأكد أن تحقيق هذا التأثير بصورة مستدامة يتطلب الاعتماد على الإقناع وإتاحة المعرفة وتوسيع المشاركة الثقافية، وليس فرض الأفكار.

استراتيجية وطنية للثقافة مرتبطة برؤية مصر 2030

وفي إطار تعظيم أثر العمل الثقافي، استعرض قنصوة عددًا من الأولويات، من بينها تطوير استراتيجية وطنية للثقافة ترتبط برؤية مصر 2030، وتعزيز التكامل مع وزارات التعليم والتعليم العالي والشباب والأوقاف والإعلام.

كما تضمنت الأولويات تسريع التحول الرقمي للمؤسسات الثقافية وإتاحة المحتوى إلكترونيًا، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على توليد فرص العمل، إلى جانب وضع مؤشرات أداء تقيس مدى الوصول إلى المواطنين والأثر الثقافي المحقق، بدلًا من الاكتفاء بعدد الفعاليات المنفذة.

واختتم قنصوة بالتأكيد على أن نجاح وزارة الثقافة لا يقاس بعدد المسارح أو المعارض أو الكتب المنشورة فحسب، وإنما بقدرتها على بناء مواطن أكثر وعيًا وانتماءً، وأكثر قدرة على الإبداع والتفكير النقدي، مشددًا على أن الثقافة هي الاستثمار الأطول عمرًا في مستقبل الوطن؛ لأنها تبني الإنسان الذي يبني الدولة، وتحول الهوية من ميراث يُحفظ إلى طاقة حية تلهم التقدم وتوحد المجتمع حول قيمه المشتركة.

176 موقعًا ثقافيًا بتكلفة 5.3 مليار جنيه منذ 2014

واستعرضت الجلسة أبرز مؤشرات وإنجازات وزارة الثقافة خلال الفترة من 2014 إلى 2026، والتي شملت تطوير البنية التحتية الثقافية وتنفيذ برامج للأنشطة والمبادرات في مختلف المحافظات.

وفي مجال البنية التحتية، أنشأت الوزارة وطورت وأحلت وجددت ورفعت كفاءة 176 موقعًا ثقافيًا متنوعًا، بتكلفة إجمالية بلغت 5.3 مليار جنيه، شملت قصور وبيوت الثقافة والمسارح والمكتبات العامة والمتاحف الفنية والمعاهد الفنية المتخصصة.

وضمت المواقع التي تناولها العرض 52 قصر ثقافة، و19 مسرحًا، و14 مسرحًا متنقلًا، و20 متحفًا فنيًا، و41 مكتبة، إلى جانب 89 منفذ بيع «كشك كتابك» في قرى المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، و11 معهدًا ومدرسة بأكاديمية الفنون.

ومن أبرز المشروعات التي أشار إليها العرض: فرع أكاديمية الفنون بالإسكندرية، ومتحف الزعيم كمال عبد الناصر، ومتحف محمد محمود خليل وحرمه، والمبنى الجديد للمعهد العالي للسينما، ومبنى دار الكتب والوثائق القومية بالفسطاط، وإحلال وتجديد المسرح القومي، وقصر ثقافة الغردقة، ومسرح السامر بالعجوزة، وقصر ثقافة أبو سمبل، وقصر ثقافة دمنهور، وقصر ثقافة أبو المطامير، وقصر ثقافة قنا.

وأشار العرض إلى استمرار العمل لاستكمال 44 موقعًا ثقافيًا بتكلفة إجمالية تبلغ 6.5 مليار جنيه، من بينها واحة الثقافة بمدينة السادس من أكتوبر، وامتداد مركز الحرف بالفسطاط، وسيرك 15 مايو، وقصر ثقافة بني سويف الجديدة، وقصور ثقافة أسوان والفيوم ومطروح، ومتحف بيت الأمة، ومتحف سراي الجزيرة، ومسرح مصر بوسط البلد، ومسرح المنصورة.

برامج ثقافية تصل إلى ملايين المواطنين

وعلى مستوى الأنشطة والبرامج، قدمت هيئات الوزارة وقطاعاتها التابعة مجموعة متنوعة من الفعاليات التي تستهدف تعزيز القيم الإيجابية، وتنمية المواهب، وحماية التراث، وتوسيع نطاق العدالة الثقافية.

وجاءت أبرز المؤشرات التي استعرضها العرض على النحو التالي:

برنامج تعزيز القيم الإيجابية: تنفيذ أكثر من 169 ألف نشاط، استفاد منها أكثر من 16 مليون مواطن.

برنامج مكافحة التطرف الفكري: تنظيم 4,649 فعالية، استفاد منها أكثر من 707 آلاف مواطن.

برنامج تنمية الموهوبين والنابغين: تقديم أكثر من 320 ألف فعالية، تنوعت بين الورش والدورات التدريبية والأنشطة، واستفاد منها نحو 6.4 مليون فرد.

برنامج تطوير المؤسسات الثقافية: تنفيذ أكثر من 14 ألف ورشة تدريبية لرفع كفاءة العاملين، وتقديم أكثر من 84 ألف خدمة مميكنة ورقمية شملت النشر والحجز والبيع الإلكتروني، استفاد منها أكثر من 53 ألف مواطن.

برنامج تحقيق الريادة الثقافية «قوة مصر الناعمة»: إقامة 645 مهرجانًا دوليًا و8,208 فعاليات لتعزيز الانفتاح على الثقافات المختلفة، إلى جانب تنفيذ 393 نشاطًا في الفنون التشكيلية، شملت المعارض والبيناليات والملتقيات والمسابقات الدولية، واستفاد منها بالحضور أو المتابعة عبر الإنترنت أكثر من 183 مليون مواطن.

برنامج حماية وتعزيز التراث الثقافي: ترميم 1,552,148 مقتنى تراثيًا، وتقديم أكثر من 19 ألف عرض للفرق التراثية، وتنظيم 4,604 فعاليات مرتبطة بصناعة الحرف التراثية، استفاد منها أكثر من 1.7 مليون مواطن.

برنامج الصناعات الثقافية: إصدار أكثر من 10 آلاف إصدار في مجال الكتب والنشر العام، وتقديم أكثر من 9 آلاف عرض مسرحي وحفل فني، استفاد منها أكثر من 711 ألف مواطن، إلى جانب تنظيم 6,918 ورشة ودورة تدريبية في مجال صناعة الحرف التراثية.

برنامج العدالة الثقافية: تنفيذ 118,426 فعالية متنوعة شملت مهرجانات المحافظات والقوافل الثقافية وأنشطة المحافظات الحدودية، استفاد منها أكثر من 502 ألف مواطن.

تحديات منظومة القيم في المجتمع

وتضمنت الجلسة مناقشة عدد من التحديات المرتبطة بالفجوة بين القيم والسلوك المجتمعي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي والتصورات، فضلًا عن دور مؤسسات الدولة الثقافية والتعليمية والدينية، بالتعاون مع الأسرة، في ترسيخ منظومة القيم الوطنية والإنسانية.

وأكدت المناقشات أهمية تكامل الجهود بين مختلف المؤسسات المعنية ببناء الإنسان، وتعزيز دور الثقافة في دعم الحوار المجتمعي، ونشر المعرفة، وترسيخ الانتماء، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا.