في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، بين تداعيات الصراعات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء وتسارع التحولات التكنولوجية، تتباين الرؤى بشأن آفاق النمو والاستقرار المالي. ففي حين يحذر صندوق النقد الدولي من مخاطر قد تهدد استدامة النمو وتفاقم الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، تراهن وزارة الخزانة الأمريكية على قوة الاقتصاد الأمريكي والابتكار التكنولوجي ووفرة الطاقة باعتبارها محركات محتملة لمرحلة جديدة من الاستثمار ورفع الإنتاجية.
ويأتي هذا التباين في وقت تتزايد فيه التقلبات بأسواق المال، وتتنامى المخاوف بشأن استدامة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع مستويات الدين وتزايد الاحتياجات التمويلية للدول منخفضة الدخل.
صندوق النقد يرفع توقعات النمو العالمي إلى 3.1% ويحذر من المخاطر
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.1% خلال عام 2026، مع الإبقاء على تقديرات النمو دون متوسطه التاريخي، محذرًا من مجموعة من المخاطر التي قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال الفترة المقبلة.
وتشمل أبرز هذه المخاطر احتمالات تراجع طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتصاعد أعباء الديون، واستمرار الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واضطرابات التجارة العالمية.
ودعت كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، قادة العالم إلى تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه التحديات، مؤكدة أن التغيرات المتسارعة في المشهد الاقتصادي والتكنولوجي تتطلب سياسات أكثر قدرة على احتواء المخاطر والحد من تداعياتها.
وحذرت جورجييفا من أن التحولات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع النزاعات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف المعيشة، قد تؤدي إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بين الدول المتقدمة والاقتصادات النامية، خصوصًا في ظل تفاوت قدرات الدول على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وتمويل الاستثمارات اللازمة للتحول الرقمي.
وفي مؤشر على الضغوط التي تواجه الأسواق المالية، أشارت المناقشات إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية الأمريكية والألمانية واليابانية لأجل 10 سنوات إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود، بما يعكس تنامي التحديات المرتبطة بتكلفة التمويل واستدامة الدين.
واشنطن: الابتكار والذكاء الاصطناعي يدعمان آفاق النمو
في المقابل، دافعت وزارة الخزانة الأمريكية عن أداء الاقتصاد العالمي، داعية إلى تبني رؤية أكثر توازنًا تأخذ في الاعتبار الفرص التي قد يوفرها الابتكار التكنولوجي الأمريكي والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ووفرة مصادر الطاقة.
وأكدت إيرين براون، وكيلة وزارة الخزانة الأمريكية، أهمية عدم الاقتصار على تقييم المخاطر المحتملة، مع إيلاء اهتمام مماثل للفرص التي يمكن أن تسهم في تعزيز الاستثمار ورفع الإنتاجية وتحسين معدلات النمو.
واعتبرت أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود في مواجهة التحديات، مشيرة إلى أن السياسات الأمريكية المتعلقة بالضرائب والتجارة والطاقة وتخفيف القيود التنظيمية تستهدف تهيئة بيئة أكثر دعمًا للاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وترى واشنطن أن الجمع بين الابتكار التكنولوجي وتوافر الطاقة والإصلاحات الاقتصادية قد يفتح المجال أمام دورة جديدة من النمو، مدفوعة بتحسين كفاءة الإنتاج وتوسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
لكن هذه الرؤية تتقاطع مع تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الإنفاق، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على تقييمات الشركات وأسواق الأسهم والاستقرار المالي.
تقلبات الأسواق الآسيوية تعكس تصاعد المخاوف
على صعيد الأسواق المالية، تصاعدت التقلبات في عدد من الاقتصادات الآسيوية الناشئة، وسط تنامي المخاوف بشأن استدامة طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها المحتملة على تقييمات الأصول.
وسجلت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر خسارة أسبوعية لها منذ 18 عامًا، فيما تراجع السوق الياباني بنسبة 5.4% خلال الأسبوع. كما هبطت الأسهم الإندونيسية بنسبة 11.6% يوم الجمعة، عقب تعديل شركة «إم إس سي آي» تصنيف السوق.
وتسلط هذه التحركات الضوء على حساسية الأسواق الناشئة للتغيرات في شهية المستثمرين للمخاطرة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد حالة عدم اليقين بشأن اتجاهات الاقتصاد العالمي.
كما تعيد هذه التقلبات طرح التساؤلات حول مدى قدرة الأسواق على استيعاب التقييمات المرتفعة للشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت التدفقات الاستثمارية الحالية تستند إلى توقعات واقعية بشأن الأرباح والإنتاجية المستقبلية.
ارتفاع احتياجات التمويل يضغط على الدول منخفضة الدخل
بالتوازي مع تحديات النمو والأسواق، تتزايد احتياجات الدول منخفضة الدخل إلى التمويل الميسر، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد أعباء الدين.
وأفاد مسؤولون بارتفاع الطلب على برامج المنح والقروض، فيما أوضح كريستيان مومسن، رئيس الاستراتيجية في صندوق النقد الدولي، أن الإقراض منخفض الفائدة الموجه إلى الدول منخفضة الدخل تضاعف أربع مرات منذ جائحة كورونا، وأن هذه الدول تحصل على نحو 60% من تمويل الصندوق، وفق التصريحات الواردة في التقرير.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التمويلية التي تواجه الاقتصادات الأكثر هشاشة، في وقت تتقلص فيه قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية أو زيادة الإنفاق اللازم لدعم النمو وتحسين مستويات المعيشة.
كما يثير التفاوت في القدرة على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا مخاوف من أن تستفيد الاقتصادات المتقدمة بصورة أكبر من موجة الذكاء الاصطناعي، بينما تواجه الدول النامية صعوبات في مواكبة التحول التكنولوجي وتحمل تكاليفه.
الذكاء الاصطناعي بين فرص الإنتاجية ومخاطر الاستقرار المالي
تضع التطورات الحالية الاقتصاد العالمي أمام معادلة معقدة؛ فمن ناحية، يحمل الذكاء الاصطناعي فرصًا لتعزيز الإنتاجية وخفض تكاليف التشغيل وتحفيز الابتكار، ومن ناحية أخرى، تثير الاستثمارات الضخمة المرتبطة به مخاوف بشأن المبالغة في التقييمات واحتمالات تراجع العوائد إذا لم تتحقق التوقعات المتفائلة.
وتزداد هذه المخاطر تعقيدًا مع استمرار الصراعات الجيوسياسية وتقلب أسعار الطاقة والغذاء، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد مستويات الدين في عدد من الاقتصادات.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز أهمية السياسات الاقتصادية القادرة على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار واحتواء المخاطر المالية، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي وتوفير التمويل اللازم للدول الأكثر تأثرًا بالصدمات.
وبين تحذيرات صندوق النقد الدولي وتفاؤل واشنطن بقدرة الاقتصاد الأمريكي على دفع النمو، تبقى قدرة الاقتصاد العالمي على تحويل الطفرة التكنولوجية إلى مكاسب إنتاجية مستدامة، مع احتواء المخاطر الجيوسياسية والمالية، أحد أبرز العوامل المحددة لمسار النمو خلال المرحلة المقبلة.