تتحرك صناعة السيارات في مصر نحو مرحلة جديدة تتجاوز تجميع المركبات لتأسيس قاعدة إنتاج متكاملة تستهدف السوق المحلية والأسواق الأفريقية، مدفوعة بنمو قوي في الإنتاج وزيادة الاستثمارات وتوسع خطط التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.
وسجلت صناعة المركبات ذات المحركات نموًا بنحو 50% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، بالتزامن مع نمو الصناعة التحويلية غير البترولية بنسبة 14.5%، فيما ارتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر إلى 5.3% خلال الربع الأول، مقابل 3.5% خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
ولا تعكس هذه القفزة تغيرات سعرية فحسب، وإنما ترتبط بزيادة فعلية في حجم الإنتاج، بينما ساهمت الصناعة التحويلية غير البترولية بنحو 1.83 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة نفسها.
السيارات تقود موجة أوسع من النشاط الصناعي
يمتد أثر نمو صناعة السيارات إلى مجموعة واسعة من الصناعات والأنشطة المرتبطة بها، بدءًا من الصلب والزجاج والمطاط والدهانات والمنتجات الكيميائية، وصولًا إلى الإلكترونيات ومكونات السيارات وخدمات النقل واللوجستيات.
وبالتالي، فإن زيادة الإنتاج لا تعني فقط ارتفاع عدد المركبات الخارجة من خطوط التجميع، وإنما تفتح المجال أمام زيادة الطلب على منتجات الصناعات المغذية، بما يرفع القيمة المضافة المحلية كلما توسعت الطاقة الإنتاجية وارتفعت نسب المكون المحلي.
المكون المحلي في قلب استراتيجية النمو
ويأتي تعميق التصنيع المحلي في صدارة أهداف البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات، الذي يستهدف رفع القيمة المضافة المحلية إلى 60%، وزيادة المكون الصناعي المحلي في تصنيع المركبات إلى أكثر من 35%، والوصول بالإنتاج السنوي إلى 100 ألف سيارة، إلى جانب زيادة الصادرات وتقليص فاتورة استيراد السيارات ومكوناتها.
وترتبط الحوافز الممنوحة في إطار البرنامج بمؤشرات أداء، تشمل نسبة المكون المحلي وحجم الإنتاج والصادرات، بما يستهدف تشجيع الشركات على توسيع التصنيع المحلي وتطوير شبكة الصناعات المغذية وسلاسل التوريد.
وتبرز تجارب قائمة بالفعل إمكانية زيادة القيمة المضافة المحلية، إذ تمتلك شركة مرسيدس-بنز إيجيبت مصنعًا في مدينة السادس من أكتوبر بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 5 آلاف سيارة سنويًا، فيما تصل نسبة المكون المحلي إلى نحو 45%.
وتبحث الشركة فرص زيادة الإنتاج وإمكانية تصدير السيارات المصنعة محليًا إلى الأسواق المجاورة، بالتوازي مع توجه وزارة الصناعة نحو زيادة القيمة المضافة وتوسيع شبكة الموردين المحليين.
الصناعات المغذية.. الحلقة الأهم
يمثل نمو الصناعات المغذية أحد المحددات الرئيسية لقدرة صناعة السيارات المصرية على الانتقال من التجميع إلى التصنيع المتكامل.
فارتفاع نسبة المكون المحلي يخلق طلبًا أكبر على المصانع المنتجة للأجزاء والمكونات، كما يتيح للشركات الصغيرة والمتوسطة فرصًا أكبر للاندماج في سلاسل التوريد، بما يوسع قاعدة المستفيدين من نمو القطاع.
ومع اتساع هذه المنظومة، يتحول الاستثمار في صناعة السيارات من نشاط يتركز في إنتاج المركبات إلى شبكة صناعية أوسع تشمل الموردين والمصانع والخدمات اللوجستية والقطاعات المرتبطة بالإنتاج.
استثمارات القطاع الخاص تعزز الطاقة الإنتاجية
وتأتي زيادة الاستثمارات الخاصة لتدعم هذا المسار، إذ ارتفعت الاستثمارات الخاصة بنسبة 25.9% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، لتستحوذ على نحو 66% من إجمالي الاستثمارات المنفذة، فيما أسهم الاستثمار والمخزون بنحو 2.45 نقطة مئوية في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
وفي قطاع السيارات، تمتلك شركة جي بي أوتو استثمارات تتجاوز 10 مليارات جنيه، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى نحو 110 آلاف سيارة.
وتعمل المجموعة على زيادة الطاقة الإنتاجية وتعميق التصنيع المحلي وتوسيع القدرات التصديرية، في مؤشر على وجود قاعدة إنتاجية يمكن البناء عليها ضمن خطط الدولة لزيادة الإنتاج وتوسيع قاعدة الصناعات المغذية.
سيارات الطاقة الجديدة تدخل خريطة التصنيع المحلي
ولا تقتصر الاستثمارات الجديدة على السيارات التقليدية، إذ تتجه خطط التصنيع المحلي أيضًا نحو المركبات ذات تقنيات الطاقة الجديدة.
وفي يونيو 2026، تم توقيع اتفاق بين مجموعة عز العرب السويدي للاستثمار الصناعي وشركة ROX Motor لتأسيس شركة «روكس مصر» وبدء تصنيع سيارات ROX REEV محليًا داخل مصانع عز العرب السويدي.
ويستهدف المشروع، وفق وزارة الصناعة، زيادة المكون المحلي والقيمة المضافة إلى جانب نقل التكنولوجيا، مع خطة لبدء التصنيع خلال الربع الثاني أو الثالث من 2027، ورفع الطاقة الإنتاجية تدريجيًا إلى نحو 10 آلاف سيارة سنويًا خلال السنوات الثلاث الأولى.
التصدير.. الاختبار الحقيقي لنمو الصناعة
ومع تراكم الاستثمارات وزيادة القدرات الإنتاجية، تتجه صناعة السيارات المصرية إلى تجاوز هدف تلبية الطلب المحلي، نحو بناء قاعدة إنتاج قادرة على خدمة الأسواق الخارجية، وفي مقدمتها الأسواق الأفريقية.
وتستهدف استراتيجية الدولة الانتقال من نموذج تجميع السيارات إلى صناعة أكثر تكاملًا، تقوم على تصنيع المكونات وتعميق التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، مع بناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية الطلب المحلي وتعزيز الصادرات.
كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية لتنمية صناعة السيارات ترسيخ موقع مصر كبوابة رئيسية إلى سوق السيارات الأفريقية، من خلال جذب استثمارات جديدة وتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية مع الشركاء الإقليميين.
وتوفر شبكة الاتفاقيات التجارية التي ترتبط بها مصر فرصة لتوسيع نطاق النفاذ إلى الأسواق الخارجية، إذ تتيح هذه الاتفاقيات الوصول إلى أسواق تضم أكثر من 1.5 مليار مستهلك.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى صادرات فعلية يظل مرتبطًا بقدرة السيارات والمكونات المنتجة محليًا على المنافسة من حيث السعر والجودة والمواصفات.
ومن هنا تكتسب زيادة المكون المحلي أهمية خاصة، ليس فقط لتقليل الاعتماد على الواردات، وإنما أيضًا لخفض تكلفة الإنتاج وتعزيز قدرة الشركات المصرية على الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
500 ألف سيارة سنويًا بحلول 2030
وتضع الاستراتيجية الاقتصادية للدولة هدفًا طموحًا لصناعة السيارات يتمثل في الوصول إلى إنتاج 500 ألف سيارة سنويًا بحلول 2030، مع استهداف تصدير ربع الإنتاج وتحقيق عائد سنوي يصل إلى 4 مليارات دولار من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لصناعة السيارات، وفق وثيقة «أبرز التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري للفترة الرئاسية الجديدة 2024-2030» المنشورة عبر هيئة الاستعلامات.
وبالتوازي، تستهدف الاستراتيجية الاقتصادية رفع نسبة المكون المحلي في الصناعات التحويلية بوجه عام إلى مستويات تتراوح بين 60% و80% بحلول 2030، مع زيادة مساهمة الصناعة في الاقتصاد وتعزيز قدرتها التصديرية.
وتأتي صناعة السيارات ضمن هذه الرؤية الأوسع، باعتبارها صناعة ذات روابط أمامية وخلفية واسعة، يمكن أن تدعم نمو قطاعات الصلب والزجاج والكيماويات والإلكترونيات والمطاط والخدمات اللوجستية وغيرها.
ما بعد نمو الـ50%.. التحدي الأكبر
وتضع قفزة إنتاج المركبات بنحو 50% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026 صناعة السيارات المصرية أمام مرحلة أكثر أهمية: تحويل نمو الإنتاج إلى منظومة صناعية متكاملة وقابلة للتصدير.
فالاختبار لا يرتبط فقط بعدد السيارات التي تخرج من خطوط الإنتاج، وإنما بقدرة القطاع على زيادة المكون المحلي، وتوسيع قاعدة الموردين، وجذب استثمارات جديدة، ونقل التكنولوجيا، ورفع القيمة المضافة.
وفي حال توسعت هذه المنظومة بالتوازي مع نمو الطاقة الإنتاجية، يمكن أن تتحول الزيادة في إنتاج السيارات من مجرد نمو في النشاط الصناعي إلى قاعدة أوسع لدعم الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات وزيادة مشاركة مصر في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، خصوصًا في الأسواق الأفريقية.