تشهد صناعة السيارات في جنوب أفريقيا تحولًا لافتًا في خريطة الإنتاج والاستيراد، مع تراجع اعتماد بعض الشركات العالمية على التصنيع المحلي، مقابل صعود العلامات الصينية وتزايد أهمية الهند كمركز إقليمي لتوريد السيارات إلى الأسواق الأفريقية.
وفي أحدث مؤشرات هذا التحول، أطلقت شركة «نيسان» اليابانية طرازًا جديدًا مصنوعًا في الهند داخل السوق الجنوب أفريقية، بينما يستعد مصنعها السابق في بريتوريا للعودة إلى الإنتاج تحت إدارة شركة «شيري» الصينية.
«نيسان» تنقل بوابة أفريقيا إلى الهند
طرحت «نيسان» سيارة «تيكتون» الرياضية متعددة الاستخدامات في جنوب أفريقيا، لتصبح البلاد أول سوق أفريقية تستقبل الطراز، ومن أوائل الأسواق عالميًا التي تحصل عليه.
وتبدأ أسعار السيارة من 339,999 راند، بما يعادل نحو 20,940 دولارًا، فيما يصل سعر الفئة الأعلى إلى 529,999 راند، أو نحو 32,640 دولارًا، مع ضمان يمتد إلى 6 سنوات أو 150 ألف كيلومتر.
وتضم مجموعة «تيكتون» خمس فئات، في خطوة تعكس رهان الشركة اليابانية على سوق جنوب أفريقيا، رغم التحول من التصنيع المحلي إلى الاعتماد على الإنتاج الخارجي.
ويأتي إطلاق الطراز الجديد بعد أكثر من خمسة عقود من تصنيع «نيسان» سياراتها في جنوب أفريقيا، بعدما باعت الشركة مصنعها السابق في روسلين إلى «شيري» الصينية، لتصبح الهند إحدى قواعد الإنتاج الرئيسية التي تعتمد عليها «نيسان» لتلبية احتياجات السوق الجنوب أفريقية.
وقال جوردى فيلا، رئيس «نيسان أفريقيا»، إن وقف التصنيع في جنوب أفريقيا أتاح للشركة الاستفادة بصورة أكبر من الطاقات الإنتاجية المتاحة في مصانع أخرى، بما يدعم قدرتها على المنافسة وتقديم طرازات أكثر ملاءمة للسوق.
ولا تتوقف استراتيجية «نيسان» عند «تيكتون»، إذ طرحت الشركة أيضًا نسخة جديدة من «إكس-تريل» في جنوب أفريقيا، فيما تستعد لإطلاق نسخة مطورة من شاحنة «نافارا»، إلى جانب الجيل الثامن من «باترول» خلال السنة المالية الحالية، مع توقع طرح مزيد من الطرازات اعتبارًا من العام المقبل.
مصنع «نيسان» السابق يتحول إلى قاعدة صينية
في الاتجاه المقابل، يستعد مصنع روسلين في بريتوريا لبدء فصل جديد تحت إدارة «شيري» الصينية، التي تولت رسميًا السيطرة على المنشأة في يوليو الماضي.
وتخطط «شيري» لتحويل المصنع إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير والبحث والعمليات المرتبطة بأعمالها في أفريقيا، على أن يبدأ الإنتاج بحلول منتصف عام 2027.
ومن المقرر أن تشمل المرحلة الأولى تصنيع سيارات رياضية متعددة الاستخدامات، من بينها Jetour T1 وJaecoo J5 وChery Tiggo 4.
واحتفظت «شيري» بالموظفين البالغ عددهم 692 موظفًا في المصنع، فيما تتوقع الشركة أن يؤدي استثمارها إلى توفير نحو 3 آلاف وظيفة مباشرة وغير مباشرة عبر التصنيع وسلاسل الإمداد والخدمات المرتبطة بها.
وتستهدف الشركة إنتاج نحو 15 ألف سيارة خلال المرحلة الأولية من التوسع، على أن تتجاوز مبيعاتها السنوية 100 ألف سيارة في جنوب أفريقيا على المدى الأطول، بالتوازي مع رفع نسبة المكونات المحلية إلى 40%.
العلامات الصينية ترفع حصتها في جنوب أفريقيا
وتأتي تحركات «نيسان» و«شيري» في سوق تشهد تغيرًا واضحًا في تركيبة المنافسة، مع التوسع السريع للعلامات الصينية.
ووفق بيانات الرابطة الصناعية «ناامسا»، ارتفعت حصة العلامات الصينية من سوق سيارات الركوب في جنوب أفريقيا من 11.2% في 2024 إلى 16.8% في 2025.
كما ارتفع عدد العلامات الصينية الموجودة في السوق من نحو 8 علامات إلى قرابة 15 علامة، مدفوعًا بشكل خاص بالإقبال على السيارات الرياضية متعددة الاستخدامات، التي تجمع بين الأسعار التنافسية والضمانات الممتدة ومستويات أعلى من التجهيزات والتكنولوجيا.
وفي أبريل 2026، باعت «شيري» 2,462 سيارة في جنوب أفريقيا خلال شهر واحد، مقارنة بـ875 سيارة لـ«نيسان»، بينما سجلت «جيتور»، التابعة لـ«شيري»، مبيعات بلغت 1,804 سيارات خلال الشهر نفسه.
الهند تتقدم كمصدر رئيسي للسيارات
ولا يقتصر التحول في صناعة السيارات بجنوب أفريقيا على هوية الشركات والعلامات التجارية، بل يمتد إلى إعادة توزيع خريطة الإنتاج ومصادر الواردات.
وخلال عام 2025، استحوذت الهند على 56.2% من واردات السيارات الخفيفة إلى جنوب أفريقيا، مقابل 23.3% للصين، ما يعكس الدور المتزايد للهند كمركز لإمداد السوق الجنوب أفريقية بالسيارات.
وبذلك، تتخذ «نيسان» من قاعدة إنتاج هندية منصة للوصول إلى المستهلكين في جنوب أفريقيا، في حين تستفيد «شيري» من منشأة إنتاج محلية كانت مملوكة لـ«نيسان» لبناء قاعدة تصنيع وتصدير إقليمية.
جنوب أفريقيا في قلب إعادة تشكيل الصناعة
وتكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في صناعة السيارات الأفريقية، إذ لم تعد المنافسة تدور فقط حول العلامة التجارية أو حجم المبيعات، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بموقع الإنتاج وسلاسل الإمداد وتكلفة التصنيع والقدرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
وبينما تعزز الهند موقعها كمصدر للسيارات إلى أفريقيا، تعمل الشركات الصينية على توسيع حضورها من خلال الجمع بين الاستيراد والتصنيع المحلي.
وفي المقابل، تعيد الشركات العالمية مثل «نيسان» ترتيب شبكات إنتاجها، مستفيدة من قواعد تصنيع خارجية للحفاظ على حضورها في الأسواق الأفريقية.
وهكذا، تتحول جنوب أفريقيا إلى نقطة التقاء لشبكات إنتاج تمتد بين الهند والصين واليابان وأفريقيا، في وقت تتجه فيه صناعة السيارات بالقارة نحو نموذج أكثر اعتمادًا على تنويع مصادر الإنتاج وتوطين جزء من سلاسل الإمداد.