تتحرك مصر نحو إعادة تشكيل خريطة نقل البضائع عبر منظومة لوجستية متكاملة تربط الموانئ البحرية بالمناطق الصناعية والموانئ الجافة والمراكز اللوجستية، مستفيدة من توسع شبكة السكك الحديدية وتكاملها تدريجيًا مع الطرق والقطار الكهربائي السريع.
وتتصدر 5 ممرات لوجستية هذا التحول، تمتد من الإسكندرية والسخنة إلى سيناء والدلتا والساحل الشمالي الغربي، في إطار توجه يستهدف تقليص حلقات نقل البضائع، وخفض زمن وتكلفة التداول، وربط مناطق الإنتاج مباشرة بمنافذ التجارة والأسواق.
وتأتي هذه المشروعات في وقت تتزايد فيه أهمية قطاع النقل باعتباره أحد المكونات الرئيسية لتكلفة الإنتاج وقدرة المنتجات المصرية على المنافسة، إذ تمثل خدمات النقل حلقة أساسية في سلاسل الإمداد، تربط مراكز الإنتاج بمنافذ الاستيراد والتصدير والمناطق اللوجستية والأسواق.
11 مليون طن مستهدف لنقل البضائع بالسكك الحديدية
تستهدف خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2025/2026 رفع الطاقة المستهدفة لنقل البضائع عبر السكك الحديدية إلى 11 مليون طن سنويًا، بالتوازي مع تطوير الموانئ وشبكات النقل متعدد الوسائط.
وتتزامن هذه المستهدفات مع توسع الدولة في البنية التحتية للموانئ والمراكز اللوجستية، إذ يتضمن المخطط إنشاء وتطوير 32 ميناءً جافًا ومركزًا لوجستيًا على مستوى الجمهورية، لتوفير نقاط متكاملة لاستقبال وتخزين وتداول البضائع قبل انتقالها إلى الموانئ البحرية أو الأسواق ومناطق الإنتاج.
كما تستهدف خطط قطاع النقل رفع طاقة تداول الموانئ البحرية إلى نحو 292 مليون طن، إلى جانب تنفيذ نحو 70 كيلومترًا من الأرصفة البحرية.
وتشير البيانات الواردة في خطة التنمية إلى نمو قطاع النقل بنسبة 7% خلال العام المالي 2024/2025، بالتزامن مع ارتفاع الحمولة المنقولة عبر السكك الحديدية بنسبة 38.3%.
القاهرة – الإسكندرية.. السكك الحديدية تصل إلى قلب الصناعة
يمثل ممر القاهرة – الإسكندرية أحد أبرز النماذج على توظيف شبكة السكك الحديدية في خدمة حركة الإنتاج والتجارة، من خلال ربط ميناء الإسكندرية بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية واللوجستية في السادس من أكتوبر والسادات.
ويأتي خط كفر داود – السادات ضمن مكونات هذا الممر، بطول يبلغ نحو 38 كيلومترًا، لخدمة مدينة السادات والمنطقة الصناعية والميناء الجاف.
كما تتضمن مشروعات الممر وصلة المناشي – 6 أكتوبر بطول يصل إلى 68 كيلومترًا، بما يتيح ربط ميناء الإسكندرية بالميناء الجاف في السادس من أكتوبر عبر شبكة السكك الحديدية.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية إضافية مع إنشاء محطات شحن مخصصة لخدمة المناطق الصناعية والموانئ الجافة، بما يعكس تحول السكك الحديدية من وسيلة لنقل الركاب والبضائع بين المدن إلى مكون مباشر في منظومة سلاسل الإمداد.
السخنة – الإسكندرية.. ممر يربط البحر الأحمر بالمتوسط
يمتد ممر السخنة – الإسكندرية من ميناء السخنة على البحر الأحمر، مرورًا بالعاشر من رمضان والقاهرة والسادس من أكتوبر، وصولًا إلى ميناء الإسكندرية، ليشكل أحد أهم المسارات التي تربط ساحلي البحر الأحمر والمتوسط بمراكز الإنتاج والصناعة.
ويشمل الممر ربط الميناء الجاف بالعاشر من رمضان بشبكات النقل القائمة، إلى جانب الربط مع مناطق العاشر والروبيكي وخط السويس.
كما يدخل خط الروبيكي – العاشر من رمضان – بلبيس، البالغ طوله نحو 63.5 كيلومترًا، ضمن مكونات الشبكة، بما يدعم حركة البضائع بين المناطق الصناعية والموانئ.
وتستهدف المنظومة تحقيق تكامل بين قطارات الديزل والقطار الكهربائي السريع ووسائل النقل الأخرى، بما يسمح بتوزيع حركة البضائع وفق الوسيلة الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية والتشغيلية.
العريش – طابا.. السكك الحديدية تتوسع داخل سيناء
يمثل ممر العريش – طابا امتدادًا استراتيجيًا لشبكة النقل في سيناء، إذ يربط البحر المتوسط بخليج العقبة، ويمر بمناطق صناعية ومواقع يجري تطويرها ضمن خطط تنمية شبه الجزيرة.
ويرتبط الممر بتطوير خط الفردان – بئر العبد ومد الشبكة باتجاه العريش، إلى جانب مشروعات ربط ميناء شرق بورسعيد بشبكة السكك الحديدية.
ويعزز هذا الربط قدرة الموانئ على استقبال ونقل الحاويات عبر السكك الحديدية، بالتوازي مع توسع حركة النقل المرتبطة بالموانئ وخطوط الملاحة العالمية.
ويمتد أثر منظومة النقل كذلك إلى ميناء العين السخنة، الذي جرى تجهيزه بمسارات لقطارات الديزل والقطار الكهربائي السريع، بما يدعم حركة نقل الصناعات، ومن بينها الأسمنت والرخام، ويربط مناطق الإنتاج بالمنافذ البحرية.
طنطا – المنصورة – دمياط.. خط لوجستي يخدم دلتا الإنتاج
في قلب دلتا النيل، يستهدف ممر طنطا – المنصورة – دمياط ربط مراكز الإنتاج الزراعي والصناعي بميناء دمياط، مرورًا بالمنطقة اللوجستية في طنطا ومناطق قويسنا وطنطا وكفر الزيات والمحلة والمنصورة.
وتتضمن المشروعات المرتبطة بالممر ازدواج خط المنصورة – دمياط بطول 69 كيلومترًا، إلى جانب تحديث نظم الإشارات بين طنطا والمنصورة.
ويتيح تطوير هذا المسار تعزيز اتصال المنطقة اللوجستية بطنطا بالمراكز الصناعية في الدلتا، ولا سيما الصناعات القائمة في المحلة، مع ميناء دمياط.
وتبرز أهمية الممر في ظل الطبيعة الزراعية والصناعية للمنطقة، إذ يمكن للسكك الحديدية أن توفر وسيلة فعالة لنقل كميات كبيرة من السلع والبضائع، بالتوازي مع تخفيف الضغط على شبكة الطرق.
جرجوب – السلوم.. بوابة لوجستية جديدة نحو ليبيا
على الساحل الشمالي الغربي، يبرز ممر جرجوب – السلوم باعتباره أحد المشروعات التي تستهدف دعم حركة التجارة بين مصر وليبيا.
وتخطط وزارة النقل لإنشاء خط سكة حديد يربط جرجوب بالسلوم بطول 223 كيلومترًا، مع ربطه بالميناء والمنطقة اللوجستية الجاري تطويرها في السلوم.
ويضيف المشروع بعدًا جديدًا إلى شبكة النقل المصرية من خلال الجمع بين حركة التجارة البحرية والبرية داخل مسار لوجستي واحد، بما يعزز اتصال ميناء جرجوب بالمنفذ البري الرئيسي للتجارة مع ليبيا.
من خطوط منفصلة إلى شبكة متكاملة
تكشف الممرات اللوجستية الجديدة عن تغير تدريجي في وظيفة شبكة السكك الحديدية المصرية، التي تتجه من كونها شبكة لنقل الركاب والبضائع بين المدن إلى أحد المكونات الرئيسية لسلاسل الإمداد.
وتعتمد الرؤية الجديدة على ربط الموانئ البحرية بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، مع استخدام السكك الحديدية والقطار الكهربائي السريع وشبكات الطرق ضمن منظومة نقل متعدد الوسائط.
وتضم المنظومة الوطنية للممرات اللوجستية المتكاملة 7 ممرات رئيسية، تشمل إلى جانب الممرات الخمسة محل التقرير، ممر القاهرة – أسوان – أبو سمبل وممر سفاجا – قنا – أبو طرطور.
ويعني هذا التوسع أن البنية التحتية للنقل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بخريطة الإنتاج والاستثمار والتجارة، بحيث لا يقتصر دور السكك الحديدية على نقل البضائع، وإنما يمتد إلى ربط المصانع والمناطق الصناعية بالموانئ ومنافذ التصدير.
اللوجستيات.. عنصر جديد في تنافسية الصناعة
ومع استكمال هذه المشروعات، تتجه منظومة النقل المصرية إلى تقليل عدد حلقات المناولة ونقل البضائع بين مناطق الإنتاج والموانئ، وهو ما يمكن أن ينعكس على زمن التداول وتكلفة الخدمات اللوجستية.
كما يوفر تكامل السكك الحديدية مع الموانئ الجافة والمناطق اللوجستية فرصة لزيادة الاعتماد على النقل متعدد الوسائط، بحيث تنتقل البضائع بين وسائل النقل المختلفة ضمن سلسلة أكثر ترابطًا.
وبذلك تتحول شبكة السكك الحديدية تدريجيًا إلى أحد الشرايين الرئيسية التي تربط خريطة الإنتاج المصرية بخريطة التجارة، في وقت تتوسع فيه الاستثمارات في الموانئ والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، وتزداد فيه أهمية البنية التحتية للنقل في دعم حركة التجارة والصادرات وربط الاقتصاد المصري بالأسواق الإقليمية والدولية.