عقد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، وضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، جلسة نقاشية موسعة مع عدد من رؤساء تحرير الصحف والمواقع الإلكترونية والإعلاميين وكبار الكتاب والمعنيين بملف التعليم، تحت عنوان «جهود تطوير التعليم.. رؤية للحاضر وآفاق المستقبل»، لمناقشة مستجدات إصلاح منظومة التعليم قبل الجامعي وخطط الوزارة خلال الفترة المقبلة.
وتأتي الجلسة في إطار تعزيز الحوار المجتمعي حول قضايا التعليم، وإتاحة مساحة لعرض الرؤى والمقترحات ومناقشة السياسات والقرارات التعليمية بشفافية، إلى جانب توضيح ما تم إنجازه خلال المرحلة الماضية والمستهدفات المستقبلية.
ضياء رشوان: التعليم قضية تتعلق بمستقبل ملايين الطلاب
وأكد ضياء رشوان أن اللقاء يستهدف إتاحة المجال للرأي والرأي الآخر، وفتح الباب أمام مختلف المشاركين للتعبير عن رؤاهم ومقترحاتهم، بما يتسق مع ما أكد عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي مرارًا بشأن أهمية الاستماع إلى مختلف وجهات النظر.
وأوضح أن قضية التعليم لا تتعلق فقط بأعداد الطلاب، رغم أن منظومة التعليم قبل الجامعي تضم نحو 25 مليون طالب، إضافة إلى قرابة مليوني طالب بالمعاهد الأزهرية، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل أبناء مصر ومسؤولية الدولة عن ضمان إتاحة تعليم جيد وتطوير منظومته بصورة مستدامة.
عبد اللطيف: غياب استراتيجية ثابتة أبرز تحديات التعليم خلال 30 عامًا
واستعرض وزير التربية والتعليم أبرز التحديات التي واجهت العملية التعليمية خلال العقود الثلاثة الماضية، موضحًا أنها تضمنت غياب استراتيجية تعليمية مستدامة لا تتغير بتغير الوزراء، فضلًا عن تحديات تأهيل المعلمين وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، وضغوط الثانوية العامة على الأسر، وارتفاع الكثافات داخل الفصول، وانتشار الدروس الخصوصية، والعجز في أعداد المعلمين.
وأشار إلى تحديات أخرى شملت ضعف مهارات القراءة والكتابة لدى نسبة من طلاب المرحلة الابتدائية، وانتشار الفترات المسائية، وكثرة المواد الدراسية وصعوبة ونمطية المناهج، وضعف ارتباط التعليم الفني باحتياجات سوق العمل، إلى جانب الحاجة إلى تحسين الحالة العامة للمدارس.
ارتفاع الحضور وانخفاض كثافات الفصول
وأكد الوزير أن جهود الإصلاح انعكست على عدد من المؤشرات الميدانية، مشيرًا إلى ارتفاع نسبة حضور الطلاب من 15% خلال العام الدراسي 2023/2024 إلى 87% حاليًا.
وأوضح أن عدد المدارس الابتدائية ذات الكثافات المرتفعة انخفض من 63 إلى 41 مدرسة، مع القضاء على الفصول التي كانت تضم أكثر من 100 طالب، بحيث أصبح كل فصل يضم أقل من 50 طالبًا، وهو ما أسهم، بحسب الوزارة، في عودة الطلاب إلى المدارس.
وأشار عبد اللطيف إلى استمرار استهداف رفع نسبة الحضور إلى 96%، مؤكدًا أهمية التعاون بين المدرسة والأسرة وتوفير بيئة تعليمية جاذبة.
تحسن كبير في مهارات القراءة والكتابة
وفي إطار البرنامج العلاجي لتحسين مهارات القراءة والكتابة، أوضح وزير التربية والتعليم أنه تم اختبار نحو 1.83 مليون طالب على 3 مراحل.
وأظهرت نتائج المرحلة الأولى، التي امتدت من فبراير إلى مايو 2025، معاناة 45.5% من الطلاب من ضعف القراءة والكتابة، قبل أن تنخفض النسبة إلى 32.4% خلال المرحلة الثانية في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025.
وفي المرحلة الثالثة، تراجعت نسبة الطلاب الذين يعانون ضعفًا في القراءة والكتابة إلى 13.9%، بحسب ما عرضه الوزير خلال الجلسة.
تطوير 94 منهجًا و160 منهجًا خلال 2026/2027
واستعرض الوزير خطة تطوير المناهج، موضحًا أن الوزارة طورت 94 منهجًا للتعليم العام، مع احتفاظها بالملكية الفكرية للمناهج، مشيرًا إلى الاستعانة بخبرات دولية وهيئات متخصصة في تطوير واعتماد عدد من المناهج.
وأضاف أن الوزارة تستهدف تطوير 160 منهجًا دراسيًا خلال العام الدراسي 2026/2027، بما يشمل مناهج البكالوريا المصرية.
وأشار إلى اعتماد منهج اللغة العربية من الأزهر الشريف، ومنهج اللغة الإنجليزية من المجلس الثقافي البريطاني، إلى جانب الاستفادة من التعاون الياباني في تطوير مناهج العلوم والرياضيات، ومراجعة بعض الأطر التربوية ومنهجيات التقييم الخاصة بالبكالوريا المصرية من جانب مؤسسة البكالوريا الدولية.
البكالوريا المصرية لتخفيف ضغوط الثانوية العامة
وأكد عبد اللطيف أن تطبيق نظام البكالوريا المصرية يستهدف في المقام الأول تخفيف الضغوط عن أكثر من 900 ألف أسرة مصرية، عبر إتاحة فرص امتحانية متعددة بدلًا من ارتباط مستقبل الطالب بفرصة واحدة.
وأوضح أن النظام الجديد يقلل عدد المواد الدراسية، ويوفر مرونة أكبر للطلاب، بما في ذلك إمكانية الانتقال من مسار إلى آخر.
واستعرض الوزير الهيكل الدراسي للبكالوريا، موضحًا أن المرحلة الرئيسية للصف الثاني الثانوي تشمل اللغة العربية والتاريخ المصري واللغة الأجنبية الأولى، إلى جانب نشاط التربية الرياضية والثقافة المالية دون إضافتهما إلى المجموع، فيما تتضمن المرحلة الرئيسية للصف الثالث الثانوي التربية الدينية ضمن المواد الأساسية.
المعلمون.. محور رئيسي في خطة الإصلاح
وشدد وزير التربية والتعليم على أن المعلمين يمثلون الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، واصفًا إياهم بأنهم «أبطال يتحملون على عاتقهم مسؤولية كبيرة»، ومؤكدًا أن الوزارة تعمل على معالجة الاحتياجات العددية ورفع كفاءة المعلمين في الوقت نفسه.
وأوضح أنه تم تعيين 43 ألف معلم مع بداية العام الدراسي الجديد، إلى جانب تدريب 150 ألف معلم بالتعاون مع مؤسسات دولية.
كما أشار إلى تنفيذ برنامج تدريبي لمعلمي وموجهي المواد الدراسية استعدادًا لتطبيق البكالوريا والمناهج الجديدة، شمل أكثر من شهرين و80 ورشة عمل بإجمالي 183,499 متدربًا بالتعاون مع اليونيسف، إلى جانب برامج الأكاديمية المهنية للمعلمين.
وتحدث الوزير عن برنامج قادة المدارس المقرر تنفيذه بالتعاون مع كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة هارفارد والأكاديمية العسكرية المصرية، فضلًا عن برنامج بالتعاون مع جامعة هيروشيما اليابانية لتأهيل المعلمين وتطوير قدراتهم.
التوسع في المدارس اليابانية والتكنولوجيا التطبيقية
وكشف الوزير أن عدد المدارس المصرية اليابانية ارتفع من 51 مدرسة في 2023/2024 إلى 101 مدرسة حاليًا، متجاوزًا المستهدف المحدد عند 100 مدرسة بحلول 2030.
كما ارتفع عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية من 62 إلى 225 مدرسة، متجاوزًا مستهدف 200 مدرسة بحلول 2030، مع استهداف التوسع إلى 500 مدرسة مصرية يابانية و600 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية.
وأشار إلى استمرار التعاون الدولي لتطوير التعليم الفني، موضحًا أن التعاون مع إيطاليا يستهدف تشغيل نحو 100 مدرسة جديدة خلال العام الدراسي المقبل، بينما يجري التعاون مع الجانب الألماني لتطوير التدريب والتأهيل المهني ومنح شهادات وفق معايير دولية.
التعليم الدولي والحفاظ على الهوية المصرية
وأكد عبد اللطيف إلزام المدارس الدولية بتدريس مواد الهوية القومية، مشيرًا إلى تطبيق إجراءات أكثر تشددًا فيما يتعلق بالانضباط والتقييم والرقابة على هذه المدارس.
وأوضح أن الوزارة ضمنت درجتي اللغة العربية والدراسات الاجتماعية بنسبة 10% لكل مادة ضمن مجموع طلاب التعليم الأساسي، كما أدرجت اللغة العربية والتاريخ بالنسبة نفسها في المرحلة الثانوية.
وأشار إلى إلغاء الاحتفال بالمناسبات غير المتوافقة مع الثقافة المصرية داخل المدارس الدولية، واتخاذ إجراءات للحد من ظاهرة Home schooling، إلى جانب تشكيل لجان لفحص المدارس الدولية ومراجعة أعداد الطلاب ومدى توافقها مع التراخيص.
كما تم تعديل آلية اعتماد الشهادات الدولية، بحيث تصبح موافقة الوزارة كافية للالتحاق بالجامعات المصرية دون إلزام ولي الأمر بسداد رسوم بالدولار لجهات اعتماد أجنبية، وفقًا لما أوضحه الوزير.
183 يومًا للدراسة والقضاء على الفترات المسائية
وردًا على التساؤلات بشأن زيادة أيام الدراسة، أوضح وزير التربية والتعليم أن عدد أيام الدراسة الفعلية أصبح 183 يومًا، مؤكدًا أن الهدف لا يتمثل في زيادة الأيام بصورة شكلية، وإنما تحقيق أكبر استفادة ممكنة من اليوم الدراسي.
وأضاف أن الوزارة تعمل على تطبيق اليوم الدراسي الكامل حتى الساعة 2 ظهرًا، مع استمرار جهود إنهاء الفترات المسائية، مشيرًا إلى أن عدد المدارس التي تعمل بفترة مسائية تراجع إلى 530 مدرسة، مع استهداف إنهائها بحلول العام الدراسي 2027/2028.
التعليم الفني وربطه بسوق العمل
وأكد الوزير أن تطوير التعليم الفني يمثل أحد المحاور الرئيسية للإصلاح، من خلال التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، والاستفادة من الخبرات الدولية.
ويستهدف التطوير تخريج طلاب يمتلكون مهارات عملية حقيقية تتوافق مع احتياجات القطاعات الإنتاجية، إلى جانب تغيير الصورة النمطية عن التعليم الفني باعتباره مسارًا يخرج كوادر متخصصة يحتاج إليها الاقتصاد.
الطالب في مقدمة أولويات الإصلاح
وشدد عبد اللطيف خلال الجلسة على أن مصلحة الطالب تمثل الأولوية الأولى للوزارة، مؤكدًا أن الطالب المصري يستحق الحصول على تعليم جيد يواكب المعايير الدولية ويؤهله للمستقبل.
وأشار إلى تنفيذ زيارات ميدانية لنحو 630 مدرسة في مختلف المحافظات، تضمنت لقاءات مباشرة مع أولياء الأمور والاستماع إلى ملاحظاتهم واستفساراتهم بشأن العملية التعليمية والتقييمات.
كما أكد استمرار مجانية التعليم وفقًا لما نص عليه الدستور، والتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتطوير إعداد المعلمين وتحقيق التكامل بين مخرجات التعليم واحتياجات المنظومة.
الأنشطة والثقافة والهوية ضمن بناء شخصية الطالب
وأوضح الوزير أن بناء شخصية الطالب لا يقتصر على التحصيل الأكاديمي، وإنما يشمل الثقافة والفنون والرياضة والآداب وتنمية مهارات التفكير والإبداع.
وفي هذا السياق، أشار إلى إعداد كتاب «روائع الأدب العربي» الذي يضم 10 روايات لعدد من كبار الأدباء المصريين، إلى جانب التوسع في الأنشطة الرياضية والفنية والموسيقية والثقافية.
وأكد كذلك أهمية تطوير تدريس اللغة العربية والتاريخ والتربية الوطنية بصورة تفاعلية تعزز الوعي بالهوية المصرية والانتماء والمواطنة.
مقترحات الإعلاميين والخبراء
وشهد اللقاء طرح عدد من المداخلات والمقترحات بشأن مستقبل التعليم، من بينها أهمية استدامة سياسات الإصلاح وعدم ربطها بتغير الوزراء، وتعزيز الحوار مع أولياء الأمور والمعلمين وكليات التربية، وتوسيع اللامركزية ودعم صلاحيات المدارس والإدارات التعليمية.
كما تناول النقاش أثر زيادة أيام الدراسة، وتطوير المناهج وطرق التدريس للانتقال من الحفظ إلى الفهم والتفكير النقدي والإبداع، والاهتمام بالأنشطة والفنون والفلسفة والمسرح، وتطوير التعليم الفني وربطه باحتياجات سوق العمل.
وشملت المداخلات كذلك تطوير نظم الامتحانات والتقييم، والاستفادة من التجارب الدولية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتحسين البنية المدرسية، ودعم الموهوبين، وتعزيز الشفافية والرقابة على المدارس الدولية.
وأكد عبد اللطيف ترحيبه بمختلف المقترحات والرؤى التي تدعم جهود إصلاح منظومة التعليم، مشددًا على أن التطوير عملية مؤسسية مستمرة تستوجب تكامل أدوار الوزارة والمعلم والمدرسة والأسرة والقطاع الخاص ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع.
واختتم الوزير بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد مواصلة العمل على رفع جودة التعلم، وتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتعزيز الإدارة المدرسية، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، والتوسع في النماذج التعليمية المتميزة، مع الحفاظ على اللغة العربية والتاريخ والهوية المصرية، ووضع مصلحة الطالب وجودة تعليمه وبناء شخصيته في مقدمة أولويات منظومة الإصلاح.