وزير التعليم العالي يفتتح الدورة الـ33 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ويكرم 13 مبدعًا


Tue 01 Sep 2026 | 09:54 PM
محمود الديب

افتتح الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، وذلك خلال حفل أقيم على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد من السفراء وممثلي الدول المشاركة، إلى جانب نخبة من الفنانين والمبدعين والباحثين المسرحيين من مصر ومختلف دول العالم.

وأكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، خلال كلمته بحفل الافتتاح، أن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أصبح، على مدار مسيرته الممتدة لنحو أربعة عقود، واحدًا من أهم المنابر المسرحية التي تجمع المبدعين من مختلف أنحاء العالم، وتوفر مساحة للحوار والتفاعل وتبادل الخبرات والرؤى، مشيرًا إلى أن المهرجان رسخ مكانة مصر وحضورها على خريطة الثقافة والفنون العالمية.

وقال قنصوة إن اجتماع هذا العدد الكبير من الفنانين والمسرحيين والباحثين في القاهرة يحمل رسالة مهمة مفادها أن الفن لا يزال قادرًا على جمع البشر، وأن المسرح، رغم اختلاف اللغات والثقافات والجغرافيا، يظل من أكثر الفنون قدرة على التعبير عن الإنسان وطرح أسئلته واستشراف مستقبله.

المهرجان يفتح المسرح المصري على التجارب العالمية

وأوضح القائم بأعمال وزير الثقافة أن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، منذ انطلاقه عام 1988، حمل رسالة واضحة تتمثل في فتح نوافذ المسرح المصري على العالم، وإتاحة الفرصة أمام المبدعين للتعرف على الاتجاهات الحديثة والتجارب المختلفة، فضلًا عن تحويل القاهرة إلى مساحة يلتقي فيها المسرحيون من ثقافات متعددة لتبادل الأفكار والخبرات واكتشاف آفاق جديدة لفن المسرح.

وأشار إلى أن الدورة الحالية شهدت إقبالًا واسعًا، حيث تقدم للمشاركة أكثر من 400 عرض مسرحي، جرى اختيار 20 عرضًا منها لتقديم رؤى وتجارب فنية متنوعة للجمهور، إلى جانب تنظيم ورش تدريبية دولية وندوات فكرية تتناول مستقبل الفن المسرحي في ظل التحولات التكنولوجية والثقافية المتسارعة.

وأكد قنصوة أن المهرجان لا يقتصر على مشاهدة العروض المسرحية، وإنما يمثل أيضًا مساحة للتفكير والتعلم والنقاش، من خلال الورش الدولية والندوات واللقاءات الفكرية التي تناقش قضايا التجريب وعلاقته بالمتفرج والمكان والهوية والمجتمع، فضلًا عن بحث مستقبل المسرح في ظل التحولات الفنية والتكنولوجية والثقافية.

قنصوة: التجريب بحث مستمر عن لغة جديدة للمسرح

وأوضح الدكتور عبد العزيز قنصوة أن التجريب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خروج على المألوف أو رغبة في الاختلاف من أجل الاختلاف، وإنما هو بحث مستمر عن لغة جديدة ومحاولة دائمة لاكتشاف إمكانات أخرى للمسرح وإعادة طرح أسئلته الكبرى في كل عصر.

وأضاف أن المسرح الحقيقي لا يتوقف عند شكل واحد ولا يستقر عند إجابة واحدة، وإنما يظل في حالة بحث دائم عن الإنسان ولغته وقضاياه والمساحات الجديدة التي يمكن أن تجمعه بالآخر.

وشدد على أن وزارة الثقافة مستمرة في دعم المبدعين والمسرح المصري بمختلف أجياله واتجاهاته، وحرصها على توفير المساحات التي تسمح للفنانين بالتجريب والابتكار والتفاعل مع الحركة المسرحية العالمية.

كما أعرب قنصوة عن سعادته بالاحتفاء بنخبة من رموز المسرح وفنانيه ومبدعيه وباحثيه من مصر والعالم العربي وعدد من التجارب الدولية، تقديرًا لمسيرتهم وإسهاماتهم في إثراء الحركة المسرحية في مجالات الإبداع والفكر والبحث والتدريب والإدارة الثقافية.

وأكد أن تكريم هؤلاء المبدعين يمثل احتفاءً بقيمة العطاء، وبكل تجربة آمنت بأن المسرح ليس مجرد فن يقدم على الخشبة، وإنما هو معرفة متجددة وخيال يفتح آفاقًا جديدة وحوار إنساني قادر على تجاوز الحدود.

ووجه القائم بأعمال وزير الثقافة التحية والتقدير إلى الدكتور سامح مهران، رئيس المهرجان، وإدارة الدورة الثالثة والثلاثين، وجميع القائمين على تنظيم الحدث، مشيدًا بالجهود المبذولة لإعداد برنامج ثري ومتنوع يليق بتاريخ المهرجان ومكانة مصر الثقافية، كما وجه الشكر إلى المؤسسات والجهات الداعمة والشركاء والفرق المسرحية المشاركة.

تكريم 13 شخصية مسرحية مصرية وعربية ودولية

وحرص الدكتور عبد العزيز قنصوة على تكريم 13 شخصية مسرحية مصرية وعربية ودولية، تقديرًا لإسهاماتهم في مجالات التمثيل والإخراج والكتابة والبحث والسينوغرافيا والتدريب والعمل الثقافي.

وشملت قائمة المكرمين من مصر: الفنان حمزة العيلي، والمخرج طارق الدويري، ومهندس الديكور محمد الغرباوي، والمخرج والناشط المسرحي حمدي حسين، والباحث والأكاديمي الدكتور عصام عبد العزيز، والفنانة عايدة فهمي.

ومن نيوزيلندا، جرى تكريم المخرج ومصمم الرقصات ليمي بونيفاسيو، ومن الولايات المتحدة المخرجة والمنتجة والأكاديمية باتريشيا لومباردي أكيرا، ومن إنجلترا المخرج ومصمم الحركة سكوت جراهام، ومن العراق الفنان جواد الشكرجي، ومن الكويت الكاتب والمخرج سليمان البسام، ومن لبنان المخرجة والباحثة لينا أبيض، ومن السودان الباحث والمثقف والمسرحي الدكتور يوسف عايدابي.

سامح مهران: التجريب مساحة لكشف التحولات والبحث عن مسارات جديدة

من جانبه، رحب الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، خلال كلمته بحفل الافتتاح، بوزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، والسفراء وممثلي السفارات والمراكز الثقافية، وضيوف المهرجان من الدول العربية والأجنبية، والفنانين المصريين وجميع الحضور.

وقال مهران إن المهرجان يمثل محفلًا فنيًا يجتمع فيه المسرحيون كل عام للقاء ومشاهدة ومناقشة أحوال المسرح في العالم، وما وصلت إليه التيارات الحديثة.

وأوضح أن الفضاء التجريبي ليس فضاءً شاعريًا تنصهر فيه الثقافات بسلاسة، وإنما هو فضاء فاصل بين عالمين، يكشف بعض المسافات والتحولات، ولذلك فإنه ليس فضاءً آمنًا.

وأضاف أن التجريب يرتبط بالخبرة الدينامية للبشر، ويحدث صدعًا في العالم يفتح المجال أمام استعادة ما جرى فقدانه في الواقع والخيال الجمعي، مشيرًا إلى أن المشاهد السابقة تظل مهددة بالزمن والنسيان والحداثة.

وأشار رئيس المهرجان إلى أن التجريب يحدث قطيعة مع الذاكرة التي تفضل التكرار اللاإرادي للأفعال، ويربط الواقع المعيش بديناميته بالخيال، بعيدًا عن المؤثرات التي تحاول اختراقه انطلاقًا من النصوص المسبقة.

التجريب وعلاقته بإعادة قراءة التاريخ

وتطرق مهران إلى العلاقة بين التجريب والتاريخ، مؤكدًا ضرورة التفرقة بين التاريخ والحقيقة التاريخية، موضحًا أن التاريخ هو أصل الواقع الذي نعيشه، بينما الحقيقة التاريخية ليست بالضرورة ما حدث بالفعل، وإنما ما حكم البعض بأنه قد حدث.

وأوضح أن التجريب، على هذا المستوى، يصبح محاولة لتصحيح مسار كتابة التاريخ انطلاقًا من الذات الفاحصة.

وفي ختام كلمته، وجه رئيس المهرجان الشكر إلى كل من ساهم في دعم إقامة الدورة الثالثة والثلاثين، وعلى رأسهم قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب عدد من المراكز الثقافية الأجنبية والمؤسسات والشركاء الداعمين للمهرجان.

«المؤسس» يستعرض رحلة المهرجان منذ انطلاقه

وبدأت مراسم حفل الافتتاح، الذي قدمته الفنانة نورهان شعيب، بعزف السلام الجمهوري، أعقبه عرض الفيلم الوثائقي «المؤسس»، من إخراج محمد فاضل القباني، وإعداد محمد عبد الرحمن زغلول، ومونتاج نغم علام.

واستعرض الفيلم رحلة تأسيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، منذ أن كان حلمًا وفكرة تحولت إلى مشروع فني على أرض الواقع، وصولًا إلى مكانته كواحد من أبرز المهرجانات المسرحية المتخصصة على الساحة الدولية.

وتضمن الفيلم حديثًا للفنان فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق ومؤسس المهرجان، استعاد خلاله تفاصيل البدايات وقصة الحلم الذي تحول إلى حقيقة، ورحلة المهرجان منذ انطلاقه وحتى وصوله إلى مكانته الحالية على خريطة المسرح العالمي.

«حياة» يجمع الجسد والحركة والصمت والكلمة

وعقب الفيلم الوثائقي، شهد حفل الافتتاح تقديم العرض المسرحي «حياة»، الذي يقدم تجربة فنية تمزج بين الجسد والحركة والصمت والكلمة، متنقلًا بين فضاءات متعددة تكشف قدرة الإنسان على الاختيار، من خلال معالجة فلسفية وشاعرية لتجربة الإنسان في مواجهة العالم.

ويطرح العرض عددًا من الأسئلة المرتبطة بالوجود والاختيار والمصير، ويعتمد على لغة مسرحية تتجاور فيها الحركة مع الكلمة والصمت، بما يجعل الجسد أحد العناصر الأساسية في بناء التجربة والتعبير عن التحولات الداخلية للإنسان.

ويشارك في العرض دراماتورج محمد فؤاد، وديكور وملابس أنيس إسماعيل، وإضاءة المهندس ياسر شعلان، وتصميم وإخراج كريمة بدير.

إعلان لجنة تحكيم المسابقة الرسمية

كما شهد حفل الافتتاح تقديم لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثلاثين، برئاسة الفنان المصري رياض الخولي، وعضوية كل من مهندس الديكور المصري محمد الغرباوي، والممثل والمخرج المسرحي والإداري الثقافي التونسي محمد منير العرقي، والكاتب والمخرج المسرحي والسينوغرافي البحريني خالد الرويعي، والمخرجة والمنتجة والأكاديمية الأمريكية باتريشيا لومباردي أسيرا، والمسرحي الفرنسي من أصول بوركينية حسّان كاسي كوياتي، والناقد والكاتب والممثل والمخرج والباحث في الاتصال من مقدونيا الشمالية ساشو أوغنانوفسكي.

وتضم لجنة التحكيم خبرات متنوعة في مجالات التمثيل والإخراج والكتابة والسينوغرافيا والنقد والبحث والإدارة الثقافية.

20 عرضًا من 14 دولة حتى 8 سبتمبر

وتستمر فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حتى 8 سبتمبر الجاري، بمشاركة مسرحية واسعة تضم 20 عرضًا مسرحيًا تمثل 14 دولة من مختلف قارات العالم.

وتعكس العروض المشاركة تنوعًا جماليًا وفنيًا يشمل المسرح الدرامي، والرقص المعاصر، والمسرح الحركي والبصري، ومسرح الدمى، والعروض متعددة الوسائط، إلى جانب مشاركات مصرية وعربية تعكس ثراء وتنوع المشهد المسرحي المعاصر.

وتتكامل العروض مع برنامج فكري مكثف وورش عمل تدريبية متخصصة وشراكات دولية، بما يفتح آفاقًا جديدة للحوار والتفاعل بين المسرحيين والمبدعين والجمهور، ويعزز دور القاهرة باعتبارها ملتقى دوليًا لفنون المسرح والتجريب.