مع اقتراب نهاية عام 2025، تتكشف ملامح تحول عميق في أسواق المال العالمية، حيث دفعت التقلبات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية غير المسبوقة المستثمرين والبنوك المركزية إلى إعادة تقييم أدوات التحوط والادخار.
وفي قلب هذا التحول، عاد الذهب والفضة ليتربعا على عرش الأصول الاستراتيجية، مسجلين مستويات سعرية وأرباحًا لم تشهدها الأسواق منذ عقود.
انتعاش غير مسبوق للمعادن الثمينة
شهد الذهب خلال عام 2025 صعودًا تاريخيًا، محولًا تجارة السبائك من نشاط هادئ محدود النمو إلى أحد أكثر القطاعات ربحية في وول ستريت ولندن. ولم يكن الذهب وحده المستفيد؛ إذ سجلت الفضة أداءً لافتًا، مدعومًا بالطلب الصناعي المتزايد ونقص المعروض، ما عزز تقلباتها وربحيتها في آن واحد.
دوافع الصعود: سياسة ونقد ومخاطر
جاء هذا الارتفاع مدفوعًا بمزيج معقد من العوامل، أبرزها التوترات الجيوسياسية، ولا سيما بين الولايات المتحدة وفنزويلا، إلى جانب توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية. ومع تصاعد المخاوف من التضخم وتآكل قيمة العملات الورقية، اتجه المستثمرون إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، مفضلين الملاذات الآمنة. وفي أوروبا، تعززت شهية الصناديق الدفاعية والأصول الملموسة، لتصبح المعادن الثمينة محورًا أساسيًا في الاستراتيجيات الاستثمارية.
البنوك تعود بقوة إلى تجارة السبائك
بعد سنوات من الانسحاب النسبي من أسواق السلع بسبب القيود التنظيمية وتراجع التقلبات، عادت البنوك الكبرى بقوة إلى تجارة الذهب. فقد ارتفع الطلب على الذهب الفوري والعقود الآجلة والخيارات، إضافة إلى التسليم الفعلي. كما زادت عوائد الخزن مع تفضيل المستثمرين الذهب المخصص على المطالبات الورقية.
واستفادت البنوك من فروقات الأسعار بين المراكز العالمية؛ فعندما ترتفع الأسعار في نيويورك مقارنة بلندن، تُشحن السبائك عبر الأطلسي، بينما تتجه شرقًا عند ارتفاع العلاوات في شنغهاي. وتعكس هذه التحركات إعادة تشكيل للجغرافيا المالية العالمية في ظل التوترات السياسية.
الذهب كملاذ استراتيجي لا كأداة مضاربة
لم يعد صعود الذهب مرتبطًا بالأسعار أو التضخم فحسب، بل بعامل الثقة. إذ تسارعت البنوك المركزية في الصين وروسيا والهند ودول الشرق الأوسط إلى زيادة احتياطياتها من الذهب، ليس بهدف الربح، بل لتعزيز الاستقلال المالي. وأكدت الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وفنزويلا أن الذهب يوفر حماية لا تضاهيها العملات الورقية أو الأصول الرقمية.
الفجوات الفيزيائية… مصدر أرباح خفي
أحد أبرز مصادر الربح في السوق الحالية لا يكمن في السعر وحده، بل في التحديات اللوجستية المرتبطة بنقل الذهب. فعمليات التكرير والتأمين والتخزين والنقل تواجه اختناقات متزايدة مع ارتفاع الطلب. تعمل المكررات السويسرية بكامل طاقتها لتلبية الطلب الآسيوي، بينما تتقلص سعات التخزين في لندن ويزداد تعقيد النقل الجوي المؤمّن.
وفي سوق الفضة، تتقاطع ضغوط الطلب الصناعي مع نقص المعروض، ما يضاعف التقلبات ويعزز العلاوات الإقليمية. وتحقق البنوك والمتداولون المسيطرون على هذه البنية التحتية أرباحًا كبيرة، ليصبح التحكم في اللوجستيات عنصرًا حاسمًا في مكاسب أسواق المعادن.
هل يستمر هذا الزخم؟
يرى بعض المحللين أن الذهب قد يواجه تصحيحًا مع استقرار أسعار الفائدة وتراجع التضخم. غير أن كثيرين يعتبرون ما يحدث اليوم أبعد من موجة مضاربية عابرة، بل إعادة هيكلة استراتيجية للنظام المالي العالمي. فالدول والمستثمرون يسعون إلى التحوط من المخاطر الجيوسياسية وتجزؤ الأسواق، ما يدفع البنوك إلى توسيع مكاتب التداول والخزائن وشبكات النقل.
في هذا السياق، لم يعد الذهب ملاذًا أخيرًا فحسب، بل عاد ليكون أصلًا استراتيجيًا لا غنى عنه، وأكثر قيمة من أي وقت مضى لمن يسيطرون على تدفقه في عالم مالي سريع التحول.