الفيدرالي الأمريكي أمام اختبار التضخم.. تثبيت الفائدة يقترب ومخاطر الرفع تعود إلى الواجهة


Wed 28 Oct 2026 | 02:58 PM
محمد سلامة

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وسط توقعات واسعة بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في وقت تتزايد فيه التحديات أمام مسار خفض التضخم، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار تأثير الرسوم الجمركية وقوة الطلب الاستهلاكي، إلى جانب التوسع الاستثماري المرتبط بقطاع الذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات الأسواق إلى وصول احتمالات تثبيت سعر الفائدة إلى نحو 90%، عند نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، بينما تتركز متابعة المستثمرين على توجهات البنك المركزي خلال الاجتماعات المقبلة، ومدى استعداده لاستئناف دورة التشديد النقدي إذا استمرت الضغوط التضخمية أو اتسع نطاقها داخل الاقتصاد الأمريكي.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التضخم أعلى من المستهدف الرسمي البالغ 2%، ما يضع صناع السياسة النقدية أمام معادلة معقدة بين احتواء ارتفاع الأسعار وتجنب تشديد الأوضاع المالية بصورة قد تؤثر على النشاط الاقتصادي.

التضخم يقيد خيارات السياسة النقدية الأمريكية

تواجه السياسة النقدية الأمريكية تحديات متزايدة مع استمرار الضغوط السعرية، وسط تقديرات تشير إلى ارتفاع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي خلال سبتمبر، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لتقييم اتجاهات التضخم.

وتشير التقديرات الأولية إلى بقاء التضخم العام والتضخم الأساسي، الذي يستبعد بعض المكونات الأكثر تقلبًا، عند مستويات تبلغ 3% أو أعلى على أساس سنوي، بما يعكس استمرار صعوبة إعادة الأسعار إلى مستهدف البنك المركزي.

ومن المقرر صدور بيانات التضخم لشهر سبتمبر يوم الخميس، عقب إعلان قرار الفائدة، إلا أن البيانات المتاحة لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تتيح لهم تكوين قراءة أولية بشأن تطورات الأسعار والضغوط التي قد تؤثر على قراراتهم خلال الفترة المقبلة.

وتتوزع مصادر الضغوط التضخمية بين ارتفاع أسعار الطاقة، والتأثيرات المستمرة للرسوم الجمركية الأمريكية، وقوة إنفاق المستهلكين، فضلًا عن الطلب المتزايد المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي.

النفط والديزل يرفعان تكاليف الإنتاج والنقل

تمثل أسعار الطاقة أحد أبرز العوامل التي تعقّد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في احتواء التضخم، مع ارتفاع سعر النفط القياسي العالمي إلى نحو 114 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب 20% منذ بداية سبتمبر، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.

كما تقترب أسعار الديزل من مستويات قياسية، ما يفرض ضغوطًا إضافية على القطاعات كثيفة الاستهلاك للوقود، وفي مقدمتها النقل والزراعة والبناء.

ولا تقتصر آثار ارتفاع الطاقة على أسعار الوقود بصورة مباشرة، بل تمتد إلى تكاليف التشغيل والشحن والإنتاج، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات النهائية، ويحد من سرعة تراجع التضخم.

وتزداد صعوبة التعامل مع هذه الضغوط عندما تتزامن مع تأثير الرسوم الجمركية على تكاليف السلع المستوردة، بما قد يدفع الشركات إلى تمرير جزء من الزيادات إلى المستهلكين، بحسب طبيعة السوق وقدرة الشركات على استيعاب التكاليف.

طفرة الذكاء الاصطناعي.. من تعزيز الإنتاجية إلى زيادة الضغوط السعرية

تضيف الاستثمارات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى حسابات السياسة النقدية الأمريكية، إذ لا تقتصر آثارها المحتملة على رفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة على المدى الطويل، بل قد تسهم أيضًا في زيادة الطلب على المدى القصير.

ويرتبط التوسع في هذا القطاع بزيادة الإنفاق على البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والتجهيزات التقنية والطاقة، وهي عوامل قد تعزز الطلب على بعض السلع والخدمات والموارد، بما يضيف ضغوطًا سعرية إذا تجاوز الطلب قدرة العرض على الاستجابة.

ويرى محللون أن استمرار اتساع نطاق ارتفاع الأسعار قد يعزز الدعوات إلى رفع الفائدة مجددًا، بهدف منع ترسخ التضخم عند مستويات مرتفعة، حتى إذا اتجه غالبية صناع السياسة النقدية إلى تثبيت الفائدة خلال الاجتماع الحالي.

وفي هذا السياق، قال داريو بيركنز، المدير الإداري للاقتصاد الكلي العالمي لدى «تي إس لومبارد»، إن النقاش لم يعد يقتصر على احتمال رفع الفائدة مجددًا، بل يمتد إلى عدد الزيادات المحتملة خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى أن استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي دون تصحيح قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تنفيذ سلسلة من الزيادات.

من جانبها، تتوقع شركة «مونيتاري بوليسي أناليتكس» ثلاث زيادات إضافية في أسعار الفائدة، بواقع 25 نقطة أساس لكل زيادة، خلال الاجتماعات المقبلة، بما يتماشى مع توقعات سوقية تشير إلى زيادات ربع سنوية قد تمتد حتى يونيو 2027.

وتظل هذه التوقعات رهينة تطورات التضخم والطلب والنشاط الاقتصادي، إذ قد يؤدي تراجع الضغوط السعرية إلى تغيير مسار السياسة النقدية، في حين قد يدفع استمرارها نحو تشديد أكبر للأوضاع المالية.

تثبيت الفائدة لا يعني انتهاء دورة التشديد

رغم ترجيح تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع الحالي، فإن القرار المحتمل لا يعني بالضرورة أن الاحتياطي الفيدرالي قد استبعد العودة إلى رفعها خلال الأشهر المقبلة.

ويتمثل التحدي الأساسي أمام البنك المركزي في تحديد ما إذا كانت الضغوط الحالية ناتجة عن صدمات عرض مؤقتة، مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتأثير الرسوم الجمركية، أم أنها تتحول إلى موجة تضخم أوسع تدعمها قوة الطلب واستمرار الإنفاق.

وفي الحالة الأولى، قد يتيح استقرار الأسعار لاحقًا مساحة للإبقاء على الفائدة دون تغيير، أما إذا امتدت الزيادات إلى قطاعات متعددة واستمرت توقعات التضخم في الارتفاع، فقد تتزايد الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية للحد من الضغوط السعرية.

ومن المتوقع أن يواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش تساؤلات بشأن مبررات تثبيت الفائدة رغم استمرار التضخم فوق المستهدف، لا سيما في ضوء تعهده، خلال خطاب ألقاه في أغسطس، بإعادة التضخم إلى مستوى 2% بالسرعة الكافية.

وقد يسعى البنك المركزي إلى توضيح أن التثبيت، إذا أُقر، لا يمثل تراجعًا عن هدف استقرار الأسعار، وإنما يعكس تقييمًا لتوازن المخاطر وتطورات الاقتصاد، مع الإبقاء على جميع الخيارات النقدية مفتوحة وفقًا للبيانات المقبلة.

الانتخابات الأمريكية تضيف بُعدًا سياسيًا إلى المشهد الاقتصادي

يأتي اجتماع الاحتياطي الفيدرالي قبل أقل من أسبوع من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر، والتي ستحدد مستقبل السيطرة على الكونجرس خلال العامين الأخيرين من ولاية الرئيس دونالد ترامب.

وفي ظل هذا التوقيت، تكتسب قرارات السياسة النقدية أهمية إضافية في النقاش الاقتصادي الأمريكي، خصوصًا مع ارتباط التضخم وأسعار الفائدة بتكاليف الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي وأداء الشركات.

ومع ذلك، تظل قرارات الاحتياطي الفيدرالي مرتبطة بتقييمه لمؤشرات الأسعار وسوق العمل والنشاط الاقتصادي، بينما يتركز التحدي أمامه في الحفاظ على مصداقية هدف التضخم دون التسبب في تشديد مفرط للأوضاع المالية.

الأسواق تترقب مسار الفائدة حتى منتصف 2027

تتجه متابعة المستثمرين إلى ما هو أبعد من قرار الاجتماع الحالي، لتشمل إشارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن توقيت أي تحركات لاحقة وحجمها، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بأسعار الطاقة والرسوم الجمركية والطلب الاستثماري.

وستكون بيانات التضخم المقبلة عاملًا رئيسيًا في تحديد مدى استمرار الضغوط السعرية، إلى جانب تطورات تكاليف الإنتاج والإنفاق الاستهلاكي وتأثير الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على الطلب.

وفي المحصلة، يضع المشهد الراهن الاحتياطي الفيدرالي أمام مفترق طرق نقدي؛ إذ تبدو كفة تثبيت الفائدة أرجح في الاجتماع الحالي وفقًا لتوقعات الأسواق، لكن استمرار التضخم فوق المستهدف يبقي احتمال التشديد النقدي قائمًا.

وبين تثبيت الفائدة والعودة إلى رفعها، ستحدد البيانات الاقتصادية المقبلة اتجاه السياسة النقدية الأمريكية، في مسار تزداد أهميته للأسواق العالمية، بالنظر إلى تأثير قرارات الفيدرالي على تكلفة التمويل وتدفقات رؤوس الأموال وأسعار الأصول والعملات.