شهدت قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة محاضرة تذكارية ألقاها أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة الاحتفال بيوم الأمم المتحدة، بحضور الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، والدكتور محمد سامي، رئيس جامعة القاهرة، والسفير محمد أبو بكر، نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، نيابة عن الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، إلى جانب عدد من السفراء وقيادات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعة، وحشد من الطلاب.
غوتيريش: مصر جسر للتواصل بين الشعوب والحضارات
وأعرب غوتيريش، في مستهل كلمته، عن اعتزازه بوجوده في مصر، مشيدًا بإسهامات الحضارة المصرية القديمة في إثراء المعرفة الإنسانية وتوسيع آفاق الفكر والإبداع على مدار آلاف السنين، مؤكدًا أن مصر ظلت عبر تاريخها ملتقى للحضارات والثقافات والأفكار، وأسهمت بدور بارز في إثراء الحضارة الإنسانية والإسلامية.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة الدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم العمل متعدد الأطراف، وتعزيز جهود المنظمة الدولية في مجالات حفظ السلام والوساطة وتسوية النزاعات، مشيرًا إلى أن مصر تمثل جسرًا للتواصل بين الدول والشعوب ومختلف مناطق العالم.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أشاد غوتيريش بدعم مصر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، مشددًا على أنه لا يمكن تحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط مع استمرار حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، وأن حل الدولتين يظل السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق السلام العادل والدائم.
ضرورة وقف الحرب في غزة وحماية المدنيين
وشدد غوتيريش على ضرورة الوقف الكامل للحرب في قطاع غزة، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، مؤكدًا أن الهجمات التي وقعت في السابع من أكتوبر لا يمكن تبريرها، كما لا يمكن تبرير حجم القتل والدمار الذي أعقبها في القطاع.
وأكد أهمية احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والتدابير المؤقتة الملزمة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، وضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والتسوية الشاملة التي أقرها مجلس الأمن بكامل بنودها، بما يضمن عدم تكرار المأساة الإنسانية.
السودان وليبيا.. حلول سياسية تحفظ وحدة الدول
وفي سياق استعراضه للأوضاع الإقليمية، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى إنهاء الحرب في السودان، وحماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، مع تمكين الشعب السوداني من تحديد مستقبله من خلال عملية سياسية شاملة.
وأشاد باستضافة مصر للسودانيين، داعيًا المجتمع الدولي إلى تقاسم مسؤولية دعمهم، كما أكد ضرورة أن تكون تسوية الأزمة الليبية بقيادة الليبيين أنفسهم، بما يساعد على استعادة مؤسسات الدولة وتحديد مستقبل البلاد بصورة سلمية من خلال الانتخابات.
وأوضح غوتيريش أن تداعيات النزاعات المسلحة لا تقتصر على الدول التي تشهدها، بل تمتد إلى اقتصادات المنطقة والعالم، وتتسبب في اضطراب التجارة والملاحة وزيادة الضغوط الاقتصادية على شعوب لم تكن طرفًا في تلك الصراعات.
وأشار إلى حاجة المنطقة إلى منظومة إقليمية جديدة للأمن المشترك، تقوم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول، وتتيح لشعوبها رسم مستقبلها بعيدًا عن الحروب المتكررة، مؤكدًا أهمية الدور المصري في دعم جهود السلام والاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط.
غوتيريش: الجامعات أساسية لتمكين الشباب في عصر الذكاء الاصطناعي
وتطرق الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يتيحه من فرص واعدة، يثير مخاطر تتعلق بتعميق الفجوة بين الدول والتأثير في مستقبل العمل.
وشدد على ضرورة تقييم هذه المخاطر ووضع ضوابط تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، مع تمكين الشباب المصري من اكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من الفرص التي يتيحها، مشيرًا إلى الدور المحوري للجامعات في إعداد الشباب للتعامل مع هذه التحولات.
وزير التعليم العالي: الجامعات شريك رئيسي في بناء السلام
من جانبه، أعرب الدكتور عبد العزيز قنصوة عن اعتزازه باستضافة الأمين العام للأمم المتحدة بجامعة القاهرة، مؤكدًا مكانتها الأكاديمية والتاريخية ودورها الممتد لأكثر من قرن في دعم التطور الفكري والعلمي والثقافي في مصر.
وأشار إلى أن إلقاء المحاضرة في قاعة الاحتفالات الكبرى يعكس مكانتها بوصفها منبرًا تاريخيًا استقبل عددًا من القادة والمفكرين وأصحاب الرؤى، وشهد حوارات وأفكارًا أسهمت في تشكيل الوعي وتعزيز التطلعات نحو المستقبل.
وأوضح الوزير أن العالم يواجه تحديات متشابكة، تشمل النزاعات والتوترات الجيوسياسية وتغير المناخ واتساع فجوة عدم المساواة، فضلًا عن التحولات المتسارعة التي تفرضها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن مسؤولية الجامعات تتجاوز التعليم والبحث العلمي لتشمل بناء الوعي وتعزيز التفاهم بين الشعوب وإعداد أجيال قادرة على مواجهة التحديات العالمية.
وأكد قنصوة أن التعليم يمثل إحدى أهم الأدوات لبناء السلام وتعزيز التماسك المجتمعي وتكافؤ الفرص، فيما يشكل البحث العلمي والابتكار ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة وبناء اقتصاد أكثر شمولًا.
وأضاف أن مصر تضع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في صميم أولوياتها التنموية، انطلاقًا من إيمانها بأن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في الإنسان ومستقبل الوطن.
تعاون دولي لتوسيع فرص التعليم وتمكين الشباب
وأشار وزير التعليم العالي إلى أن الأمم المتحدة تجسد تطلع المجتمع الدولي إلى عالم يسوده السلام والعدالة والتضامن والتعاون، لافتًا إلى أهمية دورها في تعزيز الحوار وتوحيد الجهود الدولية ودفع مسيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة العمل متعدد الأطراف.
وأكد أن الجامعات تمثل جسورًا حيوية للتواصل بين الدول والثقافات، ومنصات فاعلة لترسيخ التعاون الدولي من خلال الشراكات في التعليم والبحث العلمي والابتكار وبناء القدرات.
وأوضح قنصوة تطلع مصر إلى مواصلة تعزيز تعاونها مع الأمم المتحدة، بما يسهم في توسيع فرص الحصول على تعليم جيد، وتمكين الشباب، وتطوير المعرفة العلمية، وتوظيف التقنيات الناشئة لخدمة البشرية. وشدد على أن الطموح لا يقتصر على إعداد الشباب لوظائف المستقبل، بل يمتد إلى تمكينهم من ابتكار فرص جديدة وتطوير حلول مبتكرة والمشاركة الفاعلة في بناء عالم أكثر سلامًا وازدهارًا واستدامة.
وفي ختام كلمته، رحب الوزير بالأمين العام للأمم المتحدة، معربًا عن تقديره لجهوده في دعم التعاون الدولي وتعزيز الحوار، ومؤكدًا تطلع مصر إلى مواصلة العمل المشترك في مجالات التعليم والتقدم العلمي، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا.
رئيس جامعة القاهرة: الزيارة رسالة ملهمة للشباب
من جانبه، أعرب الدكتور محمد سامي، رئيس جامعة القاهرة، عن اعتزازه باستقبال الأمين العام للأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن الجامعة تشرفت باستقباله في فبراير 2017، خلال الشهور الأولى من توليه منصبه، ويسعدها تجديد الترحيب به مع اقتراب نهاية فترة ولايته.
وأشاد رئيس الجامعة بجهود غوتيريش في الدعوة إلى السلام والعدالة واحترام القانون الدولي وصون الكرامة الإنسانية، مؤكدًا تقدير الجامعة لمواقفه الداعمة لحماية المدنيين وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وتعزيز السلام في المنطقة.
وأشار إلى ارتباط الجامعة التاريخي بأهداف الأمم المتحدة، ومواصلة جهودها لدعم أهداف التنمية المستدامة من خلال مبادرات في مجالات الصحة والتعليم والطاقة النظيفة وحماية البيئة، إلى جانب تعزيز الحوار والتسامح والتفاهم الثقافي، وترسيخ المشاركة المجتمعية بوصفها أحد متطلبات التخرج، إيمانًا بدور التعليم في خدمة المجتمع وتحسين حياة المواطنين.
وأكد سامي أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة تمثل رسالة ملهمة للشباب بشأن دورهم في بناء عالم أكثر سلامًا وعدالة واستدامة، وأهمية إعداد الطلاب للمساهمة في خدمة مجتمعاتهم والإنسانية.
الخارجية: تعزيز التعاون متعدد الأطراف ضرورة لمواجهة التحديات
بدوره، أكد السفير محمد أبو بكر أن استضافة جامعة القاهرة لهذه الفعالية بالتزامن مع الاحتفال بيوم الأمم المتحدة تمثل فرصة لتجديد التأكيد على عمق العلاقات بين مصر والمنظمة الدولية، والتطلع إلى مستقبل يسوده السلام والتعاون الدولي.
وأشاد بقيادة الأمين العام للأمم المتحدة ودور المنظمة في تعزيز الحوار والتضامن الدولي، مشيرًا إلى الدور المصري الفاعل في عمليات حفظ السلام الأممية، ومشاركة القوات المصرية في حماية المدنيين ودعم الاستقرار، ومثمنًا تضحيات أبناء مصر في سبيل تحقيق السلام.
وأضاف أن تحقيق السلام المستدام يتطلب معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، ودعم إعادة الإعمار وبناء المؤسسات الوطنية، مؤكدًا استمرار جهود مصر لتعزيز السلم والأمن الدوليين ودعم الحلول الأفريقية للتحديات التي تواجه القارة.
وأوضح أن التحديات العالمية الراهنة، بما تشملُه من نزاعات وأزمات إنسانية واقتصادية وتغيرات مناخية، تستدعي تعزيز التعاون متعدد الأطراف، ومواصلة إصلاح الأمم المتحدة، وتجديد الالتزام بمبادئ ميثاقها لضمان مستقبل أكثر أمنًا.
حوار تفاعلي مع الطلاب حول قضايا السلام والأمن الدوليين
وعلى هامش المحاضرة، دار حوار تفاعلي بين أنطونيو غوتيريش والطلاب والحضور، تناول عددًا من القضايا الدولية والإقليمية الراهنة، وجهود الأمم المتحدة في تعزيز السلام والأمن الدوليين، وسبل مواجهة النزاعات والأزمات الإنسانية، ودور الشباب في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
وعكست الفعالية أهمية دور المؤسسات التعليمية في فتح مساحات للحوار وتبادل المعرفة، وتعزيز الوعي بالقضايا العالمية، وترسيخ قيم التعاون والتضامن الدولي باعتبارها ركائز أساسية لبناء مستقبل مشترك أكثر سلامًا واستدامة.