90 % من رأس المال.. النسبة التي تشعل المواجهة بين «يو بي إس» والحكومة السويسرية


Sun 25 Oct 2026 | 06:02 PM
محمد سلامة

تتصاعد حدة الخلاف بين بنك «يو بي إس» والسلطات السويسرية بشأن القواعد الجديدة المقترحة لرأس المال، في مواجهة تتجاوز حدود المتطلبات التنظيمية إلى مستقبل أكبر بنك في البلاد، وانعكاسات قراراته المحتملة على سوق العمل والقطاع المصرفي السويسري.

ويتمحور النزاع حول مقترح يلزم البنك بتغطية وحداته التابعة في الخارج برأسمال من الأسهم العادية من الشريحة الأولى (CET1) يعادل 90%، وهو مستوى يعترض عليه البنك باعتباره يفرض أعباء رأسمالية مرتفعة، في وقت لا يزال فيه يستكمل دمج «كريدي سويس»، الذي استحوذ عليه في عام 2023.

وفي المقابل، تبرز مخاوف داخل سويسرا من أن يؤدي تشديد المتطلبات الرأسمالية إلى دفع البنك لإعادة النظر في هيكله التشغيلي ومقره الرئيسي، بما قد ينعكس على آلاف الوظائف ويثير تساؤلات بشأن تنافسية البلاد مركزًا ماليًا دوليًا.

12 ألف وظيفة تحت ضغط الخلاف التنظيمي

حذرت رابطة موظفي البنوك السويسرية من احتمال تعرض ما بين 10 آلاف و12 ألف وظيفة لدى «يو بي إس» داخل سويسرا للخطر، إذا أدت القواعد الرأسمالية الأكثر تشددًا إلى نقل المقر الرئيسي للبنك أو جزء من أنشطته إلى الخارج، وفقًا لما نقلته صحيفة «إن زد زد أم زونتاج».

وأوضحت الرابطة، في رسالة وجهتها إلى أعضاء البرلمان السويسري، أن الوظائف المحتمل تأثرها تمثل جزءًا من نحو 34 ألف وظيفة يوفرها البنك داخل البلاد، ما يضع القضية في صلب النقاش بشأن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتعديلات التنظيمية المقترحة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواصل فيه «يو بي إس» تنفيذ عملية دمج «كريدي سويس»، وهي عملية ترتبط بإعادة هيكلة العمليات والأنشطة وتقليص بعض الوظائف. ومن ثم، فإن أي ضغوط إضافية ناجمة عن القواعد الجديدة قد تتداخل مع آثار إعادة الهيكلة الجارية بالفعل.

وتعكس هذه التطورات مخاوف من أن يمتد أثر القرارات التنظيمية إلى ما هو أبعد من الميزانيات المصرفية، ليشمل سوق العمل والأنشطة المالية المرتبطة بأحد أبرز المؤسسات المصرفية في سويسرا.

90% من رأس المال.. محور المواجهة

يأتي الخلاف بالتزامن مع استعداد لجنة في مجلس النواب السويسري لمناقشة حجم رأس المال الذي يتعين على «يو بي إس» الاحتفاظ به لتغطية وحداته التابعة في الخارج.

وكان مجلس الشيوخ السويسري قد اقترح، خلال الشهر الماضي، إلزام البنك بتغطية هذه الوحدات برأسمال من الأسهم العادية من الشريحة الأولى (CET1) يعادل 90%، في إطار التوجه نحو تعزيز قدرة البنك على امتصاص الخسائر والحد من المخاطر التي قد تنتقل إلى الاقتصاد السويسري في حال تعرضه لضغوط مالية كبيرة.

ويمثل رأس المال من الشريحة الأولى أحد أهم مؤشرات القوة المالية للمصارف، إذ يتكون أساسًا من الأسهم العادية والأرباح المحتجزة، ويُستخدم لامتصاص الخسائر مع استمرار البنك في العمل.

لكن الخلاف يتمحور حول حجم رأس المال المطلوب وطريقة تطبيق القواعد على الوحدات الأجنبية، وما إذا كانت المتطلبات المقترحة ستفرض على البنك الاحتفاظ برأسمال إضافي كبير مقارنة بالترتيبات التنظيمية البديلة.

وبالنسبة إلى «يو بي إس»، فإن ارتفاع متطلبات رأس المال قد يؤثر على كيفية تخصيص موارده المالية، وقدرته على توظيف رأس المال في أنشطته المختلفة، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على العائد للمساهمين والقرارات المتعلقة بالاستثمار والتوسع.

«يو بي إس» يلوّح بإعادة تقييم مستقبله في سويسرا

حذر رئيس مجلس إدارة البنك من أن إقرار قواعد شديدة الصرامة سيدفع المؤسسة إلى إعادة النظر بعناية في مستقبلها داخل سويسرا، بينما دعا بعض المساهمين إلى دراسة نقل البنك خارج البلاد.

وفي هذا السياق، يدرس «يو بي إس» خيارات استراتيجية بديلة، تشمل نقل مقره الرئيسي إلى الخارج أو الاندماج مع مؤسسة مصرفية أخرى، تحسبًا لإقرار متطلبات رأسمالية أكثر تشددًا.

ولا يعني بحث هذه الخيارات اتخاذ قرار نهائي بشأن مغادرة سويسرا، لكنه يعكس حجم الضغوط التي قد تفرضها التغييرات التنظيمية على حسابات البنك الاستراتيجية، خصوصًا في ظل ارتباط قرارات المقر الرئيسي بالضرائب والتكاليف التشغيلية والرقابة المالية وإمكانية الوصول إلى الأسواق الدولية.

كما يضع هذا التلويح السلطات السويسرية أمام معادلة معقدة: تعزيز متانة النظام المصرفي وحماية الاقتصاد من المخاطر المرتبطة بالمؤسسات المالية الكبرى، مع الحفاظ على جاذبية البلاد مركزًا رئيسيًا للأعمال المصرفية الدولية.

معادلة صعبة بين الاستقرار المالي وتنافسية القطاع المصرفي

تدفع القضية إلى الواجهة نقاشًا أوسع بشأن كيفية تنظيم البنوك الكبرى التي تمتلك أنشطة واسعة خارج حدود الدولة التي تتخذها مقرًا رئيسيًا.

فمن ناحية، تمنح متطلبات رأس المال المرتفعة الجهات الرقابية أدوات إضافية لتعزيز قدرة المصارف على مواجهة الخسائر وتقليل احتمالات انتقال الأزمات إلى النظام المالي والاقتصاد. ومن ناحية أخرى، قد تؤدي زيادة الاحتياجات الرأسمالية إلى رفع تكلفة ممارسة الأعمال، وتقييد استخدام رأس المال، والتأثير على القرارات المتعلقة بالتوسع الجغرافي والهيكل المؤسسي.

وتزداد حساسية هذه المعادلة في حالة «يو بي إس»، بالنظر إلى حجم البنك وأهميته بالنسبة إلى الاقتصاد السويسري، فضلًا عن المسؤوليات التنظيمية المرتبطة بكونه مؤسسة مصرفية ذات أنشطة دولية واسعة.

وفي هذا الإطار، دعت رابطة موظفي البنوك السويسرية إلى التوصل إلى تسوية قابلة للتطبيق، محذرة من أن تشديد القواعد قد يثير تساؤلات بشأن استمرار البنك في اتخاذ سويسرا مقرًا رئيسيًا له.

مفاوضات رأس المال ترسم ملامح المرحلة المقبلة

مع استمرار المناقشات البرلمانية، يتوقف مسار الأزمة على الصيغة النهائية لمتطلبات رأس المال، ومدى قدرة السلطات والبنك على التوصل إلى إطار يوازن بين تعزيز الاستقرار المالي وتجنب تحميل المؤسسة أعباء قد تؤثر على تنافسيتها.

ولا تقتصر أهمية القرار على مستقبل «يو بي إس» وحده، بل تمتد إلى موقع سويسرا في صناعة الخدمات المالية الدولية، وقدرتها على الاحتفاظ بالمؤسسات الكبرى والوظائف والأنشطة المرتبطة بها.

وبين متطلبات الرقابة المصرفية ومخاطر انتقال الوظائف والأنشطة إلى الخارج، تتحول نسبة 90% إلى محور مواجهة اقتصادية وتنظيمية ستحدد نتائجها جانبًا مهمًا من مستقبل أكبر بنك سويسري، كما ستكشف حدود التوازن الذي تسعى البلاد إلى تحقيقه بين الأمان المالي وجاذبية بيئة الأعمال.