تقترب سوق الإيجارات السكنية في الولايات المتحدة من مرحلة مفصلية مع توقعات بتراجع المعروض الجديد من الشقق والمنازل المخصصة للإيجار خلال عام 2027، بعد طفرة بناء استمرت لسنوات وأسهمت في تهدئة نمو الإيجارات وزيادة المنافسة بين الملاك لاستقطاب المستأجرين.
لكن انحسار المعروض لا يضمن ارتفاع الأسعار، إذ يتوقف اتجاه السوق على قدرة الأسر على تحمل تكاليف السكن، وتطورات سوق العمل، ومعدلات تكوين الأسر الجديدة، فضلًا عن التأثير المحتمل لتباطؤ الهجرة الدولية على الطلب السكني.
وبحسب تحليل توني جوليانيلي، الرئيس التنفيذي لشركة «أطلس للعقارات»، فإن تقييم فرص الاستثمار في القطاع يتطلب النظر إلى ما وراء المؤشرات الحالية، إذ تعكس الوحدات التي تضغط على الإيجارات اليوم قرارات بناء اتُخذت قبل سنوات، بينما قد تظهر آثار تباطؤ الإنشاءات بصورة أوضح خلال العامين المقبلين.
طفرة البناء تضغط على الإيجارات قبل انحسار المعروض
أظهرت بيانات شركة «ياردي ماتريكس» ارتفاع الإيجارات المطلوبة للشقق الأمريكية بنسبة 0.4% فقط خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، في حين بلغ معدل الشقق الشاغرة 7.3% وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.
ويأتي ذلك في أعقاب طفرة بناء واسعة، إذ سجلت السوق تسليم 697,099 شقة خلال عام 2024، وهو أعلى مستوى منذ جائحة كورونا، بينما لا يزال نحو 1.2 مليون وحدة في مرحلة استقطاب المستأجرين واستكمال عمليات التأجير.
في المقابل، بدأت مؤشرات الإنشاءات الجديدة تعكس تباطؤًا ملحوظًا. فقد تراجع معدل تسليم المباني السكنية التي تضم خمس وحدات أو أكثر إلى وتيرة سنوية تبلغ 302 ألف وحدة في أغسطس، بانخفاض 35.7% على أساس سنوي، فيما انخفضت تصاريح بدء الإنشاءات في الفئة نفسها بنسبة 15.5%.
وتتوقع «ياردي ماتريكس» تسليم 490,362 وحدة خلال عام 2026، قبل انخفاض العدد إلى 444,343 وحدة في 2027، وهو أدنى مستوى متوقع خلال الدورة الحالية.
كما يُتوقع أن يتراجع المعروض الجديد من الشقق الموجهة إلى السوق التجارية غير المدعومة بنحو 11% عن مستويات عام 2020 في 2027، بالتزامن مع ارتفاع حصة الوحدات الميسورة التكلفة من إجمالي المعروض الجديد.
ولا يقتصر التباطؤ على المباني متعددة الوحدات، بل يمتد إلى المنازل التي تُبنى خصيصًا للتأجير؛ إذ انخفضت بدايات إنشائها إلى نحو 15 ألف وحدة خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 18 ألف وحدة قبل عام، كما تراجعت بنسبة 16% خلال الأرباع الأربعة الأخيرة إلى 63 ألف وحدة.
وتبدو آثار الانكماش أكثر وضوحًا في الأسواق التي شهدت طفرة بناء كبيرة، إذ انخفضت بدايات الإنشاءات في أوستن بنسبة 69%، وفي دنفر بنسبة 51% مقارنة بمستويات عام 2022.
ورغم ارتفاع عدد الشقق التي بدأ بناؤها بنحو 20% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فإن تأثير هذه الزيادة لن يظهر فورًا. وتتوقع «ياردي ماتريكس» تسليم 455,442 وحدة في 2028، وهو مستوى أعلى قليلًا من 2027، لكنه يظل أقل بكثير من ذروة البناء المسجلة في 2024.
ارتفاع تكاليف التملك يعزز جاذبية الإيجار
يمثل ارتفاع تكلفة شراء المنازل أحد العوامل التي قد تدعم استمرار الطلب على الإيجارات الأمريكية، في ظل زيادة أعباء التمويل العقاري وتراجع قدرة شريحة من الأسر على الانتقال إلى التملك.
وبحسب البيانات الواردة في التحليل، بلغ متوسط الفائدة على القروض العقارية الأمريكية ثابتة السعر لمدة 30 عامًا نحو 7.28% في الأول من أكتوبر، مقارنة بـ6.34% قبل عام، وهو ما يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على القدرة الشرائية للمشترين.
كما أسهمت محدودية المنازل المعروضة للبيع في استمرار الضغوط على سوق التملك. وتشير بيانات وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية إلى أن 49.1% من القروض العقارية القائمة كانت تحمل فائدة تقل عن 4% خلال الربع الثاني، مقابل 22.5% للقروض ذات الفائدة البالغة 6% أو أكثر.
وتدفع هذه الفجوة بعض مالكي المنازل إلى التردد في البيع والتخلي عن قروضهم منخفضة الفائدة، ما يحد من المعروض المتاح أمام المشترين الجدد.
وتكشف بيانات مستندة إلى تحليل مكتب الإحصاء الأمريكي عن اتساع الفجوة في تكاليف السكن؛ إذ بلغ متوسط التكلفة الشهرية للأسر التي اشترت منازل خلال عام 2024 نحو 2,679 دولارًا، مقابل 1,630 دولارًا للأسر المستأجرة، بفارق 1,049 دولارًا شهريًا.
ومع ذلك، ينبغي مراعاة أن المقارنة تشمل منازل مملوكة ومستأجرة قد تختلف في المساحة والموقع والخصائص الأخرى.
وتظهر الضغوط بوضوح بين الشباب؛ إذ تراجع معدل تملك المنازل للأسر التي يقل عمر رب الأسرة فيها عن 35 عامًا إلى 35.2% خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 36.4% قبل عام.
كذلك، لم تتجاوز حصة المشترين لأول مرة 21% من إجمالي عمليات شراء المنازل في أحدث تقرير سنوي للجمعية الوطنية للوسطاء العقاريين، وهو أدنى مستوى مسجل وفق البيانات الواردة، بينما ارتفع متوسط عمر المشتري لأول مرة إلى 40 عامًا.
وفي المقابل، بلغ عدد الأسر المستأجرة للمنازل المنفصلة 14.6 مليون أسرة خلال 2025، وهو أعلى مستوى في سبعة أعوام، وفق تقديرات «أربور ريلتي تراست» ومؤسسة «تشانـدان إيكونوميكس».
وتشير هذه المؤشرات إلى أن صعوبة التملك تدفع مزيدًا من الأسر إلى البقاء في سوق الإيجارات، لكنها لا تلغي تأثير الدخل والقدرة على تحمل الإيجار في تحديد حجم الطلب الفعلي.
تباطؤ الوظائف يهدد الطلب على الوحدات السكنية
على الرغم من توقعات تراجع المعروض، يمثل ضعف سوق العمل أحد أبرز المخاطر التي قد تحد من ارتفاع الإيجارات خلال 2027.
فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة فقط في سبتمبر، وفق الأرقام الواردة في التحليل، بينما عُدلت بيانات يوليو لتظهر خسارة 10 آلاف وظيفة، وخُفضت تقديرات أغسطس إلى 133 ألف وظيفة.
واستقر معدل البطالة عند 4.2%، مع وجود 7.1 مليون شخص دون عمل، بينهم 1.9 مليون شخص استمرت بطالتهم لمدة 27 أسبوعًا أو أكثر.
وتؤثر هذه الأوضاع في قرارات تكوين الأسر الجديدة، إذ قد تدفع محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف السكن بعض الشباب إلى تأجيل الاستقلال السكني، أو مشاركة المسكن مع آخرين، أو العودة إلى العيش مع أسرهم، بما يحد من نمو الطلب على الوحدات المستأجرة.
وفي هذا السياق، أشار مركز هارفارد المشترك لدراسات الإسكان إلى تباطؤ نمو عدد الأسر بنسبة 16% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مسجلًا العام الثالث على التوالي من التباطؤ.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتزامن انخفاض المعروض في 2027 مع طلب أضعف من المتوقع، ما يقلل قدرة الملاك على رفع الإيجارات رغم تراجع عدد الوحدات الجديدة.
تراجع الهجرة يضيف ضغوطًا جديدة على سوق الإيجارات
تمثل الهجرة الدولية عاملًا آخر في معادلة العرض والطلب، خصوصًا في المدن التي تعتمد بدرجة كبيرة على الوافدين الجدد في نمو عدد السكان وتكوين الأسر.
وبحسب مكتب الإحصاء الأمريكي، انخفض صافي الهجرة الدولية من 2.7 مليون شخص إلى 1.3 مليون شخص في العام المنتهي في يونيو 2025، مع توقعات بتراجعه إلى نحو 321 ألف شخص بحلول يوليو 2026 إذا استمرت الاتجاهات المشار إليها.
وفي المقابل، تتوقع تقديرات مؤسسة «بروكينجز» احتمال تحول صافي الهجرة إلى السالب في 2025 للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، بينما تتراوح تقديراتها لعام 2026 بين صافي خسارة قدرها 925 ألف شخص وصافي زيادة تبلغ 185 ألفًا.
ويظهر تأثير الهجرة على سوق الإسكان تدريجيًا، لأن الوافدين الجدد يحتاجون إلى وقت قبل تكوين أسر مستقلة واستئجار مساكن خاصة بهم.
ويقدّر باحثون في مركز هارفارد أن نمو الأسر المرتبطة بالمهاجرين الجدد قد يتراجع من 640 ألف أسرة في 2024 إلى 143 ألف أسرة في 2027، وهو ما قد يقلص أحد مصادر الطلب على الإيجارات.
ومن المرجح أن تتفاوت انعكاسات هذا التراجع بين المدن الأمريكية؛ إذ تشمل الأسواق التي قد تتأثر بدرجة أكبر نيويورك وميامي وهيوستن، وفق تحليل سابق لمؤسسة «ريزاي كلوب»، مع احتمال تركز جانب من ضعف الطلب في الشرائح الأقل دخلًا.
وتضيف هذه التطورات تعقيدًا إلى توقعات سوق الإيجارات، إذ يمكن أن يتراجع المعروض بالتزامن مع انخفاض نمو الطلب، ما يجعل مسار الأسعار مرتبطًا بظروف كل مدينة وسوق فرعية على حدة.
الاستثمار العقاري في 2027.. فرصة مشروطة بتطورات السوق
في ضوء التوقعات بانخفاض المعروض الجديد، قد تبرز فرص استثمارية في سوق العقارات السكنية الأمريكية، لكن الاستفادة منها تظل مشروطة بقدرة المستثمرين على تحمل فترات ضعف الطلب وارتفاع الشواغر.
وبحسب البيانات الواردة في التحليل، استقرت معدلات الرسملة في العقارات السكنية متعددة الوحدات قرب 5.7% لمدة سبعة أرباع متتالية، وهي أطول فترة استقرار منذ 25 عامًا، فيما بلغ متوسط معدل الرسملة في سوق المنازل المنفصلة المخصصة للإيجار 7.4% خلال الربع الأول من 2026، وفق بيانات «أربور».
ويرى جوليانيلي أن المستثمرين ينبغي أن يبنوا حساباتهم على سيناريوهات متحفظة، تشمل استقرار الإيجارات إلى حين امتصاص الوحدات الشاغرة، ثم احتمال تعافيها بصورة محدودة مع تراجع التسليمات الجديدة خلال 2027.
كما تبرز أهمية اختبار قدرة الاستثمارات على الصمود في حال تراجع التوظيف محليًا أو استمرار ضعف الطلب، بدلًا من الاعتماد على توقعات ارتفاع الإيجارات أو انخفاض أسعار الفائدة وحدها لتحقيق عوائد مقبولة.
ويظل الحفاظ على معدلات إشغال مرتفعة والقدرة على الاحتفاظ بالمستأجرين عاملين أساسيين في أداء العقارات، خاصة خلال الفترات التي تتسم بارتفاع المنافسة بين الملاك.
هل ترتفع الإيجارات الأمريكية في 2027؟
تشير المؤشرات إلى أن سوق الإيجارات الأمريكية قد تدخل مرحلة أكثر تشددًا في 2027، مع انحسار موجة المعروض الناتجة عن طفرة البناء السابقة. لكن اتجاه الأسعار سيعتمد على التوازن بين انخفاض الوحدات الجديدة وقدرة المستأجرين على دفع الإيجارات.
فمن ناحية، تدعم تكاليف التملك المرتفعة استمرار الطلب على الإيجار، فيما قد يؤدي انخفاض الإنشاءات إلى تقليص الخيارات المتاحة أمام المستأجرين. ومن ناحية أخرى، يهدد تباطؤ الوظائف وتراجع الهجرة وضعف تكوين الأسر بإبطاء نمو الطلب.
وبالتالي، لا يعني انخفاض المعروض بالضرورة ارتفاعًا واسعًا في الإيجارات على مستوى الولايات المتحدة؛ إذ قد تشهد بعض المدن ارتفاعات في الأسعار، بينما تستمر أسواق أخرى في مواجهة الشواغر وضعف الطلب.
وتبقى متابعة بيانات البناء والتوظيف والهجرة ومعدلات الإشغال خلال الأشهر المقبلة ضرورية لتحديد ما إذا كان عام 2027 سيشهد تحولًا فعليًا نحو سوق أكثر تشددًا، أم أن ضعف الطلب سيحد من تأثير تراجع المعروض.