تدخل الصناعة المصرية مرحلة جديدة من إعادة هيكلة أدوات الدعم والاستثمار، تجمع بين معالجة أوضاع المصانع المتعثرة، وتوفير الأراضي للمشروعات الجديدة، وتوسيع قنوات التمويل، بالتوازي مع إدخال التكنولوجيا والتحول الرقمي ودعم الصناعات ذات القيمة المضافة والتوجه التصديري.
وتتحرك الحكومة عبر حزمة من الأدوات تشمل صندوقًا لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال مستهدف يبلغ مليار جنيه، وطرح 540 قطعة أرض صناعية بإجمالي 5.7 مليون متر مربع في 20 منطقة صناعية بـ15 محافظة بنظام الإيجار المنتهي بالتمليك، إلى جانب تأسيس صندوق للاستثمار الصناعي برأسمال مدفوع 500 مليون جنيه ورأسمال مرخص يصل إلى 10 مليارات جنيه.
لكن الأرقام المعلنة لا تمثل في حد ذاتها حجم الإنفاق الفعلي أو الاستثمارات المنفذة؛ إذ تختلف الأموال المستهدفة عن رأس المال المدفوع، كما يختلف إجمالي الأراضي المطروحة عن المساحات التي جرى تخصيصها بالفعل.
مليار جنيه لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة
أطلقت وزارة الصناعة بالتعاون مع البنك المركزي صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة، برأسمال مستهدف يصل إلى مليار جنيه، بهدف مساعدة الشركات والمصانع التي تمتلك مقومات تشغيلية ويمكن إعادة هيكلتها وإعادتها إلى الإنتاج.
وتشمل آليات الصندوق إمكانية الدخول في هياكل الملكية، وإعادة هيكلة المديونيات، وضخ رؤوس أموال جديدة، إلى جانب تحسين الكفاءة التشغيلية والحوكمة.
ويضم الصندوق خمسة بنوك هي: البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، والبنك العربي الأفريقي الدولي، والبنك الزراعي المصري، والبنك المصري لتنمية الصادرات، فيما يرأس لجنة الاستثمار محمد السويدي، وتتولى شركة CI Capital إدارة الصندوق.
ولا يعني إعلان رأس مال مستهدف بقيمة مليار جنيه ضخ هذا المبلغ بالفعل في المصانع، إذ تبدأ إجراءات الاكتتاب في الصندوق اعتبارًا من 4 أكتوبر.
ويمكن للمصانع الراغبة في الاستفادة من الآلية التسجيل عبر منصة مصر الصناعية الرقمية واختيار خدمة «المصانع المتعثرة»، لتبدأ بعد ذلك عملية تقييم كل حالة ودراسة مدى قابليتها لإعادة الهيكلة وإعادة التشغيل.
وحتى الآن، لا يوجد حصر رسمي محدث يوضح عدد المصانع التي أعيد تشغيلها بالفعل من خلال الصندوق، ما يجعل تقييم النتائج مرتبطًا خلال الفترة المقبلة بحجم الطلبات المقدمة، وعدد الحالات التي تم تقييمها، وحجم التمويل الذي سيتم ضخه فعليًا، وعدد المصانع التي ستعود إلى الإنتاج.
منصة رقمية لربط المصانع بالتمويل
وتتحول منصة مصر الصناعية الرقمية تدريجيًا إلى إحدى الأدوات الرئيسية لإدارة ملف الصناعة، ليس فقط من خلال تقديم الخدمات الإلكترونية للمستثمرين، ولكن أيضًا عبر بناء قاعدة بيانات عن المصانع واحتياجاتها وربطها بمصادر التمويل والاستثمار.
وأوضح أيمن البياع، مساعد وزير الصناعة للتحول الرقمي والمدير التنفيذي لمركز تحديث الصناعة، أن التحول الرقمي يساعد على بناء منظومة أكثر دقة لتصنيف المصانع المتعثرة وربطها بالمستثمرين ومصادر التمويل.
وتشمل مسارات العمل كذلك إنشاء صناديق استثمار صناعي، وربط المصانع الكبيرة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال نظام الامتياز الصناعي، إلى جانب تطوير أدوات لربط المصانع المتعثرة بالمستثمرين وتوفير التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة.
5.7 مليون متر للأراضي الصناعية
وفي مسار موازٍ، طرحت الهيئة العامة للتنمية الصناعية 540 قطعة أرض بإجمالي نحو 5.7 مليون متر مربع في 20 منطقة صناعية موزعة على 15 محافظة، بنظام الإيجار المنتهي بالتمليك.
ويستهدف النظام تخفيف العبء المالي الأولي عن المستثمر، بحيث يمكن توجيه نسبة أكبر من السيولة إلى إنشاء المصنع وشراء خطوط الإنتاج والمعدات، على أن تنتقل ملكية الأرض إلى المستثمر بعد استيفاء شروط الجدية والتشغيل وسداد الالتزامات المقررة.
كما يتم خصم قيمة الإيجارات المسددة من ثمن الأرض وفق القواعد المحددة، بما يربط الحصول على الأرض بالتزام المستثمر بتنفيذ المشروع وتحويلها إلى طاقة إنتاجية فعلية.
أكثر من 300 ألف متر في أول تخصيص
وأعلنت الهيئة العامة للتنمية الصناعية تخصيص أكثر من 300 ألف متر مربع للمستثمرين في ثماني مناطق صناعية، هي برج العرب الجديدة، ووادي النطرون، والقطامية، والعاشر من رمضان، ومدينة 6 أكتوبر الجديدة، والسادات، وطيبة الجديدة، وأخميم الجديدة.
وجاء التخصيص بعد طرح جرى خلال الفترة من 15 إلى 31 أغسطس، مع الاعتماد على نظام إلكتروني للمفاضلة بين طلبات المستثمرين.
وتختلف هذه المساحة عن إجمالي 5.7 مليون متر مربع؛ فالأخير يمثل إجمالي مساحة 540 قطعة تم طرحها، بينما يمثل رقم 300 ألف متر تقريبًا المساحة التي جرى تخصيصها في الطرح الأول، وبالتالي لا تمثل الرقمان مساحتين يمكن جمعهما.
كما تربط منظومة التخصيص الحصول على الأرض بمراحل تنفيذ محددة، تبدأ باستخراج رخصة البناء، ثم تنفيذ الأساسات والإنشاءات، وصولًا إلى التشغيل واستصدار رخصة التشغيل والسجل الصناعي.
500 مليون جنيه رأس مال مدفوع لصندوق الاستثمار الصناعي
وبالتوازي مع معالجة أوضاع المصانع المتعثرة، تأسس صندوق مصر الفرعي للاستثمار الصناعي كأداة استثمارية تستهدف دعم الشركات الصناعية والتوسع في الأنشطة ذات الأولوية، وتعميق التصنيع المحلي وزيادة القدرة التنافسية والتصديرية.
ويبلغ رأس المال المدفوع للصندوق 500 مليون جنيه، فيما يصل رأس المال المرخص إلى 10 مليارات جنيه.
ولا يمثل الرقمان صندوقين مختلفين أو مبلغين تم ضخهما بالكامل؛ فالـ500 مليون جنيه هي رأس المال المدفوع، بينما يمثل مبلغ 10 مليارات جنيه الحد الأقصى المرخص لرأس مال الصندوق.
ويستهدف الصندوق قطاعات تشمل مكونات السيارات، والإلكترونيات والأجهزة الكهربائية، والصناعات الغذائية والمشروبات، والمنسوجات والملابس الجاهزة، والصناعات الدوائية، مع التركيز على تعميق المكون المحلي ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات.
من البطاريات إلى مكونات السيارات
ولا تقتصر التحركات الصناعية على إعادة هيكلة المصانع القائمة، إذ تشهد الفترة الأخيرة أيضًا توجهًا نحو إضافة طاقات إنتاجية جديدة.
ومن بين هذه التحركات توقيع عقد لإنشاء مصنع لإنتاج البطاريات الكهربائية بالتعاون مع شركة CATL، في إطار توجه يستهدف توطين صناعة مكونات السيارات الكهربائية.
كما يجري العمل على إنشاء قاعدة صناعية متخصصة في تخطيط وتصميم مصانع السيارات ووسائل النقل بالتعاون بين شركات صينية ومصرية، بما يدعم بناء سلاسل توريد محلية.
ويعكس هذا المسار توجهًا تدريجيًا من الاعتماد على تجميع المنتجات النهائية إلى توسيع قاعدة تصنيع المكونات وربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بالمصانع الكبرى.
التكنولوجيا تدخل قلب المنظومة الصناعية
ولا تقتصر إعادة ترتيب القطاع على التمويل والأراضي، إذ أصبحت التكنولوجيا والبحث والتطوير جزءًا أساسيًا من السياسة الصناعية.
وخلال زيارة مركز Foton X للبحث والتطوير، ظهرت البنية التكنولوجية المرتبطة بصناعة المركبات؛ إذ تبلغ مساحة المركز نحو 3600 متر مربع، ويضم أكثر من 500 مهندس ويعمل على أكثر من 300 منصة للمنتجات.
ويضم المركز معامل للنمذجة والدوائر الإلكترونية وكفاءة الطاقة والاختبارات البيئية والسلامة والتوافق الكهرومغناطيسي، إلى جانب قدرات للإنتاج التجريبي تتراوح بين ألف و10 آلاف قطعة.
وتشير هذه الاستثمارات إلى توجه أوسع نحو إدخال الأتمتة والذكاء الاصطناعي والرقمنة في العمليات الإنتاجية، بهدف رفع الإنتاجية وخفض التكاليف وتحسين قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
خطوط إنتاج جديدة تستهدف التصدير
وفي قطاع الصناعات الاستهلاكية، شهد مصنع يونيليفر مشرق في السادس من أكتوبر تشغيل خط إنتاج جديد لمنتجات العناية الشخصية، بما يرفع الطاقة الإنتاجية بنحو 20%، مع توجيه إنتاج الخط بالكامل إلى التصدير.
ويصدر المصنع نحو 65% من إنتاجه الحالي، بينما تصل نسبة الخامات المحلية المستخدمة في الإنتاج إلى نحو 80%، بما يبرز أهمية الاستثمارات الجديدة في زيادة الإنتاج، ودعم سلاسل التوريد المحلية، وتعزيز الصادرات الصناعية.
الصناعة الخضراء تدخل حسابات الاستثمار
وفي مسار آخر، تعمل وزارة الصناعة بالتعاون مع مؤسسات تمويل دولية على دعم التحول نحو الصناعة الخضراء ورفع كفاءة استخدام المياه والطاقة داخل المصانع.
وتزداد أهمية هذا المسار مع اتجاه الأسواق العالمية إلى تشديد المتطلبات البيئية للمنتجات المستوردة، ما يجعل كفاءة استخدام الطاقة والمياه وخفض الانبعاثات عوامل مرتبطة بشكل متزايد بقدرة المنتجات المصرية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإعلان
تجمع التحركات الحالية في الصناعة المصرية بين أربع حلقات رئيسية: الأرض، والتمويل، وإعادة تشغيل الأصول القائمة، والتكنولوجيا.
فصندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة يستهدف معالجة مشكلة الأصول الإنتاجية المتوقفة أو المتعثرة، بينما يوفر نظام الإيجار المنتهي بالتمليك مسارًا لدخول مستثمرين جدد بتكلفة أولية أقل، ويقدم صندوق الاستثمار الصناعي أداة لتمويل التوسع في القطاعات المستهدفة.
لكن المؤشرات الأهم خلال المرحلة المقبلة لن ترتبط فقط بحجم الأموال المعلنة أو مساحات الأراضي المطروحة، وإنما بقدرة هذه الأدوات على تحويلها إلى مصانع عاملة، وطاقة إنتاجية جديدة، واستثمارات منفذة، ومكون محلي أعلى، وصادرات إضافية، وفرص عمل.
وبذلك ينتقل تقييم السياسة الصناعية من مرحلة الإعلان عن أدوات الدعم إلى اختبار قدرتها على تحويل التمويل والأراضي والتكنولوجيا إلى إنتاج وقيمة مضافة محلية وقدرة تصديرية مستدامة.